واشنطن تصعّد حربها على المحكمة الجنائية الدولية.. عقوبات لحماية إسرائيل من المساءلة

 واشنطن تصعّد حربها على المحكمة الجنائية الدولية.. عقوبات لحماية إسرائيل من المساءلة

محكمة جنائية

رسالة واشنطن

واشنطن – سعيد عريقات – 19/8/2026

تحليل إخباري

صعّدت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الثلاثاء، حملتها ضد المحكمة الجنائية الدولية، معلنة فرض عقوبات على رئيسة المحكمة، اليابانية توموكو أكاني، وعلى كبير محامي المحاكمات فيها، السنغالي عبد الله سيي، في خطوة تكشف اتساع المواجهة بين واشنطن والمؤسسة القضائية الدولية، ولا سيما على خلفية التحقيقات المرتبطة بالجرائم المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين خلال الحرب على غزة.

وفي بيان تلقى مراسل جريدة “القدس” في واشنطن نسخة عنه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن إدارة ترمب تعتبر المحكمة “فاسدة ومسيسة بصورة قاتلة”، واتهمها بإساءة استخدام سلطاتها وتجاوز صلاحياتها، مؤكداً أن واشنطن لن تقبل بما وصفه بـ”اعتداء” المحكمة على سيادة الدول.

وبموجب الأمر التنفيذي رقم 14203، قررت الإدارة الأميركية إدراج أكاني وسيي على قائمة العقوبات، متهمة إياهما بالمشاركة بصورة مباشرة في جهود المحكمة الرامية إلى التحقيق مع مسؤولين، أو اعتقالهم أو احتجازهم أو ملاحقتهم قضائياً، رغم أن حكومات الدول التي ينتمون إليها لم توافق على اختصاص المحكمة.

وتقول إدارة ترمب إن المحكمة حاولت مراراً ممارسة اختصاصها على مواطنين أميركيين ومواطني دول لم تصادق على نظام روما الأساسي، معتبرة أن ذلك يشكل سابقة خطيرة تمس سيادة الدول. غير أن هذا التفسير الأميركي يتجاهل أن نظام روما يمنح المحكمة اختصاصاً في ظروف معينة على جرائم ارتُكبت في أراضي دول أعضاء، حتى عندما يكون المتهم من دولة غير عضو.

وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية أكبر في ضوء أن المحكمة كانت قد أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على غزة. كما تستمر المحكمة في النظر في ملفات مرتبطة بالوضع في الأراضي الفلسطينية.

ولا تكتفي إدارة ترمب بالعقوبات الفردية. فقد أعلن روبيو أن واشنطن تخوض حملة دبلوماسية أوسع تهدف إلى دفع دول أخرى إلى وقف تمويل المحكمة وإنهاء مشاركتها فيها، متوعداً باتخاذ مزيد من الإجراءات التي قال إنها قد تصل إلى «تفكيك» المحكمة بصورة منهجية، حتى تصبح عاجزة عن تهديد السيادة الأميركية.

وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة إجراءات أميركية سابقة ضد مسؤولي المحكمة، ما يشير إلى أن المواجهة لم تعد مجرد خلاف قانوني حول الاختصاص القضائي، وإنما تحولت إلى سياسة أميركية معلنة لإضعاف المؤسسة نفسها. وفي أغسطس/آب الجاري، رفعت أربع منظمات حقوقية أميركية دعوى قضائية ضد إدارة ترمب، متهمة إياها بأن نظام العقوبات المفروض على المحكمة ومن يتعاون معها يقوّض جهود تحقيق العدالة في جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية.

حماية الحليف أم حماية المساءلة؟

ورغم أن البيان الأميركي يصوغ الحملة باعتبارها دفاعاً عن «السيادة الوطنية»، فإن توقيتها وسياقها يطرحان سؤالاً أكثر مباشرة: هل تتحول السيادة، في التطبيق الأميركي، إلى غطاء سياسي لحماية حليف استراتيجي من المساءلة الدولية؟

فالمفارقة أن واشنطن تهاجم المحكمة بسبب سعيها إلى التحقيق في جرائم ارتُكبت في مناطق تخضع لاختصاصها، بينما لا تقدم بديلاً قضائياً دولياً مستقلاً قادراً على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المزعومة. وهنا تكمن خطورة الرسالة السياسية التي تحملها العقوبات: عندما تصل آليات العدالة الدولية إلى مسؤولين إسرائيليين، تصبح المؤسسة «مسيسة وفاسدة»، فيما يُنظر إلى المحكمة نفسها باعتبارها أداة مشروعة عندما تُستخدم ضد خصوم الولايات المتحدة.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن الهدف لا يقتصر على حماية مواطنين أميركيين من ملاحقات محتملة، بل يشمل أيضاً محاولة ردع المحكمة عن مواصلة ملفات تتصل بإسرائيل. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن المسؤول السنغالي المستهدف بالعقوبات مرتبط بملفات تتعلق بالاستيطان الإسرائيلي وأعمال العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وبذلك، فإن حملة واشنطن ضد المحكمة قد تتحول إلى اختبار حقيقي لمفهوم العدالة الدولية: هل القانون الدولي قابل للتطبيق على الجميع، أم أن النفوذ السياسي والعسكري للدولة أو حليفها يستطيع تحديد حدود المساءلة؟

العقوبات كدرع سياسي

لا يمكن فصل العقوبات الأميركية الجديدة عن السياق الذي جاءت فيه. فالمحكمة الجنائية الدولية لم تكن تستهدف مسؤولين إسرائيليين اعتباطاً، بل تحركت في إطار تحقيقات بشأن ادعاءات خطيرة تتعلق بسلوك الحرب في غزة. ومن ثم، فإن استهداف قادة المحكمة في اللحظة التي تلاحق فيها ملفات مرتبطة بإسرائيل يبعث برسالة ردع واضحة: ثمة حدود لا تريد واشنطن للمؤسسة الدولية تجاوزها عندما يتعلق الأمر بالحليف الإسرائيلي. والمشكلة هنا ليست في اختلاف الولايات المتحدة مع المحكمة حول الاختصاص، بل في استخدام القوة الاقتصادية والدبلوماسية لإضعاف المؤسسة التي يفترض أن توفر آلية لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم عندما تعجز الآليات السياسية عن ذلك.

من حماية إسرائيل إلى حماية الإفلات من العقاب

اللغة التي تستخدمها إدارة ترمب، مثل “السيادة” و”الاختصاص” و”تسييس المحكمة”، تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تصبح أكثر إثارة للجدل عند وضعها في سياق غزة. فبدلاً من الرد على الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين الإسرائيليين عبر الأدلة والإجراءات القضائية، تتجه واشنطن إلى معاقبة القائمين على الآلية التي تحقق فيها. وهذا يخلق انطباعاً بأن الهدف الفعلي ليس تصحيح عيوب المحكمة إن وجدت، وإنما منعها من الوصول إلى مرحلة المساءلة. والأسوأ أن هذا النهج يهدد بتحويل العدالة الدولية إلى نظام انتقائي، يسمح بملاحقة خصوم واشنطن، لكنه يتوقف عند حدود الحلفاء الأقوياء.

غزة والاختبار الأخطر للنظام الدولي

تكشف هذه المواجهة أن قضية المحكمة الجنائية الدولية تتجاوز الخلاف الأميركي معها، لتصل إلى مستقبل النظام القانوني الدولي برمته. فإذا كانت دولة عظمى قادرة على فرض عقوبات على قضاة ومدعين بسبب ممارستهم وظائفهم القضائية، فإن الرسالة التي تصل إلى الضحايا في غزة وغيرها هي أن العدالة الدولية قد تكون عاجزة عندما تصطدم بمصالح القوى الكبرى. وفي الحالة الفلسطينية، تزداد حساسية المسألة لأن الحرب خلفت أعداداً هائلة من الضحايا المدنيين ودماراً واسعاً، وسط اتهامات دولية خطيرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. حماية التحقيق، لا معاقبة المحققين، هي الاختبار الحقيقي لمصداقية العدالة.

مواجهة تتجاوز المحكمة

وتشير لهجة بيان روبيو إلى أن الإدارة الأميركية لا تنظر إلى الإجراءات الحالية باعتبارها خطوة محدودة، بل باعتبارها جزءاً من حملة طويلة الأمد لإعادة تشكيل البيئة الدولية التي تعمل فيها المحكمة. فالإدارة تقول صراحة إنها تريد إقناع دول أخرى بوقف تمويل المحكمة ومشاركتها، ما يعني أن واشنطن تسعى إلى تحويل موقفها من قضية ثنائية مع المحكمة إلى حملة دولية لتقليص نفوذها.

وهذا التصعيد يضع الولايات المتحدة أمام مفارقة دبلوماسية وقانونية عميقة: فهي تقول إنها تدافع عن سيادة الدول، لكنها تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي للضغط على دول أخرى كي تنسحب أو تقلص دعمها لمؤسسة قضائية دولية.

وفي نهاية المطاف، فإن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بمصير المحكمة الجنائية الدولية أو بمذكرات التوقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، بل بالسؤال الأوسع حول ما إذا كان القانون الدولي يستطيع مساءلة الأقوياء عندما تتوافر أدلة على جرائم جسيمة.

ومن منظور فلسطيني، تصبح القضية أكثر وضوحاً: إذا كانت المحكمة عاجزة عن التحقيق والملاحقة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن الحديث عن نظام عالمي موحد لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب يفقد جزءاً كبيراً من معناه. أما إذا كانت واشنطن تريد فعلاً حماية سيادة القانون، فإن الطريق الطبيعي لذلك هو السماح للقضاء الدولي بالعمل باستقلال، ومواجهة قراراته بالأدلة والحجج القانونية، لا بالعقوبات التي قد تُفهم باعتبارها محاولة لإسكات المؤسسة نفسها.

وتؤكد الخطوة الأميركية الجديدة، في المقابل، أن الحرب على غزة لم تعد مجرد صراع عسكري وسياسي داخل الشرق الأوسط، بل أصبحت أيضاً ساحة مواجهة حول معنى العدالة الدولية وحدود القوة الأميركية وقدرة المؤسسات الدولية على مساءلة الحلفاء قبل الخصوم.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *