فرص حدوث انقلابات عسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي

 فرص حدوث انقلابات عسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي

منذر سليمان

منذر سليمان

يناقش هذا المقال، في إطار تحليلي شبه أكاديمي، احتمالات الانقلاب العسكري في دول مجلس التعاون الخليجي، عبر مقاربة تدمج بين منطق العلاقات المدنية–العسكرية وإجراءات “تحصين الأنظمة ضد الانقلاب” داخل الملكيات. ينطلق النص من ملاحظة تمايز التجربة الخليجية عن جمهوريات عربية شهدت تاريخياً تدخل الجيش في السياسة، ثم يفكك السيناريوهات المحتملة (انقلاب داخل القصر، انقلاب تقوده رتب متوسطة/عليا، انقلاب استجابة لاضطرابات مدنية) إضافة إلى سيناريوهات أقل احتمالاً (وصاية الجيش، تدخل خارجي، تمرّد، دور المرتزقة). ويخلص المقال إلى أن مركزية العائلة الحاكمة في قيادة الأجهزة المسلحة، وتعدد قنوات الولاء والرقابة، وتداخل الأمني بالاقتصادي، عوامل تحدّ بنيوياً من فرص الانقلاب الكلاسيكي، لكنها لا تلغي إمكانية حدوث صراعات داخل النخبة أو تحولات قسرية في لحظات الأزمات.

أظهرت موجة الاحتجاجات العربية التي عُرفت إعلامياً بـ”الربيع العربي” (2010–2011) تبايناً لافتاً بين الجمهوريات العربية التي استندت تاريخياً إلى انقلابات عسكرية بوصفها آلية لتداول السلطة أو تثبيتها، وبين الملكيات الخليجية التي بقيت—نسبياً—خارج مركز العاصفة. ويُستثنى من ذلك مبكراً ما شهدته البحرين من احتجاجات واسعة انتهت إلى تدخل أمني–عسكري إقليمي ساهم في احتواء الحركة الاحتجاجية.

ومع ذلك، فإن التحولات الإقليمية المتسارعة، والانعكاسات السلبية المفاجئة خليجياً للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران —بما في ذلك انكشاف وهشاشة النموذج الأمني والاقتصادي لدول الخليج، وتداعيات الصراعات الكبرى وتبدّل موازين الردع—تُنتج درجة أعلى من عدم اليقين بشأن مسارات الأمن والاستقرار في الخليج. وتزداد حساسية هذا السؤال في ظل عناصر داخلية متباينة: فجوات في مستويات الدخل والحقوق في سوق العمل، تفاوتات بنيوية بين المواطنين والعمالة الوافدة، وتوترات سياسية–اجتماعية في بعض الدول (مثل الانقسام المجتمعي في البحرين)، إلى جانب ديناميات إعادة ترتيب السلطة داخل العائلات الحاكمة كما في السعودية، فضلاً عن كلفة الخيارات الأمنية والسياسية الخارجية وما قد تولده من اعتراضات داخلية أو إقليمية، كما في حالة الإمارات.

لا بد من الاعتراف أن غياب تجربة كلاسيكية سابقة كاملة الأوصاف لانقلاب عسكري في دول مجلس التعاون الخليجي، يزيد في الغموض حول تقييم مدى قابلية دول مجلس التعاون لحدوث انقلاب عسكري بالمعنى الكلاسيكي، أو التمكن من تحديد السيناريوهات الأكثر ترجيحاً وفق بنية النظام السياسي–الأمني في كل دولة. ونحاول هنا ملامسة مقاربة تستند إلى مفهوم العلاقات المدنية–العسكرية، وإلى فكرة “تحصين النظام” عبر توزيع مراكز القوة، وربط القيادات العسكرية بالنخبة الحاكمة، وبناء شبكات ولاء ورقابة تحد من قدرة الجيش على التحرك المستقل.

وإلى جانب هذه المقاربة العامة، يمكن ملاحظة أن البنى العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي ليست متماثلة تماماً من حيث توزيع الثقل المؤسسي بين الأفرع المختلفة، إذ تميل كل دولة، بحكم الجغرافيا السياسية، وحجم القوات، وطبيعة التهديدات المتصوَّرة، وخيارات التحديث العسكري، إلى إظهار تركيز أوضح على فرع أو مجال دفاعي بعينه ضمن منظومتها المسلحة.

فالمملكة العربية السعودية تبدو أكثر ارتباطاً بثقل نسبي للقوات البرية والدفاع الجوي في إطار بنية عسكرية واسعة ومتعددة المستويات، بينما تبرز في دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية القوة الجوية والقدرات التقنية والتكامل العملياتي. وفي دولة الكويت يظهر الطابع الدفاعي التقليدي للقوات البرية وحماية المجال الوطني والبنية الحيوية، في حين اتجهت دولة قطر خلال السنوات الأخيرة إلى إبراز تحديث القوة الجوية ومنظومات الدفاع الحديثة ضمن مسار توسعها العسكري.

أما مملكة البحرين فتتقدم فيها الاعتبارات البحرية والأمن الساحلي بحكم الموقع الجغرافي والبيئة الاستراتيجية المحيطة، في حين تميل سلطنة عُمان إلى قدر أكبر من التوازن النسبي بين القوات البرية والبحرية والجوية، مع تأثير واضح للعامل الجغرافي في تشكيل أولوياتها الدفاعية. ولا يُقصد بهذه الإشارة تقديم تصنيف تفاضلي لقدرات هذه الجيوش، بقدر ما تهدف إلى إبراز الخصائص المؤسسية التي قد تساعد في فهم أنماط العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في كل حالة.

السيناريوهات المحتملة للتدخل العسكري في السياسة

١- انقلاب داخل القصر (صراع داخل النخبة): تتسم معظم دول مجلس التعاون بكون المناصب العليا في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مُسنَدة إلى أفراد من العائلة الحاكمة أو إلى دوائر قريبة منها، وغالباً ما يجري تداولها ضمن منطق الوراثة السياسية أو التعيين الموثوق. في هذا السياق، يصبح الاحتمال الأكثر واقعية—إن وقع تغيير قسري—مرتبطاً بصراع داخل النخبة الحاكمة نفسها، حيث تتوافر “القدرة” التنظيمية على التحرك، كما يمكن توفير غطاء شرعي داخلي (باسم الاستقرار أو تصحيح المسار) يقلّص كلفة المواجهة مع المجتمع والمؤسسات.
تاريخياً، تُستدعى هنا تجربتان خليجيتان للتدليل على هذا النمط. الأولى في عُمان عام 1970 حين انتقل الحكم إلى السلطان قابوس بن سعيد بعد خلع والده سعيد بن تيمور بدعم بريطاني، ضمن سياق إعادة توجيه السياسات الداخلية وتوظيف الإيرادات النفطية في بناء الدولة. والثانية في قطر عام 1995 حين تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني السلطة بعد إزاحة والده الشيخ خليفة، وكان يتولى آنذاك موقعاً سيادياً في منظومة الحكم.

ويُلاحظ أن هذا النمط من “الانقلاب داخل القصر” غالباً ما يحافظ على استمرارية شرعية العائلة الحاكمة ومؤسسات الدولة، بحيث يقتصر التغيير على قمة الهرم السياسي من دون مساس جوهري بالبنية الحاكمة أو بترتيبات الضبط الأمني. ومن منظور العلاقات المدنية–العسكرية، يُعد هذا السيناريو أقل تهديداً لتوازنات النظام من انقلاب تقوده مؤسسة عسكرية مستقلة، لأنه يحدث داخل الشبكة الحاكمة ذاتها ويستند إلى آليات الولاء القائمة.

٢- انقلاب تقوده رتب متوسطة/عليا (كسر احتكار النخبة): يقوم هذا السيناريو على تحرك ضباط من رتب متوسطة أو عليا لا تربطهم صلة قرابة مباشرة بالعائلة الحاكمة، ويستهدف إعادة توزيع السلطة أو تغيير رأس النظام. ويستدعي الأدب المقارن مثال “حركة الضباط الأحرار” في مصر عام 1952 كنموذج لانقلاب أنهى الملكية وأعاد تشكيل النظام السياسي برمّته. غير أن قابلية تكرار مثل هذا النموذج في الملكيات الخليجية تظل موضوعاً للنقاش بسبب بنية الأجهزة المسلحة وآليات الرقابة والولاء.
تُفسَّر تحركات هذا النوع عادةً بوصفها تعبيراً عن تململ داخل المؤسسة العسكرية من اختلالات مهنية أو فساد إداري أو سوء توزيع للامتيازات، مقروناً بطموح سياسي لدى فئة من الضباط. غير أن تنفيذ انقلاب تقوده رتب مثل عقيد وما فوق يتطلب تنسيقاً واسعاً بين وحدات متعددة (للسيطرة على مراكز القيادة، والاتصالات، والمنشآت السيادية)، وكلما اتسع نطاق التخطيط والتنفيذ ارتفع خطر التسريب أو الاختراق الأمني، بما يزيد احتمالات الإحباط قبل اكتمال السيطرة.

وبما أن هذا السيناريو يستهدف النخبة الحاكمة من خارجها، فإنه يفتقد غالباً إلى “غطاء شرعي” مماثل لما يوفره التغيير داخل القصر. وقد يسعى الانقلابيون إلى استقطاب أحد أفراد الأسرة الحاكمة بوصفه واجهة انتقالية، إلا أن نجاح ذلك يبقى مرهوناً بقدرتهم على إنتاج سردية سياسية مُقنعة (إصلاح/إنقاذ) وبالحصول على قبول اجتماعي كافٍ لتجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح. عملياً، تتحدد فرص النجاح بسرعة السيطرة على قيادة الجيش، ووسائل الإعلام، ومفاصل الاتصالات، وتأمين استمرار عمل البنية التحتية الحيوية؛ إذ إن التعثر في أي من هذه الحلقات قد يفتح الباب لفوضى سياسية أو لصدامات داخلية.

أما ما بعد نجاح الانقلاب—إن تحقق—فيميل إلى إنتاج مرحلة عدم استقرار أولي، مع احتمالات انقلاب مضاد أو انقسام داخل المؤسسة المسلحة. وفي السياقات التي تتمركز فيها الدولة حول شخص الحاكم، قد يصبح اعتقاله أو عزله مدخلاً للسيطرة على الجهاز التنفيذي سريعاً، لكنه في المقابل يسرّع أيضاً تحرك شبكات الولاء المرتبطة بالنظام السابق. ويُضاف إلى ذلك مخاطر اقتصادية (هروب رؤوس الأموال وتعطّل الثقة) وسياسية (عزلة دولية أو ضغط إقليمي)، فضلاً عن احتمال تدخل خارجي مباشر أو غير مباشر إذا اعتُبر التحول تهديداً لتوازنات أمنية قائمة.

٣- تدخل الجيش استجابةً لاضطرابات مدنية (انقلاب/انتقال قسري): يفترض هذا السيناريو اندلاع اضطرابات مدنية واسعة تدفع المؤسسة العسكرية إلى التدخل بذريعة “استعادة النظام” أو “حماية الدولة”. وفي التحليل المقارن، كثيراً ما يعكس هذا التدخل رغبة الجيش في ضمان موقع مؤثر في مرحلة ما بعد الأزمة، لا مجرد الانحياز لمطالب الشارع. ويُستحضر مثال مصر (2011–2013) بوصفه حالة تُظهر كيف يمكن للجيش أن يدير انتقالاً سياسياً بما يحافظ على امتيازاته ودوره داخل بنية الحكم.
وعلى الرغم من ندرة هذا النمط، فإنه قد يصبح وارداً في ظروف استثنائية تتقاطع فيها أزمة شرعية سياسية مع ضغط اقتصادي حاد أو سياق أمني–عسكري (حرب/تهديد وجودي). غير أن نتائجه غالباً ما تكون ملتبسة من حيث الاستقرار، إذ قد يفضي إلى إعادة إنتاج السلطوية أو إلى صراعات حول قواعد الانتقال، وهو ما تُظهره حصيلة عدد من تجارب المنطقة خلال العقد الأخير.

سيناريوهات أقل احتمالاً (أنماط غير تقليدية للتدخل العسكري)

١- انقلاب يكرّس حق الوصاية أو النقض: يقوم هذا النمط على تدخل الجيش لتقييد خيارات القيادة السياسية أو إزاحة زعيم مدني بدعوى تعارض السياسات مع “المصلحة الوطنية”، مع إبقاء المؤسسة العسكرية في موقع الوصي أو “العرّاب” للنظام السياسي. ويُستشهد غالباً بالتجربة التركية تاريخياً بوصفها نموذجاً لتدخلات متكررة هدفت إلى ضبط المجال السياسي أكثر من إعادة تأسيس النظام من الصفر. وفي الخليج، يظل هذا السيناريو محدوداً بحكم اندماج القيادات العسكرية ضمن البنية الحاكمة وتعدد الأجهزة المنافسة.

٢- تدخل خارجي: نظرياً، يبقى احتمال تنفيذ دولةٍ ما لانقلاب مباشر في دولة أخرى نادراً، لكنه غير مستبعد في حالات بعينها تتصل بتوازنات الحرب الباردة أو المصالح الاستراتيجية. ويُستشهد بانقلاب تشيلي عام 1973—الذي اقترن بدعم خارجي—لتوضيح كيف يمكن للتدخلات غير المباشرة أن تساهم في تغيير النظام. وفي البيئات الصغيرة عالية الحساسية مثل الخليج، قد يؤدي الإحساس بالتدخل الخارجي إلى نتيجة معاكسة عبر تعزيز التلاحم الداخلي ورفع كلفة المعارضة، أو عبر تدويل الصراع وإطالة أمده.

٣- حركة تمرّد داخل القوات المسلحة: قد يظهر التمرّد كحركة احتجاج داخلية في صفوف الجيش عندما تتراكم مظالم مهنية ومعيشية (فوارق الرواتب، ضعف شروط الخدمة، تضخم أسعار السلع الأساسية) أو عندما تتفاقم الفجوات بين الضباط والمراتب الدنيا. وتتزايد هذه المخاطر في الجيوش التي تعتمد جزئياً على عناصر غير وطنية أو على نمط “الجيش المتعدد الجنسيات”، غير أن قابلية التمرد للنجاح تبقى غالباً محدودة بسبب غياب القيادة السياسية البديلة، وسهولة احتواء التحرك عبر أجهزة أمنية موازية أو عبر تفكيك شبكات التنظيم داخل الوحدات.

٤- دور المرتزقة والشركات الأمنية الخاصة: يُشار أحياناً إلى سيناريو “كلاب الحرب” بوصفه احتمالاً يرتبط باستخدام المرتزقة أو الشركات الأمنية الخاصة في مهام قتالية أو حماية منشآت استراتيجية. ورغم أن تحقق هذا السيناريو أكثر شيوعاً في دول ضعيفة المؤسسات، فإن توسع الاعتماد على فاعلين مسلحين من خارج الأطر العسكرية النظامية—سواء عبر التعاقد مع شركات أمنية أو عبر استقدام قوات أجنبية تتمركز في قواعد—قد يخلق تعقيدات في هرم السيطرة ويزيد مخاطر سوء التقدير. ومع ذلك، تظل قدرة هذه الفواعل على تنفيذ انقلاب شامل محدودة مقارنة بالمؤسسة العسكرية الوطنية، لأنها تفتقر عادةً إلى الشرعية الداخلية وإلى شبكات النفاذ المؤسسي اللازمة لإدارة الدولة.

عوامل بنيوية تؤثر في احتمالات الانقلاب داخل دول مجلس التعاون

يمكن تفسير انخفاض احتمالات الانقلاب العسكري التقليدي في عدد من الملكيات الخليجية عبر مجموعة عوامل مترابطة:

● تحصين النظام ضد الانقلاب: عبر ربط القيادات العسكرية بالعائلة الحاكمة، وتدوير المناصب الحساسة، وتجزئة الأجهزة الأمنية إلى مؤسسات متعددة تقلّص القدرة على التنسيق الانقلابي.

● اقتصاد الريع وشبكات التوزيع: حيث يتيح الإنفاق العام وامتيازات الدولة آليات لامتصاص التوترات داخل النخبة والقطاعات الاجتماعية، مع بقاء هذه الآلية قابلة للتآكل في فترات الضغوط المالية.

● البنية الديموغرافية وسوق العمل: بما في ذلك التفاوتات بين المواطنين والعمالة الوافدة، وما قد يولده ذلك من حساسيات اجتماعية، مع بقاء تحويلها إلى فعل سياسي منظّم محدوداً بفعل القيود القانونية–الأمنية.

● البيئة الإقليمية والضمانات الخارجية: إذ تؤثر التحالفات الأمنية، والقواعد الأجنبية، وتوازنات الردع، في حسابات الفاعلين الداخليين وفي كلفة أي تغيير قسري للسلطة.

● التنافس داخل النخبة بوصفه نقطة هشاشة: فعندما تُغلق قنوات التسوية داخل الأسرة/النخبة، ترتفع فرص التحول القسري من داخل القصر أكثر من ارتفاع فرص انقلاب يقوده الجيش كمؤسسة مستقلة.

تفصيل السيناريوهات بحسب كل دولة (مجلس التعاون الخليجي)

يعرض هذا القسم سيناريوهات تحليلية مُحتملة—لا تنبؤات—مُصاغة وفق بنية كل دولة وعلاقاتها المدنية–العسكرية، مع التركيز على ثلاثة محاور: (أ) السيناريوهات الأكثر ترجيحاً للتغيير القسري/التدخل العسكري، (ب) مؤشرات إنذار مبكر يمكن رصدها في المجال العام أو داخل النخبة، (ج) عوامل كابحة تقلّص فرص الانقلاب الكلاسيكي لكنها قد تُحوِّل المخاطر باتجاه صراع داخل القصر أو إعادة ترتيب ناعمة للسلطة.

١- المملكة العربية السعودية:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً: «تغيير داخل القصر» يُدار عبر مراكز أمنية/عسكرية مرتبطة بالنخبة (تبديل في قمة القرار أو إعادة توزيع للصلاحيات) أكثر من انقلاب عسكري مؤسسي تقوده وحدات من الجيش بمعزل عن الأسرة الحاكمة.

● سيناريو ثانوي (أقل ترجيحاً): تململ داخل رتب متوسطة في وحدات محددة إذا ترافقت صدمة اقتصادية/حرب طويلة/أزمة شرعية مع تصدعات داخل النخبة، مع سعيٍ لغطاء «شرعي» عبر استدعاء شخصية من الأسرة بوصفها واجهة انتقالية.

● مؤشرات إنذار مبكر: تبدلات مفاجئة ومتقاربة زمنياً في قيادات الدفاع/الحرس/الأجهزة، توتر علني داخل دوائر الحكم، تضارب رسائل الإعلام الرسمي، أو «حالات استنفار» أمنية واسعة غير مفسَّرة بتطور خارجي.

● عوامل كابحة: بنية «تحصين ضد الانقلاب» عبر تعدد الأجهزة وتداخل صلاحياتها، ووحدات موازية منفصلة عن الجيش النظامي (تاريخياً مثل الحرس الوطني)، إضافة إلى كثافة المراقبة الداخلية والموارد المالية التي تُستخدم لإدارة الولاءات وتقليل فرص التنسيق الانقلابي.

٢- الإمارات العربية المتحدة:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً: خلافات داخل النخبة الاتحادية/بين مراكز القرار في الإمارات تُترجم إلى إعادة اصطفاف داخل الأجهزة، أي «تغيير من داخل المنظومة» أكثر من انقلاب عسكري تقليدي.

● سيناريو أقل ترجيحاً لكنه مُثار نظرياً: تعقيدات «هرم السيطرة» الناتجة عن توسع الأدوار الخارجية وتعدد الفاعلين الأمنيين (بما في ذلك الاستعانة بعناصر غير وطنية/شركات أمنية خاصة في بعض الملفات) قد تزيد مخاطر سوء تقدير أو صدامات مؤسسية، من دون أن يُفضي ذلك بالضرورة إلى انقلاب شامل.

● مؤشرات إنذار مبكر: تضارب علني بين مستويات الحكم الاتحادي والمحلي، تغييرات متلاحقة في قيادات أمنية حساسة، أو عودة مفاجئة للداخل من انخراط خارجي كبير على خلفية خسائر/ضغوط سياسية.

● عوامل كابحة: تماسك بنية الدولة الريعية، وارتفاع كلفة أي مغامرة انقضاضية في اقتصاد شديد الارتباط بالثقة والاستثمار، إضافة إلى تداخل الأمني بالسياسي ضمن شبكات ولاء متعددة تمنع تبلور «مركز عسكري مستقل» قادر على السيطرة المنفردة.

٣- دولة الكويت:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً: أزمة حكم/خلاف داخل النخبة تُدار سياسياً عبر أدوات دستورية ومؤسساتية (الحكومة/البرلمان/الأسرة) أكثر من تدخل عسكري مباشر، مع بقاء «التحول القسري»—إن حدث—أقرب إلى إعادة ترتيب داخلية للسلطة لا إلى انقلاب.

● سيناريو ثانوي: تدخل أمني موسَّع في حال اضطرابات كبيرة أو صدام سياسي ممتد، وقد يأخذ شكل «إدارة أزمة» لا «حكم عسكري»، مع توظيف خطاب حماية الدستور/الأمن العام.

● مؤشرات إنذار مبكر: احتقان سياسي ممتد يقترن بتعبئة في الشارع، تصعيد غير معتاد في الخطاب الأمني، أو قرارات استثنائية تطال المجال العام بالتزامن مع استقطاب داخل النخبة.

● عوامل كابحة: وجود مسارات مشاركة وتمثيل نسبي تُخفف الحاجة إلى «حل عسكري»، إضافة إلى بنية ولاءات أمنية مُراقَبة سياسياً تجعل الانقلاب الكلاسيكي مكلفاً داخلياً وخارجياً.

٤- دولة قطر:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً (بحكم السوابق التاريخية): «انتقال داخل القصر» أو إعادة ترتيب داخل الأسرة الحاكمة، حيث يبقى التغيير—إن وقع—محكوماً بمنطق استمرارية الحكم العائلي وتماسك الدولة، كما تُظهر تجربة 1995 بوصفها نموذجاً لانتقال قسري داخل النخبة لا انقلاباً مؤسسياً للجيش.

● سيناريو ثانوي: ضغط أمني–سياسي خارجي شديد قد يُسرِّع تسويات داخلية أو تغييرات في توازنات النخبة، لا سيما في فترات الاستقطاب الإقليمي، من دون أن يتحول ذلك إلى انقلاب عسكري تقليدي.

● مؤشرات إنذار مبكر: تغيّر مفاجئ في مواقع حساسة داخل الديوان/الأمن، تصاعد تسريبات/خطاب إعلامي يوحي بصراع نخبوي، أو إجراءات استثنائية لحماية مراكز سيادية (اتصالات/منشآت/إعلام).

● عوامل كابحة: صِغر حجم القوات مقارنةً ببنية الحكم، ووجود ربط عضوي بين القيادات العسكرية والنخبة، إضافة إلى الاعتماد على ضمانات أمنية خارجية تزيد كلفة التحرك الانقلابي وتُسرّع الاستجابة المضادة.

٥- مملكة البحرين:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً: «تدخل أمني–عسكري استجابة لاضطرابات مدنية» عبر تشديد القبضة الداخلية، مع قابلية الاستناد إلى دعم إقليمي مباشر/غير مباشر لحماية النظام في حالات التصعيد، كما حدث في 2011 عبر دخول قوات «درع الجزيرة» لتأمين منشآت حيوية ومساندة السلطات.

● سيناريو ثانوي: صراع داخل النخبة حول إدارة الأزمة أو مسارات التسوية، قد يفضي إلى إعادة ترتيب داخل القصر أو إلى تغييرات في الحكومة/الأجهزة من دون انقلاب عسكري كلاسيكي.

● مؤشرات إنذار مبكر: عودة احتجاجات واسعة النطاق، توسع الاعتقالات/الإجراءات الاستثنائية، أو استدعاء/تعزيز قوات إقليمية لحماية منشآت محددة، مع ارتفاع خطاب «التهديد الخارجي» لتبرير التشديد.

● عوامل كابحة: وجود مظلة أمنية إقليمية تتدخل لحماية توازنات مجلس التعاون عند الضرورة، إضافة إلى هندسة أمنية داخلية تقلل فرص التنظيم الانقلابي داخل الجيش لكنها قد تدفع المخاطر نحو «أزمة شرعية مزمنة» بدلاً من انقلاب سريع.

٦- سلطنة عُمان:
● السيناريو الأكثر ترجيحاً (تاريخياً): «تغيير داخل القصر» في لحظة انتقال/أزمة نخبويّة، مع المحافظة على استمرارية الدولة، كما يَستدعي التاريخ العُماني حادثة 1970 بوصفها انتقالاً قسرياً مدعوماً خارجياً داخل بنية الحكم لا انقلاباً عسكرياً مؤسسياً.

● سيناريو ثانوي: ضغوط اقتصادية ممتدة قد ترفع احتمالات اضطرابات اجتماعية محدودة، ما يستدعي «إدارة أمنية للأزمة»؛ ومع ذلك يبقى انزلاقها إلى تدخل عسكري مباشر في السياسة أقل ترجيحاً مقارنةً بسيناريو إعادة ترتيب داخل النخبة.

● مؤشرات إنذار مبكر: تزايد احتجاجات مطلبية مع تشدد أمني غير مسبوق، تغييرات سريعة في قيادات أمنية، أو خطاب رسمي يربط الاستقرار مباشرةً بمسألة «الولاء» بدل الأداء الاقتصادي.

● عوامل كابحة: تقاليد إدارة التوازنات داخل الدولة، وانخفاض «التسييس العلني» للمؤسسة العسكرية، إضافة إلى حسابات إقليمية تجعل أي تغيير قسري مكلفاً وتدفع نحو تسويات داخلية مُبكرة.

خاتمة واستنتاجات

إنّ مفهوم الانقلاب العسكري في دول مجلس التعاون يحتاج إلى تفكيك دقيق يميّز بين انقلاب “داخل القصر” بوصفه صراعاً داخل النخبة الحاكمة، وبين انقلاب عسكري كلاسيكي تقوده مؤسسة عسكرية مستقلة. فبينما تحدّ ترتيبات التحصين وتجزئة الأجهزة وشبكات الولاء من فرص السيناريو الثاني، تظل التحولات القسرية من داخل النخبة أكثر قابلية للتحقق في لحظات الأزمات أو انسداد آليات التسوية. وتبقى هذه الاستنتاجات مشروطة بحدود المنهج النوعي وبالطبيعة المتحركة للبيئة الإقليمية، ما يستدعي دراسات مقارنة أكثر تفصيلاً لكل حالة على حدة، مع تتبع مؤشرات مثل: أنماط التعيينات في الأجهزة، وتوازنات الموارد، ومستويات الرضى داخل النخبة، وتحوّلات الشرعية السياسية.

* باحث وكاتب عربي – واشنطن

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *