مسار هرمز نحو اتفاق يشبه مونترو حول البوسفور
ناصر قنديل
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
- تكشف المواجهة الدائرة حول مضيق هرمز أن العالم يقف أمام سؤال يتجاوز حادثة ناقلة أو جولة قصف أو رد عسكري. السؤال الحقيقي هو، هل يمكن ضمان أمن الممرات الاستراتيجية بالقوة وحدها، أم أن الجغرافيا تفرض في النهاية نظاماً سياسياً وقانونياً يعترف بدور الدول التي تتحكم بضفاف هذه الممرات؟
- هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها العالم نفسه أمام معضلة من هذا النوع. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، كانت المضائق التركية، البوسفور والدردنيل، محكومة بنظام وُلد بعد معاهدة لوزان عام 1923، قام عملياً على تقييد السيادة التركية ونزع السلاح عن المضائق ووضعها تحت رقابة دولية. لكن تركيا الجديدة رأت أن هذا النظام لم يعد قابلاً للحياة مع صعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، ومع تزايد المخاطر على أمنها القومي. لذلك دعت إلى مؤتمر مونترو عام 1936، ونجحت في انتزاع اعتراف دولي بسيادتها على المضائق وحقها في تحصينها وإدارتها، مقابل ضمان حرية مرور السفن التجارية ووضع قواعد خاصة للسفن الحربية، على قاعدة الشعور بخطر مشترك.
- بهذا المعنى، لم تكن اتفاقية مونترو مجرد نص قانوني، بل كانت ثمرة توازن دولي جديد. العالم لم يقبل بالدور التركي حباً بتركيا، بل لأنه احتاج إلى نظام يحقق الاستقرار ويحد من مخاطر صعود المحور الإيطالي ـ الألماني. ومع ذلك، كان جوهر الاتفاق واضحاً، لا يمكن إدارة أمن البوسفور ضد تركيا أو بمعزل عنها، بل عبر الاعتراف بدورها وسيادتها.
- في هرمز، تبدو التوازنات مختلفة، لكن وظيفة الحل المحتمل قد تكون مشابهة. فالمشكلة اليوم ليست صعود محور أوروبي فاشي، بل حاجة العالم إلى ضمان تدفق النفط والغاز وسلاسة التجارة عبر واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم. الولايات المتحدة تريد حرية الملاحة لكن من خلال الأساطيل والتحالفات البحرية، بينما تقول إيران إن أمن المضيق لا يمكن أن يُفرض فوق جغرافيتها أو ضدها، وإن أي مرور آمن يحتاج إلى الاعتراف بدور الدول الساحلية، أي إيران وعُمان.
- هنا تظهر عبثية المعركة الأميركية. فبعد الحشود والضربات والتحذيرات، لم تستطع واشنطن إلغاء الدور الإيراني في هرمز، كما لم تذهب إيران الى تحويل المضيق إلى أداة إغلاق دائم ترفع الكلفة على على العالم. واكتفت بالتذكير أن سلاسة العبور مشروطة بدور ايراني في تنظيم المضيق، النتيجة أن مواجهة الطرفين تثبت حدود القوة. أميركا تستطيع أن تقصف، وإيران تستطيع أن تربك الملاحة، لكن لمواجهة لا تستطيع إنتاج استقرار دائم بالقوة وحدها.
- لذلك، يصبح السؤال مشروعاً، أليست الحرب الحالية شبيهة، من حيث المنطق السياسي، بالمرحلة التي سبقت مونترو؟ يومها كان النظام القديم للمضائق عاجزاً عن تلبية متطلبات الأمن. واليوم يبدو النظام القائم في هرمز عاجزاً عن الجمع بين حرية الملاحة وحقوق الدول الساحلية. في الحالتين، تدفع الأزمة نحو فكرة نظام خاص يتقدم على القاعدة العامة، لا لإلغاء حرية الملاحة، بل لتنظيمها بما يراعي الجغرافيا وموازين القوى.
- الفارق أن الغرب قبل في البوسفور بما يرفضه اليوم في هرمز، والسبب ليس قانونياً فقط بل سياسي أيضاً. تركيا كانت، أو صارت لاحقاً، جزءاً من المنظومة الغربية، بينما تُعامل إيران كخصم استراتيجي. لذلك يُنظر إلى سيادة تركيا على المضائق كجزء من الاستقرار، بينما يُنظر إلى أي دور إيراني في هرمز كامتداد لنفوذ معادٍ. هنا لا يعود السؤال: ما هو النظام الأفضل للمضيق؟ بل من هي الدولة التي ستمنح هذا الدور؟
- لكن الجغرافيا لا تتبدل بتبدل المواقف السياسية. كما لم يستطع العالم أن يدير البوسفور متجاوزاً تركيا، لن يستطيع أن يدير هرمز متجاوزاً إيران وعُمان. وإذا أثبتت الحرب أن الحسم العسكري مستحيل، فقد يكون المخرج الطبيعي مؤتمراً دولياً شبيهاً ب مونترو، يضع نظاماً خاصاً لهرمز، اعتراف بدور الدول الساحلية في الأمن والتنظيم، مقابل ضمانات واضحة لحرية الملاحة وعدم استخدام المضيق كسلاح دائم.
- قد لا يكون هذا المسار قائماً الآن علناً، لكن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بنفي الحاجة إلى التسويات وتنتهي بالاعتراف بها. وكما ولدت مونترو من استحالة استمرار النظام القديم، قد تلد أزمة هرمز نظاماً جديداً إذا اقتنع العالم بأن النفط لا يعبر بسلام فوق الجغرافيا، بل عبر التفاهم مع أصحابها.
- تكفي مراجعة تاريخ اتفاقية مونترو لإدراك أن الأنظمة الخاصة بالمضائق لا تعيش بقوة النصوص وحدها، بل بقوة التوازنات التي تنشئها. فبعد الحرب العالمية الثانية، سعى الاتحاد السوفياتي إلى تعديل اتفاقية مونترو، وطالب بإقامة قواعد عسكرية سوفياتية مشتركة مع تركيا في المضائق، و بنظام جديد يمنح موسكو نفوذاً دائماً في البوسفور والدردنيل. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا وقفتا بقوة خلف تركيا، واعتبرتا أن المساس بمونترو يهدد توازن الأمن الأوروبي، فانتهت الأزمة بانضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، وبقاء اتفاقية مونترو على حالها. ولم تنجح روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، في تعديلها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لأنها أصبحت جزءاً من منظومة توازنات دولية أوسع. وهذا يقدم درساً مهماً لهرمز، إذا انتهت المواجهة الحالية إلى نظام خاص للمضيق، فلن يكون مجرد تفاهم عابر، بل جزءاً من توازن إقليمي ودولي جديد، وستصبح المحافظة عليه مصلحة مشتركة للقوى الكبرى، تماماً كما أصبحت مونترو ركناً من أركان الاستقرار في البحر الأسود طوال تسعة عقود.
