مشروع قانون في مجلس الشيوخ يثير مخاوف من فتح خزائن الأسرار الأميركية أمام إسرائيل

 مشروع قانون في مجلس الشيوخ يثير مخاوف من فتح خزائن الأسرار الأميركية أمام إسرائيل

كونغرس

رسالة واشنطن

واشنطن – سعيد عريقات-11/6/2026

تحليل إخباري

يثير مشروع قانون مطروح أمام مجلس الشيوخ الأميركي جدلاً متصاعداً داخل الأوساط السياسية والأمنية في واشنطن، بعدما تضمن بنداً قد يفرض على الإدارة الأميركية توسيع مشاركة المعلومات الاستخبارية الحساسة مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يراه منتقدون مساساً باستقلالية القرار الاستخباري الأميركي، وتهديداً محتملاً للأمن القومي للولايات المتحدة.

وبحسب تحليل نشره بول بيلار، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه)، على موقع “ريسبونسيبل ستيت كرافت”، فإن المادة 622 المدرجة داخل مشروع قانون تفويض الاستخبارات، والمكوّن من 192 صفحة، تحمل عنوان “تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، لكنها تتجاوز، في نظره، مجرد التعاون التقليدي لتصل إلى مستوى إلزام الإدارة الأميركية بتوسيع نطاق تبادل المعلومات مع الحكومة الإسرائيلية في معظم ملفات الشرق الأوسط.

ويقف وراء المشروع السيناتور الجمهوري توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي يقترح منع أي إدارة أميركية من تعليق أو تقليص هذا التعاون الاستخباري إلا إذا قرر الرئيس وجود تهديد محدد وواضح للأمن القومي الأميركي. وحتى في هذه الحالة، سيكون على البيت الأبيض تقديم تقرير مفصل إلى الكونغرس خلال خمسة عشر يوماً يشرح أسباب القرار وطبيعة المعلومات المتأثرة به وتداعياته المحتملة على أمن المنطقة.

يشار إلى أن السيناتور توم كوتون يعتبر من أشد أصدقاء إسرائيل، وألد أعداء الفلسطينيين، ويدين بموقعه إلى حد ل\كبير لمنظمة “إيباك” التي قدمت له دعما طائلا خلال سنواته الطويلة في مجلس الشيوخ.

ويرى منتقدو المشروع أن هذه الصيغة تجعل أي محاولة مستقبلية لتقييد التعاون الاستخباري مع إسرائيل معقدة سياسياً وإجرائياً، وتحوّل مسألة يفترض أن تبقى ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية إلى قضية تخضع لضغوط الكونغرس وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع ملحوظ في شعبية إسرائيل داخل الرأي العام الأميركي، خاصة بعد الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات دولية بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ويرى بيلار أن المدافعين عن إسرائيل في واشنطن يحاولون تعويض تراجع التأييد الشعبي عبر تعزيز أشكال أخرى من الارتباط الاستراتيجي بين البلدين، تكون أقل ظهوراً للرأي العام من المساعدات العسكرية والاقتصادية المباشرة.

فبعد عقود من الدعم الأميركي الذي تجاوز مئات المليارات من الدولارات، بدأت العلاقة تتجه نحو أشكال أعمق من التكامل العسكري والأمني يصعب على الجمهور متابعتها أو مساءلتها. ومن هذا المنظور، تبدو المادة 622 محاولة لنقل هذا التكامل إلى المجال الاستخباري، وهو المجال الأكثر غموضاً والأقل خضوعاً للرقابة الشعبية.

من الدعم إلى الاندماج

لم يعد الجدل في واشنطن يدور حول حجم المساعدات الأميركية لإسرائيل فقط، بل حول طبيعة العلاقة نفسها. فالمشروع الجديد يعكس انتقالاً من مفهوم “الدعم” إلى مفهوم “الاندماج المؤسسي” بين الدولتين. وفي حين يمكن للكونغرس والرأي العام مراقبة المساعدات المالية والعسكرية، فإن التعاون الاستخباري يتم خلف أبواب مغلقة وبعيداً عن الأضواء. لذلك يخشى معارضو المشروع أن يؤدي تشريع تبادل المعلومات إلى خلق التزام دائم لا تستطيع الإدارات المتعاقبة تعديله بسهولة، حتى عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأميركية أو مع أولويات الأمن الإقليمي.

ويؤكد بيلار أن العلاقات الاستخبارية بطبيعتها شديدة التعقيد ولا يمكن إدارتها عبر نصوص تشريعية جامدة. فالأجهزة الاستخبارية تبني تعاونها مع الدول الأخرى وفق اعتبارات متغيرة تتعلق بالمصالح المشتركة ومستوى الثقة والمخاطر المرتبطة بكشف المصادر والأساليب السرية.

ويشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تدير شبكة واسعة من العلاقات مع دول متعددة، وأن أي إلزام قانوني بإعطاء أولوية خاصة لدولة واحدة قد يربك هذه الشبكة ويؤثر في علاقات واشنطن مع شركاء آخرين في المنطقة والعالم.

ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث عن السجل الإسرائيلي في مجال التجسس على الولايات المتحدة. ويستشهد بقضية الجاسوس جوناثان بولارد، الذي أدين بتسليم كميات ضخمة من الأسرار الأميركية لإسرائيل خلال ثمانينيات القرن الماضي، في واحدة من أخطر قضايا التجسس التي واجهتها الولايات المتحدة من جانب دولة حليفة.

ويذكّر بيلار بأن مسؤولين أميركيين كباراً اعتبروا الأضرار التي تسبب بها بولارد استثنائية من حيث الحجم والخطورة، بينما استقبلته إسرائيل لاحقاً باعتباره بطلاً قومياً بعد إطلاق سراحه.

أزمة ثقة داخل التحالف

تكشف العودة المتكررة إلى قضية بولارد عن معضلة أعمق من مجرد حادثة تجسس تاريخية. فجوهر المشكلة يتمثل في غياب الثقة الكاملة بين الحليفين في المجال الاستخباري. فالدول تتبادل المعلومات الحساسة عندما تقتنع بأن الطرف الآخر لن يستخدمها بصورة تضر بمصالحها أو ينقلها إلى أطراف ثالثة. وعندما يطرح مسؤولون أميركيون سابقون مسألة التجسس الإسرائيلي أو تسريب التكنولوجيا الأميركية إلى دول أخرى، فإنهم يسلطون الضوء على فجوة قائمة داخل العلاقة الأمنية نفسها، مهما بدت متينة في ظاهرها.

ويحذر الكاتب من أن الخطر لا يقتصر على احتمال تسرب المعلومات، بل يشمل أيضاً طريقة استخدامها. فالمعلومات التي توفرها الولايات المتحدة قد توظف في عمليات عسكرية أو سياسية لا تتوافق مع المصالح الأميركية أو مع أهداف الاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، يربط بيلار بين مشروع القانون والخلافات المتزايدة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن ملفات المنطقة، وعلى رأسها إيران ولبنان.

ويعتبر أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت وجود تباينات جوهرية بين أهداف واشنطن وأهداف تل أبيب، رغم استمرار التحالف الوثيق بينهما. ويرى أن إسرائيل تسعى في كثير من الأحيان إلى توسيع نطاق المواجهات الإقليمية، بينما تحاول الولايات المتحدة تجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة وطويلة الأمد.

تقييد البيت الأبيض

أخطر ما في المادة 622، وفق منتقديها، ليس توسيع تبادل المعلومات بحد ذاته، بل تقييد قدرة الرئيس الأميركي على استخدام التعاون الاستخباري كورقة ضغط سياسية. فعادة ما تلجأ الإدارات الأميركية إلى تعديل مستويات التعاون العسكري أو الأمني مع الحلفاء للتأثير في سلوكهم عند الضرورة. أما إذا أصبح تبادل المعلومات إلزامياً بموجب القانون، فإن هذا الهامش سيتقلص بشكل كبير. وبدلاً من أن يكون التعاون الاستخباري أداة من أدوات السياسة الخارجية، قد يتحول إلى التزام ثابت يمنح إسرائيل مزايا استراتيجية دائمة، بغض النظر عن طبيعة سياساتها أو مدى توافقها مع المصالح الأميركية.

وفي المحصلة، يرى بيلار أن مشروع القانون لا يتعلق فقط بتبادل المعلومات الاستخبارية، بل يعكس معركة أوسع حول مستقبل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية وحدودها. وبينما يقدمه مؤيدوه باعتباره خطوة ضرورية لتعزيز أمن إسرائيل، ينظر إليه منتقدوه بوصفه محاولة لتكريس ارتباط مؤسسي طويل الأمد قد يقيّد حرية القرار الأميركي، ويجعل واشنطن أكثر التصاقاً بسياسات إسرائيل الإقليمية في مرحلة تتزايد فيها التساؤلات داخل الولايات المتحدة نفسها حول جدوى هذا المسار وتبعاته على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *