قراءة في كتاب: “لوبي إسرائيل.. كيف أصبحت السياسة الأميركية أسيرة علاقة لا تُراجع؟

 قراءة في كتاب: “لوبي إسرائيل.. كيف أصبحت السياسة الأميركية أسيرة علاقة لا تُراجع؟

سعيد عريقات

في كتابهما الجديد “لوبي إسرائيل: أميركا في قبضة قوة أجنبية” يقدّم الصحفي الاستقصائي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك، Eli Clifton and  Ian Lustick  قراءة صادمة، وإن لم تكن غير متوقعة، لمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، محاولين الإجابة عن سؤال ظل لعقود من المحظورات السياسية في واشنطن: كيف تحولت إسرائيل، وهي دولة صغيرة في الشرق الأوسط، إلى قوة تمتلك نفوذاً استثنائياً على السياسة الخارجية الأميركية، بحيث بات من الصعب على رؤساء أميركيين متعاقبين ممارسة ضغوط حقيقية عليها عندما تتعارض سياساتها مع المصالح التي تعلن واشنطن أنها تتبناها؟

الكتاب، الصادر عن “أتريا/وان سيغنال”، في 304 صفحات، لا يكتفي بمناقشة النفوذ السياسي المؤيد لإسرائيل، بل يحاول تتبع آلياته وتطوره التاريخي، من جماعات الضغط ولجان العمل السياسي إلى المانحين الأثرياء ومراكز الأبحاث والمؤسسات الخيرية وشبكات النفوذ داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويركز المؤلفان بصورة خاصة على كيفية استخدام المال السياسي، والضغط الانتخابي، والخوف من الاتهام بمعاداة السامية، لتضييق هامش المناورة أمام السياسيين الذين يحاولون تبني مواقف أكثر استقلالاً عن الحكومة الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أهمية الكتاب: فهو لا يتعامل مع “لوبي إسرائيل” ككتلة واحدة متجانسة، ولا يساوي بين إسرائيل واليهود الأميركيين، بل يتحدث عن شبكة واسعة من التنظيمات والأفراد والمؤسسات التي تعمل على دفع السياسة الأميركية في اتجاه يخدم، بدرجات مختلفة، أولويات إسرائيل وحكوماتها. وهذه التفرقة ضرورية، ليس فقط من الناحية السياسية، وإنما أيضاً من الناحية الأخلاقية، لأن نقد النفوذ السياسي مشروع في الديمقراطية، بينما تحويله إلى اتهام جماعي على أساس ديني أو عرقي ليس كذلك.

ويعود كليفتون ولوستيك، وهما يهوديان أميركيان، إلى لحظة تأسيس “إسرائيل” عام 1948، ويضعان قرار الرئيس هاري ترومان الاعتراف بالدولة الجديدة في قلب حجتهما التاريخية. فترومان كان، وفق رواية الكتاب، واقعاً بين مستشاريه في السياسة الخارجية والأمن القومي، الذين حذروه من التداعيات الاستراتيجية لقيام دولة يهودية في فلسطين، وبين الضغوط السياسية الداخلية المؤيدة للصهيونية. ويرى المؤلفان أن هذا التوتر المبكر أسس لنمط ظل يتكرر لاحقاً: رئيس أميركي يعتقد أن لديه مصلحة في ممارسة الضغط، فيواجه كلفة سياسية داخلية تجعله يتراجع.

وتصبح هذه الفكرة أكثر وضوحاً في عهد جيرالد فورد. فعندما حاول فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر عام 1975 إعادة تقييم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، اصطدما بحملة ضغط واسعة قادتها منظمات مؤيدة لإسرائيل. وتروي المادة المستقاة من الكتاب كيف تلقى فورد رسالة موقعة من 76 عضواً في مجلس الشيوخ، في تحرك عكس حجم القدرة على تحويل السياسة الخارجية إلى قضية انتخابية داخلية. وانتهى الأمر بتراجع الإدارة عن بعض طموحاتها في الضغط على إسرائيل.

ثم تتكرر القصة، وإن بأشكال مختلفة، في عهد جيمي كارتر، الذي حاول دفع واشنطن نحو تسوية شاملة للصراع العربي–الإسرائيلي، وأبدى استعداداً للحديث علناً عن الحقوق الفلسطينية. وفي عهد جورج بوش الأب، وصل الإحباط الرئاسي من قدرة اللوبي على تعطيل السياسة الأميركية إلى درجة علنية نادرة، عندما اشتكى بوش من مواجهة جماعات ضغط قوية في الكونغرس أثناء محاولته استخدام ضمانات القروض للضغط على إسرائيل بشأن الاستيطان.

أما باراك أوباما، فيمثل في الكتاب مرحلة أخرى من الصراع بين الرئاسة واللوبي. فقد بدأ عهده بمحاولة إعادة إطلاق عملية سياسية تقوم على حل الدولتين، لكنه انتهى إلى مساحة أكثر ضيقاً في مواجهة الحكومة الإسرائيلية والكونغرس والقوى السياسية المؤيدة لها. ويشير المؤلفان إلى أن تجربة أوباما كشفت حدود القوة الرئاسية عندما تصطدم بشبكة سياسية منظمة تستطيع تحويل الخلاف حول السياسة الخارجية إلى اختبار للولاء السياسي.

لكن الكتاب لا يرى أن المشكلة بدأت مع رئيس أميركي بعينه، أو أنها يمكن اختزالها في رئيس وزراء إسرائيلي بعينه. فالنتنياهو، في هذه القراءة، ليس منشئ هذه العلاقة وإنما المستفيد الأبرز من تراكماتها. ومع انتقال “إسرائيل” نفسها نحو اليمين، وتزايد نفوذ القوى القومية والدينية المتشددة داخل حكوماتها، أصبحت الهوة بين طبيعة السياسة الإسرائيلية والمبادئ التي تقول واشنطن إنها تدافع عنها أكثر اتساعاً.

تكمن أهمية الكتاب في أنه ينقل النقاش من سؤال “هل تؤثر إسرائيل في السياسة الأميركية؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا تسمح المؤسسات الأميركية بهذا القدر من التأثير؟ فالديمقراطية الأميركية تقوم أصلاً على جماعات الضغط والتمويل السياسي، ولا يمكن تحميل جماعة واحدة مسؤولية كل اختلالات السياسة الخارجية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النفوذ قادراً على رفع الكلفة السياسية لأي رئيس أو مشرّع يحاول إعادة تعريف العلاقة. عندها لا يعود اللوبي مجرد طرف في النقاش، بل يصبح جزءاً من البنية التي تحدد مسبقاً ما يمكن قوله وما يمكن فعله داخل واشنطن.

وتزداد حدة هذه المسألة بعد حرب غزة، التي كشفت اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الأميركي حول حقوق الإنسان والديمقراطية وبين الدعم السياسي والعسكري “لإسرائيل”. ويذهب المؤلفان إلى أن إدارة جو بايدن امتلكت أدوات ضغط حقيقية، لكنها أحجمت عن استخدامها بصورة مؤثرة، حتى عندما أصبحت سياسات الحكومة الإسرائيلية تفرض كلفة متزايدة على صورة الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. وهنا يتحول الكتاب من دراسة لجماعات الضغط إلى مساءلة أوسع للنظام السياسي الأميركي نفسه: من يحدد المصلحة الوطنية، وكيف؟

اللافت أن قوة الكتاب لا تكمن في القول إن “إسرائيل” “تسيطر” على أميركا، وهي عبارة مبسطة ومضللة، بل في كشف العلاقة المعقدة بين النفوذ الخارجي والمصالح السياسية الأميركية الداخلية. فهناك سياسيون أميركيون لا يحتاجون إلى ضغط إسرائيلي كي يتبنوا مواقف مؤيدة لإسرائيل؛ وهم يرون ببساطة أن التحالف يخدم رؤيتهم الاستراتيجية أو الأيديولوجية. وهناك آخرون يتحركون بدافع انتخابي، أو خوفاً من التمويل المضاد، أو تجنباً للاتهامات السياسية. لذلك فإن المسؤولية النهائية تبقى أميركية. فاللوبي يستطيع الضغط، لكنه لا يستطيع اتخاذ القرار بدلاً من المسؤول المنتخب.

وربما يكون التحول الأكبر الذي يرصده الكتاب قد بدأ بالفعل خارج أروقة واشنطن، في المجتمع الأميركي نفسه. فقد تراجعت قدرة الخطاب التقليدي حول «العلاقة الخاصة» على إقناع قطاعات واسعة من الشباب، فيما أصبح نقد السياسات الإسرائيلية أكثر حضوراً في الجامعات والإعلام والحياة السياسية. وهذه النقطة قد تكون الأخطر على مستقبل نفوذ اللوبي: ليس لأن قدرته المالية والتنظيمية تراجعت بالضرورة، وإنما لأن البيئة التي منحته قوته لعقود تتغير. وإذا اتسعت الفجوة بين السياسة الرسمية والمزاج الشعبي، فقد تصبح محاولة الحفاظ على الوضع القائم أكثر تكلفة سياسياً.

ويصل كليفتون ولوستيك في النهاية إلى خلاصة تتجاوز “إسرائيل” نفسها: الولايات المتحدة بحاجة إلى استعادة استقلال قرارها في السياسة الخارجية. وهذه، في الحقيقة، أكثر نقاط الكتاب إثارة للاهتمام. فالقضية ليست ما إذا كان ينبغي لأميركا أن تكون صديقة “لإسرائيل” أو خصماً لها، وإنما ما إذا كان بإمكانها أن تكون حليفاً من دون أن تتحول العلاقة إلى التزام سياسي غير قابل للمراجعة.

فالتحالفات، في السياسة الدولية، ليست عقوداً أبدية، وإنما أدوات لتحقيق مصالح الدول. وعندما تصبح العلاقة نفسها هدفاً، بدلاً من أن تكون وسيلة، فإن السياسة الخارجية تفقد جزءاً من استقلالها.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل الكتاب هجوماً على “إسرائيل” بقدر ما يمثل تحدياً للنظام السياسي الأميركي الذي سمح لعلاقة ثنائية بأن تكتسب طابعاً شبه مقدس، يحول دون إخضاعها للنقاش الديمقراطي الطبيعي.

والمفارقة أن المؤلفين لا يقدمان “اللوبي” بوصفه قوة خارقة لا تُهزم، بل بوصفه نتاجاً لنظام سياسي يمكن تغييره. فالمال السياسي يمكن تنظيمه، والكونغرس يمكن مساءلته، والرؤساء يمكنهم استخدام أدوات القوة التي يمنحهم إياها الدستور، والرأي العام يمكنه إعادة رسم حدود الممكن سياسياً.

لكن ذلك يتطلب أولاً كسر أحد أكثر المحظورات رسوخاً في واشنطن: الاعتقاد بأن العلاقة مع “إسرائيل” يجب أن تكون بمنأى عن النقد والمراجعة.

وفي هذا تحديداً تكمن قيمة “لوبي إسرائيل”. فهو كتاب يريد أن يعيد القضية إلى المجال الذي يفترض أن تنتمي إليه: السياسة.

وقد يختلف البعض استنتاجات كليفتون ولوستيك، وربما يرى أن الكتاب يمنح جماعات الضغط وزناً أكبر من اللازم على حساب المصالح الاستراتيجية والأيديولوجية الأميركية الذاتية. وهذا اعتراض مشروع. لكن صعوبة دحض أطروحة الكتاب لا تأتي من أن كل تفاصيلها صحيحة بالضرورة، وإنما من أن سجل العقود الماضية يقدم أمثلة كثيرة على رؤساء أميركيين اكتشفوا أن محاولة الضغط على إسرائيل تحمل كلفة سياسية تفوق استعدادهم لتحملها.

ولهذا فإن السؤال الذي يتركه الكتاب وراءه ليس: هل تملك “إسرائيل” نفوذاً في واشنطن؟

فذلك أصبح واضحاً.

السؤال الأصعب هو: هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على اتخاذ قرار مستقل عندما تتعارض المصلحة التي تراها واشنطن مع ما تريده الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها داخل النظام السياسي الأميركي؟

في زمن تتغير فيه مواقف الأميركيين من “إسرائيل”، وتتسع الانقسامات الحزبية حول الشرق الأوسط، وتتزايد الأسئلة حول الدعم الأميركي غير المشروط، يأتي كتاب كليفتون ولوستيك في لحظة سياسية شديدة الحساسية. وهو، سواء اتفق المرء مع أطروحته كاملة أم لا، يفتح باباً لنقاش طال تأجيله: هل تحتاج أميركا إلى إعادة تعريف علاقتها “بإسرائيل”، أم أن استمرار العلاقة بصورتها الحالية أصبح هو نفسه تهديداً لقدرة الولايات المتحدة على صياغة سياسة خارجية مستقلة؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي يضعه الكتاب أمام القارئ الأميركي.

_________

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *