ترمب لا يمانع بلقاء قادة إيران وارتباك بشأن مصير المفاوضات
واشنطن – سعيد عريقات – 20/4/2026
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، إنه “لا يمانع” لقاء قادة إيران، معرباً عن ثقته بأن المحادثات المرتقبة بين واشنطن وطهران ستمضي قدماً في إسلام آباد، رغم أن طهران لم تحسم حتى الآن قرار مشاركتها. وجاءت تصريحات ترمب في لحظة شديدة الحساسية، تتزامن مع تصاعد المواجهة البحرية، واقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الهش بين الطرفين.
وفي حديث لصحيفة نيويورك بوست، قال ترمب إنه لا يمانع لقاء القيادة الإيرانية إذا رغبت بذلك، مضيفاً أن لديه “أشخاصاً أكفاء للغاية” للتفاوض. غير أن هذه اللهجة التصالحية بدت متناقضة مع سياسات ميدانية تصعيدية تنتهجها واشنطن في الوقت نفسه، ما يعكس ازدواجية مألوفة في إدارة الأزمات الدولية.
ففي المقابل، كانت الولايات المتحدة قد أطلقت النار على سفينة شحن إيرانية واحتجزتها ضمن حصارها للموانئ الإيرانية، الأمر الذي دفع طهران إلى التهديد بالرد. كما سبق لترمب أن هدّد بتدمير البنية التحتية الإيرانية، بما فيها الجسور ومحطات الكهرباء، إذا لم توافق طهران على اتفاق جديد. وبين خطاب التهديد وخطاب الانفتاح، تبدو الرسالة الأميركية مرتبكة، بل فاقدة للاتساق الاستراتيجي.
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أعلن أن بلاده لم تتخذ قراراً بعد بشأن المشاركة في جولة الثلاثاء، مؤكداً أن طهران لن تغيّر مطالبها المعلنة، ولن تقبل بسياسة المهل الزمنية أو الإنذارات النهائية. وأضاف أن الولايات المتحدة تتحدث عن الدبلوماسية، لكنها تمارس سلوكاً يناقض أي جدية تفاوضية.
من جهته، أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعماً مبدئياً لفكرة التفاوض، لكنه شدد على أن التعامل مع واشنطن يجب أن يكون بحذر شديد، معتبراً أن العقوبات والحصار يثبتان أن الولايات المتحدة تعيد إنتاج أنماط سابقة من “خيانة الدبلوماسية”، بحسب ما نقل الإعلام الرسمي الإيراني.
وتكتسب محادثات إسلام آباد أهمية خاصة لأنها تأتي قبل يوم واحد فقط من انتهاء وقف إطلاق النار الممتد أسبوعين، في الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. كما أن غياب إسرائيل عن هذه المحادثات، رغم كونها طرفاً أساسياً في النزاع، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى أي تفاهمات قد تنتج عنها.
في هذا السياق، تبدو باكستان عازمة على إنجاح الاجتماع، إذ كثفت اتصالاتها مع الجانبين الأميركي والإيراني، ونشرت نحو عشرين ألف عنصر من الشرطة والقوات شبه العسكرية والجيش في العاصمة ومحيطها. كما فرضت إجراءات أمنية وقيوداً مرورية واسعة في إسلام آباد وراولبندي.
والتقى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي بالقائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، حيث بحث الجانبان الترتيبات الأمنية وتعزيز العلاقات الثنائية. وأشادت بيكر، وفق بيانات رسمية، بدور باكستان في تهدئة التوترات الإقليمية وتسهيل الحوار.
وفي وقت لاحق، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني رفيع أن طهران “تدرس بإيجابية” المشاركة في المحادثات، لكنه شدد على عدم صدور قرار نهائي. كما أكد أن البرنامج الصاروخي الإيراني والقدرات الدفاعية ليست مطروحة للتفاوض، ما يعني أن أحد أبرز مطالب واشنطن لا يزال خارج النقاش.
غير أن المشهد الأوسع يشير إلى أن الأزمة تتجاوز مجرد خلاف على جدول أعمال تفاوضي. فالإدارة الأميركية تسعى إلى فرض معادلة تقوم على الضغط العسكري والحصار الاقتصادي، ثم مطالبة الطرف المقابل بالجلوس إلى الطاولة بشروط مختلة. وهي صيغة أثبتت تجارب العقود الماضية محدودية فعاليتها، خصوصاً مع دول تعتبر أمنها القومي غير قابل للمساومة.
وتكشف تصريحات ترمب مرة أخرى نزعة شخصية في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، حيث تُختزل الملفات المعقدة في مزاج الرئيس وتصريحاته اليومية. فبدلاً من استراتيجية مؤسساتية واضحة، تبدو العلاقات مع إيران رهينة رسائل إعلامية متضاربة: تهديد صباحاً، وانفتاح مساءً. هذا النمط لا يربك الخصوم فقط، بل يضعف ثقة الحلفاء أيضاً، ويجعل أي مسار تفاوضي هشاً منذ بدايته. فالدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى وضوح واستمرارية، لا إلى ارتجال سياسي تحكمه حسابات الداخل الأميركي والاستعراض الإعلامي.
وتصر واشنطن على تقديم نفسها وسيطاً وصانع سلام، بينما تواصل في الوقت ذاته استخدام أدوات الحصار والقوة البحرية. هذا التناقض يفرغ الخطاب الأميركي من صدقيته، لأن من يفرض الخنق الاقتصادي ويحتجز السفن لا يستطيع بسهولة ادعاء الحياد أو حسن النية. ولعل المشكلة الأعمق أن الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع الشرق الأوسط بعقلية الإملاء، متجاهلة أن موازين القوى الإقليمية تغيّرت، وأن أدوات الردع لم تعد حكراً على طرف واحد كما كان الحال سابقاً.
ويعكس اختيار إسلام آباد ساحةً للمحادثات، اتجاهاً متزايداً نحو نقل إدارة الأزمات بعيداً عن العواصم الغربية التقليدية. لكنه يكشف أيضاً تراجع قدرة واشنطن على جمع الخصوم تحت مظلتها المباشرة. فحين تحتاج الولايات المتحدة إلى وسطاء إقليميين لتسهيل الحوار مع خصمها، فهذا مؤشر على تآكل نفوذها السياسي، حتى وإن بقي تفوقها العسكري قائماً. وفي حال فشل هذه الجولة، ستتكرس صورة قوة عظمى تملك السلاح، لكنها تعجز عن إنتاج تسويات مستقرة.
