القضاء الأميركي يوجّه ضربة قانونية لترمب: حماية حرية التعبير تعرقل العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية
رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -14/10/2026
في انتكاسة قانونية جديدة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أصدرت المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، الثلاثاء، أمراً قضائياً أولياً يمنع الإدارة من فرض عقوبات مدنية أو جنائية على منظمتين حقوقيتين أميركيتين بسبب أنشطتهما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، وتقديم الأدلة إليها، والتعاون مع منظمات حقوقية فلسطينية ومقررة الأمم المتحدة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي.
ويشكّل القرار تطوراً مهماً في المواجهة المتصاعدة بين إدارة ترمب والمدافعين عن المساءلة الدولية، إذ خلصت المحكمة إلى أن المنظمتين، وهما “الديمقراطية الآن للعالم العربي” (DAWN) و”تحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية” (TAAG)، لديهما احتمالات قوية للنجاح في إثبات أن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب عام 2025 ينتهك حقوقهما الدستورية في حرية التعبير.
ومع أن القرار لا يلغي نظام العقوبات المفروض على المحكمة الجنائية الدولية بصورة شاملة، فإنه يضع قيوداً قانونية مهمة على استخدام هذه العقوبات ضد المنظمتين، ويؤكد أن التهديد بالملاحقة القضائية لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، أو منع الأميركيين من دعم التحقيقات الدولية المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
معركة دستورية تتجاوز المنظمتين
استندت المحكمة في قرارها إلى التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يحمي حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. ورأت أن العقوبات، في تطبيقها على أنشطة المنظمتين، تمثل تدخلاً غير مبرر في التعبير عن آراء ومواقف محددة، ولا سيما الأنشطة المرتبطة بالدعوة إلى المساءلة عن الانتهاكات المزعومة في الأراضي الفلسطينية.
كما اعتبرت المحكمة أن الرقابة الذاتية التي اضطرت المنظمتان إلى ممارستها، خشية التعرض لعقوبات مدنية أو جنائية، تمثل ضرراً لا يمكن جبره بسهولة، وهو ما يبرر إصدار أمر قضائي أولي لحمايتهما خلال استمرار نظر الدعوى.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن تأثير العقوبات لم يقتصر على الأشخاص والهيئات المستهدفة مباشرة، بل امتد إلى منظمات أميركية أخرى خشيت أن يُفسَّر تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية أو المؤسسات الحقوقية الخاضعة للعقوبات باعتباره تقديم “خدمة” محظورة.
وبموجب القرار، لا تستطيع الوكالات الفيدرالية فرض العقوبات المشمولة بالأمر القضائي على المنظمتين بسبب الأنشطة التي تحميها الحماية الدستورية، وفق نطاق الحكم. لكن المحكمة لم تحسم بصورة نهائية دستورية الأمر التنفيذي بكامله، كما لم تُلغِ العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية أو الجهات الأخرى بصورة عامة.
الأمر التنفيذي في قلب المواجهة
تعود جذور القضية إلى الأمر التنفيذي رقم 14203، الذي وقّعه ترمب في شباط 2025، ومنح إدارته صلاحيات لفرض عقوبات على أشخاص أجانب يدعمون تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بمواطنين أميركيين أو إسرائيليين.
واستند الأمر التنفيذي إلى اعتبار تلك التحقيقات حالة طوارئ وطنية، وإلى موقف الإدارة القائل إن المحكمة لا تملك الاختصاص القضائي اللازم للتحقيق في تصرفات مواطنين من الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تبنّى الأمر مبررات تتعلق بالتزام البلدين بقوانين الحرب، وهي مواقف ترفضها جهات حقوقية تنتقد السياسة الأميركية تجاه المحكمة.
واستخدمت إدارة ترمب هذه الصلاحيات لفرض عقوبات على مدعين وقضاة في المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن استهداف مؤسسات حقوقية فلسطينية، بينها مؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إضافة إلى فرانشيسكا ألبانيزي.
وتقول المنظمتان المدعيتان إن الصياغة الواسعة لمفهوم “الخدمة” المحظورة جعلت أنشطة حقوقية اعتيادية عرضة للمساءلة، بما في ذلك تبادل المعلومات والأدلة، وإعداد المذكرات القانونية، والتعاون في حملات تدعو إلى رفع العقوبات أو التحقيق في جرائم محتملة.
وبحسب الدعوى، أدى هذا التهديد إلى تعطيل أعمال حقوقية وإلى قطع بعض المؤسسات الأميركية علاقاتها المهنية مع جهات فلسطينية وأممية مستهدفة بالعقوبات، خشية التعرض للملاحقة.
استئناف العمل مع المحكمة الجنائية الدولية
عقب صدور الحكم، أعلنت منظمة “الديمقراطية الآن للعالم العربي” في بيان استلمت جريدة القدس نسخة عنه، أنها ستستأنف فوراً جهودها للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، بهدف دعم التحقيقات المتعلقة بالجرائم الخطيرة المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، وذلك ضمن الحدود التي يسمح بها القانون والقرار القضائي.
كما أعلنت عزمها العمل مع المؤسسات الحقوقية الفلسطينية الثلاث ومع ألبانيزي، في خطوة تعكس محاولة استعادة قنوات التعاون التي تأثرت بالعقوبات والتهديدات القانونية.
من جهته، أعلن “تحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية” أنه سيمضي قدماً في استكمال ملف الأدلة الذي يعتزم تقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن الدور المحتمل لمسؤولين أميركيين في المساعدة على ارتكاب جرائم إبادة جماعية في فلسطين أو التحريض عليها. وهذه اتهامات تسعى المنظمة إلى عرضها على المحكمة، ولا يعني الحكم القضائي بشأن حرية التعبير أنه حسم صحتها أو المسؤولية الجنائية لأي مسؤول.
وقال عمر شاكر، المدير التنفيذي لمنظمة “الديمقراطية الآن للعالم العربي”، إن الحكم يضع قيوداً مهمة على محاولات الإدارة الأميركية منع الأميركيين من المطالبة بالعدالة أمام المحكمة الجنائية الدولية، أو التعاون مع المدافعين عن حقوق الإنسان الذين استهدفتهم العقوبات.
بدوره، وصف جوزيف بيس، محامي المنظمتين ، القرار بأنه انتصار للتعديل الأول للدستور وخطوة مهمة نحو تفكيك نظام العقوبات المفروض على المحكمة الجنائية الدولية. وأكدت آنا ماري ستينبرغ، ممثلة تحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية في بيان صحفي، أن الحكم يعزز الحماية الدستورية لجهود المنظمة الرامية إلى مساءلة مسؤولين أميركيين، لكنها شددت على أن المعركة القانونية لم تنتهِ.
توقيت حساس وتصعيد ضد المحكمة
ويأتي القرار بعد أيام من تحرك إدارة ترمب لفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بوصفها مؤسسة، في تصعيد يعكس اتساع الخلاف حول دور القضاء الدولي في التحقيق في الجرائم الخطيرة وملاحقة المسؤولين عنها.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأنها تمثل، وفق المنظمتين، أول قرار قضائي فيدرالي يصدر منذ أحدث تحركات الحكومة الأميركية ضد المحكمة، ويتناول مباشرة تأثير هذه السياسة في الحقوق الدستورية للمدافعين الأميركيين عن المساءلة الدولية.
وكانت المنظمتان قد رفعتا الدعوى في 15 تموز 2026 أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، بعد يومين من تصريحات لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعاد فيها التهديد بتفكيك المحكمة، وفي سياق انتقادات أميركية متصاعدة لأنشطتها.
وطعنت الدعوى في الأمر التنفيذي واللوائح المنفذة له، مستندة إلى التعديل الأول للدستور المتعلق بحرية التعبير، والتعديل الخامس بشأن ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، فضلاً عن الطعن في مدى توافق الإجراءات مع الحدود التي يفرضها قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية.
ومنحت المحكمة أطراف القضية مهلة حتى 20 تشرين الأول للتشاور بشأن الخطوات المقبلة، في ضوء الحكم الأولي.
اختبار لحدود السلطة التنفيذية
يتجاوز هذا التطور النزاع القانوني بين الحكومة ومنظمتين حقوقيتين، ليطرح سؤالاً جوهرياً بشأن حدود السلطة التنفيذية في استخدام العقوبات الاقتصادية والأمنية للتأثير في النقاش العام، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا السياسة الخارجية وإسرائيل وفلسطين.
فالإدارة الأميركية تستطيع الدفاع عن موقفها من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، والطعن في قراراتها، واستخدام الأدوات القانونية المتاحة لها ضمن حدود القانون. لكن القضية تثير إشكالية مختلفة: هل يجوز توظيف العقوبات ضد جهات أميركية لمجرد تقديمها أدلة أو تعاونها مع مؤسسات دولية في قضايا تحظى باعتراض سياسي من الإدارة؟
ويشير الحكم الأولي إلى أن هذه المسألة لا يمكن حسمها بمجرد الاستناد إلى اعتبارات الأمن القومي أو السياسة الخارجية، وأن الحقوق الدستورية تظل عاملاً أساسياً في تقييم مشروعية الإجراءات الحكومية.
ومع ذلك، لا يعني القرار انتهاء المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، ولا يضمن أن تتراجع الإدارة عن عقوباتها الأوسع. فالمنظمتان حققتا مكسباً مهماً في حماية أنشطتهما، لكن مصير نظام العقوبات والدعوى الأصلية سيظل مرتبطاً بما ستقرره المحكمة في المراحل المقبلة.
وفي المحصلة، يضع الحكم إدارة ترمب أمام اختبار قانوني وسياسي صعب: كيف يمكنها مواصلة حملتها ضد المحكمة الجنائية الدولية من دون تجاوز الضمانات الدستورية التي تحمي حرية التعبير والعمل الحقوقي داخل الولايات المتحدة؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير القضية وحدها، بل ستكشف أيضاً مدى قدرة المؤسسات القضائية الأميركية على كبح استخدام السلطة التنفيذية للعقوبات عندما تتعارض مع الحريات الأساسية.
القضاء الأميركي يرسم حدوداً لحملة ترمب
لا تكمن أهمية الحكم في تعطيل العقوبات عن منظمتين حقوقيتين فحسب، بل في إعادة تأكيد أن السلطة التنفيذية لا تملك تفويضاً مفتوحاً لتقييد حرية التعبير تحت غطاء السياسة الخارجية. فحين يصبح التعاون مع مؤسسة دولية أو تبادل الأدلة معها سبباً محتملاً للملاحقة، تتجاوز المسألة الخلاف حول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية إلى جوهر الحقوق الدستورية. ومع ذلك، يبقى الحكم أولياً ومحدود النطاق، ولا يمثل إلغاءً شاملاً للعقوبات. وتكمن دلالته الأعمق في إخضاع أدوات الضغط السياسي لاختبار قضائي مستقل.
فلسطين في قلب الصراع على المساءلة الدولية
وتتجاوز القضية حدود المؤسسات الأميركية المتنازعة مع إدارة ترمب، لأنها تمس قدرة المنظمات الفلسطينية على إيصال الأدلة والمعلومات إلى الجهات الدولية المختصة. فالعقوبات التي تستهدف مؤسسات حقوقية قد لا توقف عملها مباشرة، لكنها تستطيع عزلها عن الشركاء الدوليين، ورفع كلفة التعاون معها، وإثارة الخوف لدى الممولين والمحامين والباحثين. ومن هنا، يمثل الحكم فرصة لاستعادة بعض قنوات العمل المشترك، لكنه لا يضمن إزالة الضغوط الأوسع. وستظل فعالية المساءلة مرهونة بقدرة المؤسسات الحقوقية على حماية استقلالها واستمرار تعاونها المهني.
معركة قانونية لا تعني حسم الاتهامات
كما ينبغي التمييز بين حماية الحق في تقديم الأدلة وبين إثبات الجرائم التي تتناولها تلك الأدلة. فقرار المحكمة الأميركية يحمي، ضمن نطاقه، أنشطة تعبيرية من خطر العقوبات، لكنه لا يقرر مسؤولية مسؤولين أميركيين أو إسرائيليين عن جرائم حرب أو إبادة جماعية، ولا يحسم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في كل ملف. ومع ذلك، فإن السماح للمنظمات باستئناف عملها يتيح استمرار فحص الادعاءات عبر المسارات القانونية المختصة. وهنا تكمن قيمة القرار: حماية الإجراءات التي تتيح اختبار الأدلة بدلاً من إسكات أصحابها بوسائل عقابية.
