لماذا ردت القيادة الإيرانية بسرعة على ترامب واكاذيبه بإغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه؟ هل انهارت الهدنة واتفاق وقف اطلاق النار؟ وأين تكمن مصادر القوة الإيرانية؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
إعادة اغلاق القيادة الإيرانية لمضيق هرمز مجددا، ومنع ناقلات نفط وسفن تجارية من دخوله، واطلاق زوارق تابعة للحرس الثوري النار على اثنتين منها، احتجاجا على فرض البحرية الامريكية حصارا على الموانئ الإيرانية، كلها مؤشرات تؤكد، منفردة او مجتمعة، على قوة وصلابة الموقف الإيراني في وجه الغطرسة الامريكية، والاستعداد في الوقت نفسه لمواجهة كل تبعات هذا القرار الشجاع، السياسية والعسكرية، بما في ذلك انهيار اتفاق وقف اطلاق النار المؤقت.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اطلق في الايام القليلة الماضية العديد من الأكاذيب التي توحي بأن ايران رفعت الرايات البيضاء، واستسلمت لجميع الشروط الامريكية، أبرزها استعداد ايران تسليم جميع ما لديها من اليورانيوم المخصب (460 كيلوغراما) للولايات المتحدة مقابل مساعدات قيمتها 20 مليار دولار، والاهم من ذلك وقف كل اعمال التخصيب لليورانيوم.
القائد الإيراني المرشد الأعلى مجتبى علي خامنئي اصدر بيانا شديد اللهجة اليوم السبت اكد فيه “ان البحرية الإيرانية مستعدة لهزيمة اعدائها مرة أخرى في ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز مرة أخرى”، اما قيادة خاتم الأنبياء المركزية التابعة للجيش الإيراني سارعت بإتهام الولايات المتحدة الامريكية بعدم الالتزام بتعهداتها ولهذا ستواصل ايران سيطرتها على مضيق هرمز حتى ترفع امريكا حصارها عن الموانئ الإيرانية وحرية السفن في الدخول والخروج دون أي مضايقات.
في ظل كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن وقف اطلاق النار الهش، ومهلة وقف القتال لمدة أسبوعين، والعودة السريعة للمفاوضات بعد يومين، كلها انهارت مثل بيوت الرمل، واستئناف القتال مجددا بات الاحتمال الأكبر.
الحقيقة ان ايران لم تطلب وقف اطلاق النار مطلقا، بينما ترامب هو الذي سعى اليه واستجداه، لان كل تهديداته بتدمير الحضارة الإيرانية، وفتح أبواب الجحيم على ايران، وقصف كل محطات الكهرباء، لم تعط اؤكلها بترهيب ايران ودفعها الى الاستسلام لكل شروطه، ولهذا لجأ الى حليفته القيادة الباكستانية طلبا للتوسط، وترتيب مفاوضات سريعة مع الجانب الإيراني، لإنقاذ ماء وجهه، اذا كان موجودا فعلا، وهكذا كان.
الأيام الأخيرة للمواجهات التي سبقت اعلان وقف اطلاق النار كشفت عن العديد من الهزائم التي لحقت بالقوات الامريكية، وأبرزها إسقاط عشرين طائرة من مختلف الأنواع، وخاصة المسيّرات من نوع MQ9 التي تصل قيمة الواحدة منها 25 ـ 30 مليون دولار، وطائرات الشبح “اف 35” جوهرة الدفاع الجوي الأمريكي، علاوة على أنواع أخرى من طائرات التزويد بالوقود في الجو، والمقاتلات من نوع “اف 15” المتطورة.
ما ادركته الإدارة الامريكية الحالية ان ايران لن تكون ليبيا او العراق، او فنزويلا، وباتت عصية على كل الخدع البهلوانية الامريكية والإسرائيلية، ولن تسلم ما في حوزتها من يورانيوم مخصب الذي يمكن استخدامه في تركيب 8 قنابل نووية في غضون أسبوعين في حال أي تهديد نووي إسرائيلي، او حتى امريكي، فهي تملك المفجرات، والادمغة، والصواريخ فرط صوتية القادرة على تصنيع هذه القنابل، واستخدامها، وايصالها الى أهدافها، سواء في فلسطين المحتلة، او الى حاملات الطائرات في البحر الأحمر، والقواعد الامريكية في البر.
اهم مصادر القوة الإيرانية تنحصر في خمسة عوامل، وجميعها تتعارض مع العقيدتين الحربيتين الامريكية والإسرائيلية، أولها، ان جيشها وحرسها الثوري مستعدان للقتال حتى الشهادة لتحقيق النصر، وثانيها، توسيع نطاق الحرب ودائرته بحيث تشمل المنطقة بأسرها، وثالثها، تدمير جميع القواعد العسكرية الامريكية، ورابعها، اعادة أكبر عدد ممكن من الجنود الأمريكيين الى بلادهم في التوابيت اقتداء بالفيتناميين والعراقيين والافغان، وخامسها: إطالة امد الحرب وتحويلها الى استنزافية بشرية واقتصادية.
الأيام القليلة المقبلة قد تكون الأخطر على المنطقة والعالم، وأصبح ترامب في مواجهة تحديات كبيرة، خاصة انه استنزف كل مخزونه من الأكاذيب، والتهديدات المخادعة، وما علينا الا الانتظار.
