حين يصبح اسم عبد الرحمن السيد مشكلة… لماذا نفرح برامي مالك ونخشى نجاح عربي مصري مسلم؟
فاطمة عطية
بقلم: فاطمة عطية – صحيفة الانتشار العربي
أتابع منذ فوز الدكتور عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان حجمًا لافتًا من الهجوم عليه، ومن بين الأصوات التي أثارت استغرابي بشكل خاص بعض الأصوات القبطية المصرية في الولايات المتحدة.
وأقول بعض الأصوات عن قصد، لأنني أرفض أن أحمّل أقباط مصر وأميركا جميعًا مسؤولية مواقف أشخاص أو مجموعات بعينها. فالأقباط جزء أصيل من مصر ومن مجتمعنا العربي الأميركي، وبينهم من ناضل ويدافع عن العدالة وحقوق الإنسان وفلسطين، كما أن بينهم من يختلف سياسيًا مع عبد الرحمن السيد لأسباب مشروعة تمامًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: متى يتحول الاختلاف السياسي إلى موقف من هوية المرشح ودينه؟
عبد الرحمن السيد لم يفز بانتخابات داخل مسجد، ولم ينتخبه المسلمون وحدهم. لقد فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في واحدة من أهم الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة، متغلبًا على النائبة هالي ستيفنز، رغم عشرات الملايين من الدولارات التي أنفقتها جهات خارجية مؤيدة لها، وبينها لجنة مرتبطة بـAIPAC. ووفق وكالة أسوشيتد برس، وصل الإنفاق الخارجي المؤيد لستيفنز قبل الانتخابات إلى نحو 50 مليون دولار، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن أرقام أعلى مع استمرار الحملة. (The Associated Press)
معنى ذلك بسيط: لم ينتخب الرجل مسلمون مصريون اجتمعوا وقرروا دعم ابن طائفتهم. انتخبه أميركيون من خلفيات وأعراق وأديان مختلفة اقتنعوا، لسبب أو لآخر، برسالته السياسية. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة بالنسبة لي.أنا شخصيًا عندما فاز رامي مالك بجائزة الأوسكار فرحت بنجاحه واعتبرته نجاحًا لشاب أميركي من أصول مصرية وصل إلى قمة عالمية في مجاله. لم أتوقف عند كونه قبطيًا وأنا مسلمة. لم أسأل عن الكنيسة التي ينتمي إليها، ولا عن عقيدته، ولا عن عقيدة أسرته.
رأيت إنسانًا ناجحًا من أبناء المهاجرين المصريين، ففرحت به.
ورامي مالك، ابن عائلة مصرية عربية قبطية مهاجرة، فاز بأوسكار أفضل ممثل عام 2019 عن تجسيده شخصية فريدي ميركوري في فيلم Bohemian Rhapsody. (Egypt Embassy)
فلماذا لا نطبق المعيار نفسه عندما يكون الناجح مسلمًا؟
من حق أي قبطي أميركي، وأي عربي وأي مسلم، وأي يهودي، وأي أميركي، أن يقول: أنا لا أؤيد عبد الرحمن السيد.
ومن حقهم انتقاد برنامجه الاقتصادي، أو موقفه من الرعاية الصحية، أو الضرائب، أو إسرائيل وفلسطين، أو القضايا الاجتماعية، أو أي ملف آخر.
لكنني أجد صعوبة في تقبل أن يصبح اسمه «عبد الرحمن»، أو كون زوجته محجبة، أو كونه عربي مسلمً من أصول مصرية، جزءًا من أسباب التخويف منه.
وهنا علينا جميعًا أن نسأل أنفسنا: هل كنا سنستخدم اللغة نفسها لو كان المرشح قبطيًا من أصل مصري؟
إذا كان جوابنا لا، فالمشكلة ليست سياسية بالكامل.
هل هو «إخواني» لأن اسمه عبد الرحمن؟
من أكثر الاتهامات التي يجري تداولها بحق السيد وصفه بأنه «إخوان مسلمون» أو ربطه تلقائيًا بالإسلام السياسي. لكن الاتهامات السياسية الخطيرة تحتاج إلى أدلة، لا إلى افتراضات مبنية على الاسم أو الدين.
الرجل يخوض الانتخابات ضمن التيار التقدمي الأميركي، وحملته تتحدث عن Medicare for All، وتقليص نفوذ المال في السياسة، والعدالة الاقتصادية، وقضايا البيئة والتعليم والسكن وغيرها من الملفات المعروفة لدى اليسار الأميركي. (Abdul for U.S. Senate)
قد تتفق معه أو تختلف معه جذريًا، ولكن هذا شيء، وتحويل كل سياسي مسلم إلى مشروع «إخوان مسلمين» شيء آخر.
والأغرب أن بعض منتقديه يتهمونه في الوقت نفسه بأنه «إسلامي متشدد»، ثم يهاجمونه لأنه يتخذ مواقف تقدمية في قضايا اجتماعية لا تتفق مع الرؤية الدينية المحافظة.
فبالله عليكم اي الصورتين هي الحقيقية
لا يمكن أن نعيد تشكيل هوية الإنسان كل مرة بما يناسب الاتهام الذي نريد توجيهه إليه.
هناك أيضًا من غضب من تصريحات سابقة لعبد الرحمن السيد تحدث فيها عن الفرص التي أتاحتها له الولايات المتحدة مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه حياته لو بقي في مصر.
منً حقكم انتقاد طريقته في التعبير. وأنا شخصيًا لا أقبل الإساءة إلى مصر ولا إلى أي شعب عربي ولكن يجب أن نكون عادلين.
أبناء المهاجرين في أميركا يتحدثون باستمرار عن الأسباب التي دفعت أسرهم إلى الهجرة اسواء الفقر، غياب الفرص، الاضطهاد، التمييز، عدم الاستقرار السياسي أو البحث عن مستقبل أفضل.وهذا يشمل مهاجرين مسلمين ومسيحيين من مصر ومن مختلف أنحاء العالم. فكيف يصبح الحديث عن مشكلات مصر خيانة عندما يصدر من عربي مسلم، بينما يصبح شهادة على المعاناة عندما يقوله شخص من ديانة أخرى؟
إما أن نقبل حق الجميع في نقد أوطانهم الأصلية، أو نرفضه على الجميع.
أما المعايير المزدوجة فلا تبني مجتمعًا.
رامي مالك وعبد الرحمن السيد… المبدأ واحد
المقارنة بين رامي مالك وعبد الرحمن السيد ليست مقارنة بين ممثل وسياسي، ولا بين هوليوود ومجلس الشيوخ.
إنها مقارنة في طريقة رؤيتنا لبعضنا بعضًا.
عندما يحقق قبطي مصري نجاحًا عالميًا، أفرح به.
وعندما ينجح عربي مسلم مصري في اختراق واحد من أصعب ميادين السياسة الأميركية، أرى في ذلك أيضًا قصة تستحق الاهتمام.
ولست مطالبة بأن أتفق مع كل مواقف أي منهما حتى أفرح بنجاحه.
فالانتماء إلى وطن واحد لا يعني أن نتطابق سياسيًا أو دينيًا، بل يعني أن نتعلم كيف نحترم اختلافنا من دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى كراهية.
المعركة أكبر من عبد الرحمن السيد نجاح عبد الرحمن السيد يحمل دلالة تتجاوز شخصه.
فالرجل فاز رغم إنفاق سياسي خارجي ضخم لمصلحة منافسته، وأصبح الآن المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان، في سباق عام سيواجه فيه الجمهوري مايك روجرز.
هذا لا يعني أنه سيفوز في نوفمبر، مع إني اتمنى ذلك ولا يعني أن كل أميركي أصبح تقدميًا أو أن نفوذ جماعات الضغط انتهى. لكنه يعني شيئًا مهمًا: الناخب الأميركي ليس ملكًا لأحد.
لا ملايين الدولارات تضمن نتيجة الانتخابات، ولا الإعلام يستطيع دائمًا أن يقرر مسبقًا من يحق له الوصول ومن يجب أن يبقى خارج اللعبة. وقد اعتبرت تحليلات سياسية حديثة فوز السيد مثالًا واضحًا على أن التفوق المالي الهائل لا يضمن الفوز الانتخابي.
وهذا تطور أراه إيجابيًا، خصوصًا للأقليات والمهاجرين والعرب والمسلمين وكل من قيل لهم يومًا إن أسماءهم أو أصولهم أو مظهرهم ستمنعهم من الوصول إلى مواقع القرار.
وفي المقابل، دفاعنا عن عبد الرحمن السيد لا يجوز أن يتحول إلى هجوم على المسيحيين أو الاقباط او اي ديانة اخرى.
أنا أرفض أن يُهاجم عبد الرحمن لأنه مسلم، تمامًا كما أرفض أن يتعرض قبطي للتشكيك لأنه مسيحي.
وأرفض أن يتحول نجاح أي مصري في أميركا إلى مسابقة: هل هو مسلم أم مسيحي؟ هل يمثلنا أم يمثلهم؟
من هم «نحن» ومن هم «هم» أصلًا؟
لقد جئنا إلى مجتمع متعدد الأديان والثقافات، ونطالب يوميًا بأن تُحترم هويتنا العربية وأن يحصل أبناؤنا على فرص متساوية.
فلا يمكن أن نطالب الأميركي الأبيض بألا يحكم على أبنائنا بسبب أسمائهم ودينهم، ثم نفعل نحن الشيء نفسه مع بعضنا.
هذه هي النقطة التي تزعجني في بعض ما أراه اليوم.
ليس لأنني أطالب الأقباط بتأييد عبد الرحمن السيد. لا أطالب أحدًا بتأييده.
أطالب فقط بأن نختلف معه كما نختلف مع أي سياسي أميركي: على برنامجه ومواقفه وسجله وكفاءته. لا على اسمه لا على دينه ,ولا على حجاب زوجته.
عندما فاز رامي مالك، فرحت به ولم أسأل إن كان قبطيًا أم مسلمًا.
واليوم، عندما يحقق عبد الرحمن السيد إنجازًا سياسيًا لافتًا، سأطبق المبدأ نفسه.
قد أختلف معه غدًا في موقف، وقد أنتقده في موقف آخر، فهذا عملي وواجبي كصحفية.
لكنني لن أقبل أن يكون اسمه عبد الرحمن هو التهمة.
فإما أن نؤمن بالمواطنة والمساواة للجميع، أو نعترف بأننا نطالب بها لأنفسنا فقط
