الجراح البريطانيّ نيك ماينراد من أكسفورد بعد زيارته للقطاع: الأطفال يموتون من الجوع والاحتلال يُمارِس الوحشيّة.. تواطؤ حكومة لندن المستمّر بفظائع إسرائيل أمرٌ لا يُغتفر

 الجراح البريطانيّ نيك ماينراد من أكسفورد بعد زيارته للقطاع: الأطفال يموتون من الجوع والاحتلال يُمارِس الوحشيّة.. تواطؤ حكومة لندن المستمّر بفظائع إسرائيل أمرٌ لا يُغتفر

من مستشفى ناصر في جنوب قطاع غزة، يروي البروفيسور نيك ماينارد، الجراح الاستشاريّ في مستشفى جامعة أكسفورد، مشاهد وصفها بأنّها من أكثر ما شهده قسوةً خلال عمله الطبي في القطاع. “أود أنْ أوضح جليًا أنّ ما يُرتكب بحق الفلسطينيين في غزة عملٌ وحشيٌّ كان من الممكن منعه تمامًا. لا يُعقل أنْ نصل إلى هذه المرحلة حيث يقف العالم متفرجًا”.
وقال، في مقال نشره في صحيفة (الغارديان) البريطانية عقب زيارته الأخيرة، إنّ أزمة سوء التغذية في غزة وصلت إلى مستوىً كارثيٍّ، محذرًا من أنّ الأطفال والمرضى والعاملين في القطاع الصحي يدفعون ثمنًا باهظًا للحرب والحصار.

ماينارد، الذي يزور غزة منذ نحو 15 عامًا ويعمل جراحًا متطوعًا مع منظمة “المعونة الطبية للفلسطينيين”، قال إنّه أجرى في مستشفى ناصر عمليةً جراحيّةً لمراهقة تعاني من سوء تغذية حاد، بينما كانت رضيعة في السابعة من عمرها ترقد في وحدة العناية المركزة، هزيلة إلى درجةٍ جعلته يظن في البداية أنها مولودة حديثًا.
ويقول الجراح البريطانيّ إنّ سوء التغذية بات يؤثر مباشرةً في قدرة المرضى على النجاة من العمليات الجراحية. فبعض الإصلاحات الجراحية تنهار، وتظهر التهابات خطيرة، ثم يموت المرضى. وأشار إلى وفاة أربعة رُضّع في المستشفى خلال الأسابيع الأخيرة، مؤكدًا أنّهم لم يموتوا نتيجة القصف أو إطلاق النار، وإنما بسبب الجوع وسوء التغذية.
ويضيف أنّ الوضع الغذائي للرضع بالغ الصعوبة، في ظلّ شبه انعدام حليب الأطفال، بينما يُعطى بعضهم محلول سكري لا يوفر قيمة غذائية كافية. كما أنّ سوء تغذية الأمهات يحول دون قدرتهن في كثير من الحالات على الرضاعة الطبيعية. ووفق ما أورده ماينارد، منعت السلطات الإسرائيليّة محاولة لإدخال حليب الأطفال إلى القطاع.
واتهم ماينارد الحكومة الإسرائيليّة باتباع سياسةٍ تقوم، بحسب وصفه، على منع دخول كمياتٍ كافيةٍ من الغذاء، ودفع المدنيين الجائعين إلى التوجه نحو نقاط توزيع المساعدات للحصول على الإمدادات المحدودة. ويقول إنّ عدد مواقع توزيع المساعدات انخفض، مقارنة بما كان متاحًا في السابق، إلى أربعة مواقع رئيسيّةٍ في جنوب القطاع، الأمر الذي يجعل الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر.
عُلاوة على ذلك، أشار الجراح البريطانيّ إلى وصول أعدادٍ كبيرةٍ من المصابين إلى أقسام الطوارئ، بينهم أطفال ومراهقون قال ذووهم إنّهم أصيبوا بالرصاص أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم. ويروي أنّ طفلًا يبلغ 12 عامًا توفي على طاولة العمليات بعد إصابته برصاصةٍ في البطن.
كما نقل عن زملائه في أقسام الطوارئ ملاحظاتهم بشأن أنماط إصابات قال إنّها تتركز أحيانًا في أجزاء محددة من الجسم، مثل الرأس والساقين والأعضاء التناسلية، معتبرًا أنّ ذلك يثير، من وجهة نظره، مخاوف بشأن الاستهداف المتعمد.
وفي حادثتين أخريين، أجرى ماينارد عمليات جراحية لامرأتين قال إنهما أصيبتا بنيران طائرات مسيّرة أثناء احتمائهما قرب خيامهما، كانت إحداهما تُرضع طفلها والأخرى حاملًا. ويقول إنّ مثل هذه الوقائع تُظهر، بحسب روايته، أنّ الخطر لا يقتصر على من يحاولون الوصول إلى المساعدات، بل يطال أيضًا المدنيين في أماكن لجوئهم.
ولا تقتصر الأزمة، وفق ماينارد، على المرضى. فقد لاحظ عند وصوله تدهور الحالة الجسدية لعدد من العاملين الصحيين الذين عرفهم خلال زياراتٍ سابقةٍ، وقال إن بعضهم فقد عشرات الكيلوغرامات من وزنه. ويضطر بعض الأطباء والممرضين، بحسب شهادته، إلى التوجه إلى نقاط توزيع المساعدات للحصول على الطعام لعائلاتهم، رغم إدراكهم للمخاطر.
ويصف ماينارد مستشفى ناصر بأنه آخر مستشفى رئيسي لا يزال يعمل في جنوب غزة، لكنه يعمل فوق طاقته وفي ظلّ نقص حاد في المستلزمات الطبية، بينما تتراكم الإصابات والاحتياجات الإنسانية. كما أشار إلى مقتل ممرضة تعمل في المستشفى مع أطفالها الثلاثة.
وفي ختام شهادته، دعا ماينارد إلى وقف دائم لإطلاق النار، والسماح بدخول المساعدات الغذائية والطبية بحرية وأمان عبر منظومة الأمم المتحدة، ورفع الحصار، سيؤدي سوء التغذية القسري والاعتداءات على المدنيين إلى مقتل آلاف آخرين.
وقال: “إن لم يتم إيقافها فورًا. كل يوم من التقاعس يعني موت المزيد من الأطفال، ليس فقط بالرصاص أو القنابل، بل أيضًا من الجوع. هناك حاجة ماسة الآن إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتدفق المساعدات بحرية وأمان عبر منظومة الأمم المتحدة، ورفع الحصار، وكل ذلك ممكن تحقيقه بالإرادة السياسية.”
وشدّدّ على أنّ “تواطؤ حكومة المملكة المتحدة المستمر في فظائع إسرائيل أمر لا يُغتفر، ولا أريد أن أُضيّع المزيد من الوقت في الحديث عنها”، طبقًا لأقواله.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *