تحليل إخباري: الديمقراطيون وإسرائيل: تحوّل عميق يربك واشنطن ويعيد رسم التحالفات
سعيد عريقات
سعيد عريقات
تشهد العلاقة التقليدية بين الحزب الديمقراطي الأميركي وإسرائيل تحولاً متسارعاً، بعدما كانت لعقود إحدى المسلمات الراسخة في السياسة الأميركية. فقد صوّت 40 من أصل 47 سيناتوراً ديمقراطياً أخيراً لصالح وقف صفقة أسلحة لإسرائيل، في خطوة عُدّت الأكثر دلالة حتى الآن على تراجع الإجماع القديم القائم على الدعم غير المشروط.
هذا التحول لا يعكس مجرد خلاف عابر حول حكومة بنيامين نتنياهو، بل يشير إلى تغير أعمق في المزاج السياسي داخل القاعدة الديمقراطية، حيث باتت قطاعات واسعة من الناخبين تنظر إلى الحرب على غزة باعتبارها لحظة مفصلية أعادت تقييم صورة إسرائيل ودورها الإقليمي، وكذلك حدود الدعم الأميركي لها.
وتُظهر استطلاعات الرأي الحديثة أن نحو 80 في المئة من الديمقراطيين أو الميالين إليهم يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل سنوات قليلة. ويعني ذلك أن السياسيين الديمقراطيين لم يعودوا قادرين على تجاهل قواعدهم الانتخابية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.
هذا التحول امتد إلى شخصيات من ولايات متأرجحة وطامحين رئاسيين، مثل مارك كيلي، وروبن غاليغو، وجون أوسوف، وإليسا سلوتكين، ما يؤكد أن المسألة لم تعد محصورة بالجناح التقدمي، بل باتت تياراً أوسع داخل الحزب.
في المقابل، لا تزال قيادات الحزب، مثل تشاك شومر، تحاول الحفاظ على صيغة وسطية: انتقاد نتنياهو وسياساته، مع التمسك بإسرائيل حليفاً استراتيجياً. غير أن هذه المعادلة تبدو أكثر صعوبة كلما اتسعت الفجوة بين القيادة والقاعدة.
ثلاث مراحل للتحول
بدأ الشرخ خلال عهد باراك أوباما، حين تصاعد الخلاف مع نتنياهو بشأن الاستيطان والاتفاق النووي الإيراني. ثم جاءت حرب غزة بعد هجمات السابع من أكتوبر لتجعل إسرائيل موضوعاً يومياً في الإعلام ومنصات التواصل، حيث انتقلت مشاعر التعاطف الأولية إلى غضب واسع بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية.
أما المرحلة الثالثة، فجاءت مع عودة دونالد ترامب وتصاعد المواجهة مع إيران، إذ ربط كثير من الديمقراطيين بين نتنياهو وترامب، ما عمّق النفور من إسرائيل لدى شرائح كانت سابقاً أكثر ميلاً لدعمها.
إلى أين يتجه الحزب؟
داخل الحزب الديمقراطي اليوم ثلاثة اتجاهات رئيسية: الأول يريد فرض شروط على المساعدات العسكرية، والثاني يدعو إلى وقف التمويل العسكري المباشر بالكامل، والثالث يذهب أبعد من ذلك عبر المطالبة بعقوبات سياسية واقتصادية شبيهة بتلك التي فُرضت على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
وفي المقابل، هناك تيار ليبرالي صهيوني ما زال يرى ضرورة الحفاظ على التحالف الأميركي الإسرائيلي، ولكن بعد إعادة صياغته وربطه بحل سياسي للقضية الفلسطينية. أما التيار الأكثر يسارية، فيرى أن المشكلة بنيوية، وأن فك الارتباط بين واشنطن وتل أبيب بات ضرورة إستراتيجية وأخلاقية.
التحول الديمقراطي تجاه إسرائيل لا يعود فقط إلى غزة، بل إلى تغير ديموغرافي وثقافي داخل الحزب الأميركي نفسه. فالأجيال الشابة أكثر حساسية لقضايا العدالة وحقوق الإنسان، وأقل ارتباطاً بالروايات التقليدية للحرب الباردة. كما أن تنوع الحزب عرقياً ودينياً جعل نظرته للشرق الأوسط أقل انحيازاً للرؤية القديمة. لذلك فإن ما يجري ليس موجة غضب مؤقتة، بل إعادة تشكيل طويلة الأمد لهوية الحزب الخارجية، ستظهر آثارها في الانتخابات المقبلة وصنع القرار الاستراتيجي الأميركي.
المعضلة الكبرى أمام إسرائيل أن خسارة الحزب الديمقراطي أخطر من أي خلاف آني مع إدارة جمهورية أو ديمقراطية. فالعلاقة مع واشنطن كانت دائماً تستند إلى إجماع الحزبين، لا إلى مزاج إدارة واحدة. وإذا أصبحت إسرائيل قضية حزبية مرتبطة بالجمهوريين فقط، فإنها تفقد أهم عناصر قوتها الدبلوماسية. هذا ما يفسر القلق المتزايد داخل الأوساط المؤيدة لها في الولايات المتحدة، لأن تسييس العلاقة يهدد استدامتها التاريخية على المدى البعيد.
أما عربياً وفلسطينياً، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة انقلاباً أميركياً وشيكاً في السياسات. فالمؤسسات الأميركية، واللوبيات الضاغطة، وموازين الكونغرس، ما زالت تفرض حدوداً واضحة على أي تغيير جذري. لكنه يفتح نافذة سياسية جديدة يمكن البناء عليها عبر خطاب عقلاني ومنظم يخاطب المجتمع الأميركي بلغة الحقوق والمصالح. فالتغيرات الكبرى تبدأ غالباً من تبدل الرأي العام، ثم تنتقل تدريجياً إلى المؤسسات وصنّاع القرار.
في المحصلة، لم تعد إسرائيل بالنسبة إلى الديمقراطيين قضية محسومة كما كانت في السابق، بل باتت ملفاً خلافياً مفتوحاً. وإذا عاد الحزب إلى البيت الأبيض عام 2028، فقد يجد نفسه مضطراً لاتخاذ قرارات غير مسبوقة بشأن مستقبل هذا التحالف التاريخي.
_________
