ملادينوف كشر عن أنيابه وكشف وجهه الحقيقي.. ماذا فعل في القاهرة؟ ولماذا قلب الطاولة على “حماس”؟ وما قصة ورقة الابتزاز التي لوح بها؟.. تفاصيل ومفاجآت ستعقد المشهد وصدمت الفلسطينيين
حين تم اختيار نيكولاي ملادينوف، ليكون مبعوث مجلس السلام الدولي الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خرجت الكثير من الأصوات الفلسطينية وحتى العربية تنتقد بشدة هذا الاختيار نظرًا لـ”خطورته وارتباطه السري العميق بإسرائيل وأمريكا”.
بعض الأوساط عبرت عن “ارتياحها” لهذا الشخص كون البديل عن “توني بلير” الذي كان مرشحًا لهذا المنصب، ولاقى رفضَا فلسطينيًا وعربيًا قاطعا، لكن بعد العديد من الجلسات والمفاوضات بين ملادينوف والوسطاء وكذلك قادة الفصائل الفلسطينية في العديد من العواصم العربية، كشف المستور وظهر الوجه الحقيقي لهذا الرجل.
فوجد الجميع أن ملادينوف لا يختلف عن غيره، ونهجه في كل المفاوضات كان يحمل وتبنى الروايتين الأمريكية والإسرائيلية فقط، ودوره يقتصر على الابتزاز والتهديد واستخدام المساومة بين سلاح المقاومة وإدخال المساعدات لسكان قطاع غزة، اللذين عانوا ولا يزاولوا من ويلات حرب دامية وقاسية.
ما جرى في أخر لقاء جمع ملادينوف بالفصائل الفلسطينية وبينهم “حماس”، وتصريحاته الأخيرة عن غزة وعودة الحرب مجددًا، فجر نقطة خلاف كبيرة وأجبر على الفلسطينيين على إعادة حسابتهم حول هذا الشخص والدور السري الذي ينفذه.
ووسط اجتماعات عدة جمعت قيادة حركة “حماس” بملادينوف، عبرّ فيها الأخير كمتبني للشروط الإسرائيلية، وليس وسيطا فيها، وقدم شروطا حاسمة بضرورة سحب السلاح، بما فيها سلاح العشائر والقبائل والأفراد في غزة، دون تقديم إجابات عن واقع العصابات التي تنشأ تحت سطوة الاحتلال وبتسليح كامل منه.
تمخضت المباحثات عن تقديم ملادينوف لخطة، اعتبرتها الفصائل الفلسطينية بأنها انقلابا على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
خطة ترامب التي نصّت بشكل مباشر على ضرورة الانتقال للمرحلة الإنسانية ووقف الحرب؛ بما يلزمه من انسحاب في مناطق احتلتها “دولة” الاحتلال في القطاع؛ ثم الوصول لآلية تحيد استخدام السلاح.
ووفق مراقبون، فإن ملادينوف تجاوز الخطة بضرورة بدء تسليم السلاح؛ ملوحا في الوقت ذاته بتنفيذ خطة تهجير ضمنية من خلال ربط الإعمار في مناطق وصفها بمنزوعة السلاح؛ في إشارة لمحافظة رفح، ودفع المواطنين إليها، وهي إشارة ضمنية لتحقيق خطة تهجير لوح بها الاحتلال على مدار أشهر الحرب.
قال الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، إنّ الإصرار على طرح قضية “نزع السلاح” والقفز عن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، يناقض خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن قطاع غزة.
جاء ذلك عقب اجتماعات بالعاصمة المصرية القاهرة أجراها رئيس حركة حماس في غزة، خليل الحية، مع مسؤولين مصريين، والممثّل السامي لغزة في “مجلس السلام”، نيكولاي ملادينوف، وكبير المستشارين الأميركيين، أرييه لايتستون، خلال الأسبوع الأخير.
وكان ترامب قد أعلن خطة لإنهاء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة في 29 أيلول/ سبتمبر 2025، تشمل المرحلة الأولى منها وقفًا كاملًا لإطلاق النار، وانسحابًا إسرائيليًّا جزئيًّا، والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين في القطاع، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًّا.
وفيما التزمت حماس ببنود المرحلة الأولى من خلال إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، تنصّلت إسرائيل من تعهّداتها الإغاثية، وواصلت اعتداءاتها الحربية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 786 فلسطينيًّا وإصابة 2217 آخرين منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار.
أمّا المرحلة الثانية من الخطة فتتضمن بين بنودها انسحابًا أوسع لجيش الاحتلال من قطاع غزة، الذي يواصل احتلال أكثر من 50% من مساحته، وإعادة الإعمار، مقابل بدء نزع سلاح الفصائل. وهو ما لم تنفّذه “إسرائيل” أيضًا، وتستمر بتجاوزه بالإصرار على نزع السلاح أولًا.
وشدّد قاسم على أنّ ربط إسرائيل تنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بملف نزع السلاح “يعقّد مباحثات المرحلة الثانية”، متمسّكًا بضرورة تنفيذ التزامات المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى أي نقاشات لاحقة.
وأوضح أنّ “الإصرار على طرح قضية نزع السلاح والقفز عن استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق مناقض لروح اتفاق وقف الحرب ورؤية ترامب”، مؤكدًا أهمية إيجاد “أرضية واضحة من الثقة” عبر الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي فايز السويطي أن دور نيكولاي ميلادينوف يتجاوز إطار الوساطة التقليدية، ليقترب من تبني مقاربات سياسية تعكس توجهات أميركية وإسرائيلية في إدارة مسار التفاوض، مضيفًا أن ميلادينوف لا يتحرك بوصفه وسيطًا محايدًا بين الأطراف، بل يأتي ضمن منظومة سياسية أوسع، مشيرًا إلى أن “الأفكار التي تُطرح على لسانه يتم إعدادها ضمن دوائر سياسية في تل أبيب، ثم تُقدَّم عبر منصات دولية أو أممية تحت عناوين دبلوماسية”.
ويتابع أن التصريحات المنسوبة لميلادينوف، والتي تتضمن التلويح بإمكانية عودة إسرائيل إلى الحرب في حال عدم موافقة حركة حماس على تسليم سلاح المقاومة، تمثل أحد أشكال الضغط السياسي المباشر على الفصائل الفلسطينية، بهدف دفعها نحو تقديم تنازلات جوهرية في ملفات تعتبرها المقاومة مركزية في أي تسوية محتملة.
وفي هذا السياق، يشير السويطي إلى أن هذا الخطاب لا ينفصل عن محاولة إعادة صياغة ميزان التفاوض، بحيث يُحمَّل طرف واحد مسؤولية التعثر، في حين يتم التغاضي عن دور الاحتلال في تعطيل تنفيذ الالتزامات السابقة أو المماطلة في تطبيق بنود التهدئة. كما يلفت إلى أن الفصائل الفلسطينية تتعامل مع هذا المسار التفاوضي بحذر شديد، مدركة لطبيعة الأهداف المبطنة وراء بعض الطروحات الدولية، وهو ما يدفعها إلى اعتماد سياسة مرنة تقوم على المناورة السياسية، بهدف الحفاظ على أوراق القوة، وفي مقدمتها ملف السلاح، باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في أي معادلة مستقبلية.
ويخلص السويطي إلى أن مثل هذه التصريحات، رغم تأثيرها في رفع مستوى الضغط السياسي والإعلامي على المقاومة، لن تؤدي بالضرورة إلى إحداث تحول جذري في مواقف الفصائل، التي ما زالت – وفق تقديره – تمتلك أوراق قوة قادرة على ضبط إيقاع التعامل مع أي تصعيد محتمل، سواء على المستوى السياسي أو الميداني.
ويبقى التساؤل… من هو ميلادينوف؟ ومن يحركه سرًا؟ وهل قبوله كوسيط كان خطا من قبل حماس؟
