زلزال الصناديق: ترامب أمام اختبار السلطة… والحزبان أمام معركة 2028، د. منذر سليمان
منذر سليمان
الصورة الأولية لنتائج الانتخابات النصفية تشير إلى أن المفاجأة لم تكن مجرد تقدم الديمقراطيين، بل حجم واتساع التقدم في أماكن كان يُعتقد أنها أكثر أماناً للجمهوريين. لماذا بدت استطلاعات الرأي أقل دقة؟ 1. الاستطلاعات التقطت الاتجاه، لكنها لم تلتقط قوته بالكامل قبل الانتخابات كانت المؤشرات الوطنية تميل بالفعل إلى الديمقراطيين. كما أن تصنيفات NBC News كانت تُظهر أن معركة الكونغرس تدور بدرجة كبيرة على أرض جمهورية، وأن الديمقراطيين يحتاجون إلى أربعة مقاعد صافية للاستحواذ على مجلس الشيوخ وثلاثة لاستعادة مجلس النواب. أي أن التحول الديمقراطي لم يكن غير متوقع، لكن بعض النتائج تجاوزت ما كانت توحي به خريطة السباقات التنافسية. 2. تحولت الانتخابات بصورة أقوى مما كان متوقعاً إلى استفتاء على دونالد ترامب استطلاع الناخبين الذي أجرته Associated Press يوم الاقتراع وجد أن نحو ستة من كل عشرة ناخبين لا يوافقون على أداء ترامب، وأن الناخبين الذين كان ترامب حاضراً في قرارهم الانتخابي كانوا أكثر ميلاً بنحو الضعف إلى التصويت تعبيراً عن معارضته مقارنة بمن أرادوا التعبير عن تأييدهم له. وهذا مهم، لأن السؤال لم يعد فقط: أي مرشح للكونغرس تفضّل؟ بل أصبح لدى قطاع كبير من الناخبين: هل تريد وضع قيود على رئاسة ترامب؟ نحو 70% قالوا إنهم يريدون من الكونغرس توفير مزيد من الضوابط والتوازنات على الرئاسة. 3. الاقتصاد أضر بالجمهوريين بدلاً من إنقاذهم الاقتصاد كان القضية الأهم لنحو أربعة من كل عشرة ناخبين، بحسب استطلاع AP Voter Poll. كما قال نحو ستة من كل عشرة إن ارتفاع الأسعار يعود بدرجة أكبر إلى سياسات ترامب لا إلى عوامل خارجة عن سيطرته. وهذا يفسر جانباً مهماً من الانحراف عن التوقعات: الغضب من التضخم وتكاليف المعيشة لم يتحول بالضرورة إلى رفض للحزب الحاكم بصورة مجردة، بل ارتبط مباشرة بالرئيس والجمهوريين. ووجدت Associated Press أن التضخم ضغط على الجمهوريين حتى في معاقل تقليدية مثل تكساس. 4. تحول الشباب كان لافتاً تشير البيانات الأولية لـAssociated Press إلى تحرك واضح للناخبين الشباب بعيداً عن الحزب الجمهوري، بعد المكاسب التي حققها ترامب بينهم في انتخابات 2024. وهذه من المتغيرات التي يمكن أن تجعل نماذج الإقبال أصعب، لأن الاستطلاع لا يحتاج فقط إلى معرفة نوايا الناس، وإنما إلى تقدير من سيذهب بالفعل إلى صندوق الاقتراع. وما أكبر المفاجآت؟ تكساس هي المفاجأة الأوضح. فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون في سباق مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمقعد مجلس الشيوخ الأميركي عن تكساس منذ 1988. كما هزمت الديمقراطية جينا هينوجوسا الحاكم الجمهوري غريغ أبوت في سباق حاكم الولاية. أما المفاجأة السياسية الأوسع فهي استعادة الديمقراطيين لمجلسي الكونغرس، وفق النتائج والتقديرات المنشورة صباح 4 نوفمبر. وتصف Associated Press النتيجة بأنها عودة الديمقراطيين للسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. الخلاصة السياسية الأهم والأدق هي: الاستطلاعات رصدت موجة مناهضة للجمهوريين، لكنها لم تعكس بالكامل مدى تحول الانتخابات إلى استفتاء على شخص ترامب وأدائه الاقتصادي، ولا حجم استعداد بعض الناخبين في الولايات الجمهورية للتصويت ضد مرشحيه. وهناك مفارقة مهمة: انتصار الديمقراطيين الكبير لا يعني بالضرورة أن الناخب الأميركي أصبح ديمقراطياً. Associated Press وجدت أيضاً أن كثيراً من الناخبين لا يحبون الحزب الديمقراطي، وأن تفوقه على الجمهوريين في بعض القضايا الرئيسية يظل محدوداً. الفترة الانتقالية قبل انعقاد الكونغرس الجديد مع انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين، فالمرجّح أن تكون الفترة الانتقالية شديدة الأهمية سياسياً للرئيس دونالد ترامب، ويمكن قراءة سلوكه المحتمل عبر خمسة محاور: 1. محاولة استثمار الأسابيع الأخيرة من الكونغرس الحالي الكونغرس الـ119 يظل قائماً خلال هذه الفترة، والموقع الرسمي لمجلس النواب لا يزال يعرّف المجلس الحالي بأنه الدورة الثانية للكونغرس الـ119. سياسياً، هذا يمنح ترامب وحلفاءه الجمهوريين نافذة محدودة قبل انتقال السلطة في الكونغرس. ومن المنطقي أن يحاول البيت الأبيض خلالها دفع الأولويات التي تحتاج إلى تعاون الكونغرس الحالي، بينما يبقى للرئيس أيضاً مجال واسع للتحرك التنفيذي في القضايا التي لا تتطلب تشريعاً جديداً. 2. تحويل الهزيمة إلى معركة سياسية مع الديمقراطيين المتوقع أن يحاول ترامب إعادة صياغة المشهد بسرعة: بدلاً من بقاء النقاش حول لماذا خسر الجمهوريون؟، يصبح النقاش حول ترامب في مواجهة كونغرس ديمقراطي. هذا مهم جداً بالنسبة إليه، لأن موقع “الرئيس المحاصر من المعارضة” قد يكون سياسياً أكثر راحة له من تحمّل المسؤولية الكاملة عن الحكم عندما يكون حزبه مسيطراً على الكونغرس. 3. تحصين الإدارة قبل يناير أتوقع اهتماماً كبيراً بتثبيت أكبر قدر ممكن من سياسات إدارته وترتيباتها الإدارية قبل وصول الكونغرس الجديد. لكن حجم ما يمكن إنجازه تشريعياً تحديداً سيعتمد على تركيبة الكونغرس الحالية وعلى ما يبقى من جدول أعماله. 4. الاستعداد مبكراً للتحقيقات والرقابة انتقال السيطرة على اللجان إلى الديمقراطيين سيغيّر ميزان الرقابة على الإدارة بصورة جوهرية. وهنا سيكون أمام البيت الأبيض حافز قوي لاستخدام نوفمبر وديسمبر للاستعداد سياسياً وقانونياً لصدامات الكونغرس المقبلة، بدلاً من انتظار يناير. 5. بداية مبكرة لمعركة 2028 وهذه في رأيي هي النقطة السياسية الأهم. بما أن انتخابات 2026 أدت إلى توجيه ضربة قوية للجمهوريين، فستبدأ داخل الحزب فوراً معركة حول سؤال: هل المشكلة كانت في ترامب أم في المرشحين أم في الظروف الاقتصادية والسياسية؟ ومن المرجح أن يحاول ترامب منع ترسخ الرواية الأولى، لأن قبولها سيضعف قدرته على تحديد خليفته وعلى فرض اتجاه الحركة الجمهورية في انتخابات 2028. انتقال الكونغرس إلى الديمقراطيين سيدفع ترامب إلى ألّا يتعامل مع نوفمبر وديسمبر باعتبارهما فترة انتظار عادية. الأرجح أن يتعامل معهما كمرحلة سباق مع الزمن: استثمار ما تبقى من الكونغرس الحالي، استخدام الصلاحيات التنفيذية حيث يستطيع، والاستعداد لصدام سياسي ومؤسساتي مختلف تماماً ابتداءً من يناير 2027. والأهم أن المعركة ستنتقل تدريجياً من تنفيذ برنامج ترامب إلى حماية إرث ترامب وتحديد مستقبل الحزب الجمهوري بعده. سيناريو الحكومة المنقسمة في 2027–2028 سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب ومجلس الشيوخ ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2027 تعني أن وضع دونالد ترامب في النصف الثاني من ولايته سيتغير جذرياً. لكنه لن يصبح رئيساً بلا سلطة. ستكون واشنطن أمام حالة حكومة منقسمة وصدام مؤسساتي مستمر. أرى المشهد على النحو التالي: 1. ينتهي عملياً مشروع ترامب التشريعي الكبير سيطرة الديمقراطيين على المجلسين تعني أنهم سيملكون زمام الأجندة التشريعية واللجان. وفي مجلس النواب تحديداً، تشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن قيادة حزب الأغلبية تمتلك أدوات قوية لتحديد ما يصل إلى أرضية المجلس للتصويت. لذلك يصبح تمرير تشريعات كبرى تعكس برنامج ترامب أمراً شديد الصعوبة، إلا إذا استطاع التوصل إلى تسويات مع الديمقراطيين. المفارقة المهمة: الديمقراطيون يستطيعون منع كثير من أجندته، لكنهم أيضاً لا يستطيعون ببساطة فرض أجندتهم عليه. يستطيع الرئيس استخدام الفيتو، وتجاوز الفيتو يتطلب تصويت ثلثي الأعضاء المصوتين في كل من المجلسين. أي أننا أمام تعطيل متبادل أكثر من انتقال كامل للسلطة. 2. الضربة الأقوى لترامب قد تأتي من مجلس الشيوخ هذه نقطة أهم من خسارة مجلس النواب. الرئيس يرشح كبار المسؤولين والقضاة، لكن الدستور يمنح مجلس الشيوخ دور المشورة والموافقة في التعيينات الرئاسية، وتشمل العملية التعيينات القضائية والتنفيذية الخاضعة للتصديق. وهذا يعني، إذا كانت الأغلبية ديمقراطية، أن ترامب سيفقد حرية سياسية مهمة في ملء المناصب الشاغرة. والأكثر أهمية على المدى الطويل: التعيينات القضائية. فالأغلبية الديمقراطية تستطيع التحكم في عمل اللجنة القضائية وجدول التعامل مع ترشيحات المحاكم الفيدرالية الخاضعة لتصديق مجلس الشيوخ. 3. مجلس النواب يتحول من شريك لترامب إلى جهاز رقابة عليه وهذا قد يكون مركز الصدام الحقيقي. الرقابة والتحقيق جزء راسخ من سلطة الكونغرس، وقد أكدت المحكمة العليا تاريخياً حق الكونغرس في جمع المعلومات اللازمة لأغراضه التشريعية. مع سيطرة الديمقراطيين، ستنتقل رئاسة اللجان إليهم، وهو ما يفتح الباب أمام جلسات استماع وطلبات وثائق واستدعاءات وتحقيقات في ملفات الإدارة التي يختارون إعطاءها الأولوية. والكونغرس الحالي نفسه يبين مدى قوة هذه الأدوات. فقد استخدمت لجنة الرقابة في مجلس النواب خلال 2026 الاستدعاءات وطلبات الوثائق والإفادات في تحقيقاتها. وهنا، سيحدث التحول النفسي والسياسي الأهم: ترامب سينتقل من رئيس يحاول تمرير برنامج إلى رئيس يحاول حماية إدارته وبرنامجه من كونغرس معادٍ. 4. لذلك سيتجه ترامب أكثر نحو السلطة التنفيذية إذا أُغلق الطريق التشريعي أمامه، فمن المنطقي توقع اعتماد أكبر على الأدوات التي يستطيع الرئيس استخدامها من داخل السلطة التنفيذية، إلى جانب محاولة الدفاع قانونياً وسياسياً عن القرارات التي اتخذتها الإدارة بالفعل. وهنا تبدأ لعبة مختلفة: الديمقراطيون: تشريع + ميزانية + رقابة + تحقيقات + سلطة مجلس الشيوخ على التعيينات. ترامب: فيتو + إدارة السلطة التنفيذية + صلاحيات رئاسية + قاعدة سياسية وإعلامية قوية. ولذلك لن يكون الوضع “الديمقراطيون يحكمون وترامب عاجز”. بل مؤسستان تتمتعان بشرعية انتخابية منفصلة تتصارعان على اتجاه الحكومة. 5. الميزانية قد تصبح ساحة الحرب الرئيسية هنا يستطيع الطرفان إلحاق الضرر السياسي بالآخر إذا فشلا في التوصل إلى حلول وسط. الديمقراطيون لن يستطيعوا ببساطة تمرير كل ما يريدون بسبب الفيتو الرئاسي، وترامب لن يستطيع ببساطة الحصول من الكونغرس الديمقراطي على كل ما يريده. لذلك أتوقع أن تصبح الموازنة والتمويل الحكومي أهم ساحات المساومة السياسية في 2027 و2028. وقد تكون حسابات الطرفين انتخابية بقدر ما هي تشريعية: كل طرف سيريد إظهار الآخر باعتباره المسؤول عن الشلل في واشنطن. 6. أما العزل، فيجب التمييز بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ من الممكن سياسياً أن يظهر اتجاه داخل الأغلبية الديمقراطية نحو إجراءات عزل إذا اعتقدت أن هناك أساساً لذلك، لكن السيطرة على المجلسين لا تعني القدرة تلقائياً على عزل ترامب من منصبه. فمجلس النواب يستطيع توجيه الاتهام، لكن الإدانة في مجلس الشيوخ تتطلب أغلبية أكبر بكثير من الأغلبية الحزبية العادية. ولذلك، من دون تأييد عدد مهم من الجمهوريين، ستكون إقالة الرئيس أصعب بكثير من مجرد بدء إجراءات العزل. ولهذا أرى أن التحقيقات والرقابة والاستدعاءات ستكون أدوات أكثر عملية للديمقراطيين من الرهان المباشر على إخراج ترامب من الرئاسة. 7. وهنا قد يفعل ترامب شيئاً يبدو غريباً: يستفيد سياسياً من الهزيمة هذه ربما أكثر نقطة إثارة للاهتمام. إذا كان الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس، فإن الناخب يستطيع أن يقول لترامب: أنت الرئيس وحزبك يسيطر على واشنطن، فلماذا لم تُحل المشكلة؟ لكن اعتباراً من يناير 2027 يستطيع أن يقول: أريد أن أفعل ذلك، لكن الكونغرس الديمقراطي يمنعني. وهذه وضعية سياسية عرف ترامب كيف يوظف شبيهاتها من قبل: تحويل الصراع من تقييم تفصيلي للسياسات إلى مواجهة بينه وبين مؤسسة أو خصم سياسي. وهكذا قد تصبح كل جلسة استماع تقريباً مادة سياسية، وكل تحقيق دليلاً بالنسبة إلى قاعدته على أن “المؤسسة” تستهدفه، وكل تعطيل في الكونغرس فرصة لتحميل الديمقراطيين المسؤولية. 8. والأهم: تبدأ معركة وراثة ترامب في الحزب الجمهوري فقد الجمهوريون المجلسين في منتصف ولايته الثانية، ليصبح السؤال الداخلي قاسياً: هل خسر الحزب بسبب ترامب، أم لأن الجمهوريين لم يكونوا ترامبيين بما يكفي؟ وهذه المعركة ستكون حاسمة استعداداً لعام 2028. إذا بقي ترامب مسيطراً على قواعد الحزب، فسيحاول على الأرجح تحويل السنتين الأخيرتين من ولايته إلى معركة ليس فقط ضد الديمقراطيين، بل أيضاً لتحديد من سيرث الحركة الجمهورية بعده. السيناريو الذي أراه مرجحاً سياسياً إذا جمعنا هذه العناصر، فإنني لا أتوقع أن يصبح ترامب أكثر اعتدالاً تلقائياً بعد خسارة المجلسين. الاحتمال التحليلي الأقوى عندي هو العكس: مزيد من المواجهة، مزيد من الاعتماد على الرئاسة بدلاً من الكونغرس، ومزيد من تحويل الصدام مع الديمقراطيين إلى أداة سياسية استعداداً لـ2028. لكن سيكون هناك قيد حقيقي لم يكن موجوداً عندما كان حزبه يسيطر على الكونغرس: مجلس شيوخ ديمقراطي يستطيع تعطيل جزء مهم من تعييناته، ومجلس نواب ديمقراطي يستطيع فتح تحقيقات واسعة، وكونغرس ديمقراطي يستطيع منع تشريعاته. لذلك يمكن اختصار مرحلة 2027–2028 بجملة واحدة: لن تكون نهاية رئاسة ترامب، بل نهاية قدرة ترامب على الحكم عبر الكونغرس، وبداية حكم يعتمد بدرجة أكبر على الصلاحيات التنفيذية والفيتو والمواجهة السياسية. والأكثر إثارة للاهتمام هو ما سيفعله ترامب تحديداً في الفترة القصيرة بين انتخابات نوفمبر 2026 وأداء الكونغرس الجديد اليمين في يناير 2027. فهذه الفترة قد تتحول إلى سباق شديد الأهمية لتثبيت تعيينات وسياسات قبل انتقال السيطرة، خصوصاً في القضاء، والوكالات الفيدرالية، والميزانية، والسياسة الخارجية. اتجاهات الحزب الديمقراطي ومعركة 2028 أعتقد أن المخاض داخل الحزب الديمقراطي قد يكون أهم من مجرد انتصاره على دونالد ترامب. فالفوز بالمجلسين لا يحسم اتجاه الحزب، بل يفتح مباشرة الصراع على السؤال الأكبر: لماذا فاز الديمقراطيون، ومن يملك حق تعريف الحزب استعداداً لـ2028؟ حتى صباح 4 نوفمبر، تشير النتائج المنشورة إلى أن الديمقراطيين حسموا السيطرة على المجلسين، مع بقاء بعض السباقات قيد الفرز. وتُظهر النتائج اتساعاً لافتاً في خريطة الانتصارات، بما فيها مقاعد في ولايات فاز بها ترامب عام 2024. 1. الصراع الأول: لمن يعود الفضل في الفوز؟ ستظهر روايتان متنافستان داخل الحزب: رواية الوسط والبراغماتيين:
سيقولون إن الديمقراطيين فازوا لأنهم استطاعوا استعادة ناخبين خارج القاعدة الليبرالية التقليدية، والدليل أن الانتصارات امتدت إلى ولايات مثل تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو ونورث كارولاينا وساوث كارولاينا. وسيكون استنتاجهم السياسي: لا تحوّلوا رفض ترامب إلى تفويض لبرنامج يساري واسع. أما التقدميون فستكون لديهم رواية مختلفة:
سيقولون إن الناخب لم يطلب مجرد عودة إلى الوضع السابق، بل يريد تغييراً اقتصادياً وسياسياً أعمق، وإن صعود شخصيات تقدمية في السنوات الأخيرة وانتخاب شخصيات جديدة من هذا التيار يعكسان طلباً حقيقياً داخل القاعدة الديمقراطية على تغيير الحزب نفسه. وقبل الانتخابات مباشرة، وصفت وكالة Associated Press مجموعة من المرشحين الاشتراكيين الديمقراطيين الجدد باعتبارهم قوة يمكن أن تضيف طاقة جديدة للحزب وفي الوقت نفسه تخلق تحديات لقيادته. وهذا الاختلاف في تفسير سبب الفوز سيكون بداية المعركة. 2. التيار التقدمي سيكون أقوى من حجمه العددي هذه نقطة أساسية. يجب ألا نخلط بين: حجم التقدميين داخل الكتلة الديمقراطية
و
قدرتهم على تغيير اتجاه الحزب. فـAssociated Press أشارت قبيل الانتخابات إلى أن عدد المرشحين المرتبطين فعلياً بالاشتراكية الديمقراطية ظل محدوداً، وأن كثيراً منهم يتركزون في مناطق ديمقراطية آمنة. إذن لا أتوقع أن يصبح الحزب الديمقراطي ببساطة “حزباً تقدمياً”. لكن تأثير هذا الجناح يمكن أن يكون أكبر كثيراً من حجمه العددي، لأن شخصيات مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز أصبحت ذات حضور وطني يتجاوز دائرتها الانتخابية، بينما برز عبد الرحمن السّيد، وزهران ممداني، وبيرني ساندرز كنقاط مرجعية في النقاش الأوسع حول الاتجاه اليساري للحزب. 3. الاختبار الحقيقي سيكون الاقتصاد أعتقد أن هذه ستكون ساحة الصراع الأهم، أكثر حتى من القضايا الثقافية. التقدميون سيحاولون القول إن الرسالة الأساسية للناخب الأميركي ليست فقط: “أوقفوا ترامب.” بل: “اجعلوا الحياة أقل كلفة.” وبالتالي سيضغطون باتجاه أجندة أكثر تشدداً في ملفات كلفة المعيشة، والرعاية الصحية، والإسكان، والأجور، ونفوذ الشركات والأثرياء. وسيحاول الوسط الديمقراطي أخذ الجزء الأول من هذه الرسالة، أي معالجة الكلفة والاقتصاد، من دون تبني كامل الإطار الأيديولوجي للتقدميين. وهنا تحديداً يمكن أن يحدث شيء مهم: قد ينتصر التقدميون في الأفكار حتى إذا لم ينتصروا في قيادة الحزب. أي أن القيادة الديمقراطية قد لا تصبح يسارية بالمعنى التنظيمي، لكنها قد تتبنى أجزاء متزايدة من اللغة الاقتصادية للتقدميين. 4. لكن انتخابات الأمس أعطت الوسط أيضاً حجة قوية جداً هذه ربما أكبر مشكلة تواجه الجناح التقدمي. الديمقراطيون لم يفوزوا فقط في نيويورك وكاليفورنيا وماساتشوستس. النتائج المنشورة تظهر انتصارات ديمقراطية في مجلس الشيوخ في تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو ونورث كارولاينا وساوث كارولاينا أيضاً. هذا يعطي القيادة حجتها المضادة: إذا أصبح الحزب أيديولوجياً أكثر من اللازم، فقد نفقد بالضبط الناخبين الذين سمحوا لنا بهذا الانتصار الواسع. بل إن التوتر كان ظاهراً أثناء الحملة نفسها. فقد ظهرت تقارير عن مرشحين ديمقراطيين في سباقات تنافسية أبقوا مسافة بينهم وبين ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، بينما رحب آخرون بدعمها. وهذه ليست مسألة شخصية. إنها تعكس مشكلة الحزب كلها: ما الذي ينجح في برونكس أو بروكلين ليس بالضرورة ما ينجح في تكساس أو كانساس، والعكس صحيح. 5. لذلك أتوقع انقساماً ثلاثياً وليس ثنائياً من الخطأ، برأيي، اختزال الحزب إلى “تقدميين ضد معتدلين”. الخريطة الجديدة قد تنتج ثلاثة أجنحة: الجناح الأول: القيادة المؤسسية حول المؤسسة الحزبية وقيادات الكونغرس، وسيكون اهتمامه الأكبر استخدام الأغلبية بفاعلية، وممارسة الرقابة على إدارة ترامب، وعدم المجازفة بالأغلبية الجديدة. الجناح الثاني: البراغماتيون الجدد وهذا قد يكون الجناح الأكثر أهمية استعداداً لـ2028. هؤلاء ليسوا بالضرورة “وسطيين” بالمعنى القديم. قد يكونون أكثر شعبوية اقتصادياً، لكنهم أكثر حذراً في اللغة الثقافية والأيديولوجية، خصوصاً في الولايات المتأرجحة أو المحافظة. انتصارات الديمقراطيين خارج معاقلهم التقليدية ستعطي هذا التيار وزناً كبيراً في النقاش الداخلي. الجناح الثالث: التقدميون هؤلاء سيقولون: الانتصار على ترامب وحده لا يكفي. علينا بناء بديل اقتصادي واجتماعي واضح. وسيريدون استخدام الأغلبية ليس فقط للتحقيق مع إدارة ترامب، وإنما لطرح تشريعات تعرّف ما يريد الحزب أن يكون عليه بعد ترامب. 6. وهنا سنصل إلى السؤال الأكثر حساسية: 2028 كل هذه الخلافات ستصبح في النهاية معركة حول المرشح الرئاسي القادم. فانتخابات 2026 لم تنتج فقط أغلبية في الكونغرس، بل ترفع تلقائياً أسهم شخصيات تستطيع القول إنها تعرف كيف تخاطب ناخبين خارج المعاقل الديمقراطية، وفي الوقت نفسه ترفع أسهم شخصيات تقدمية تستطيع القول إن المستقبل الديمغرافي والسياسي للحزب يتحرك باتجاهها. ومن هنا ستبدأ المنافسة بين فكرتين: هل يحتاج الديمقراطيون في 2028 إلى مرشح يستطيع استعادة الوسط؟ أم: هل يحتاجون إلى مرشح يستطيع إعادة صياغة الحزب حول شعبوية اقتصادية تقدمية؟ وقد يظهر أيضاً مرشح يحاول دمج الاثنين، وهذه في رأيي ستكون الصيغة الأخطر انتخابياً على الجمهوريين: خطاب اقتصادي شعبوي، ولكن من دون تبني كل المواقف التي تجعل المرشح التقدمي التقليدي صعب التسويق في الولايات المتأرجحة. 7. وما وزن ألكساندريا أوكاسيو كورتيز تحديداً؟ هنا أميز بين سلطتها داخل الكونغرس وثقلها داخل الحزب. ثقلها الوطني والإعلامي والسياسي أكبر من القوة العددية المحدودة للاشتراكيين الديمقراطيين داخل الكونغرس. ووجود مرشحين في بعض السباقات المتأرجحة حرصوا على الابتعاد عنها يؤكد في الوقت نفسه قوتها وحدود تلك القوة. وبالتالي ستكون في موقع مثير جداً خلال 2027: إذا ضغطت على القيادة من اليسار ونجحت في دفعها إلى تبني أجزاء من أجندتها، فهي تصبح صانعة لاتجاه الحزب حتى من دون السيطرة عليه. أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة مع القيادات والنواب المنتخبين من الولايات والمناطق الأكثر محافظة، فقد يستخدمها الجناح الوسطي كدليل على ضرورة إبقاء التقدميين بعيداً عن مركز القرار. 8. المفارقة: ترامب نفسه قد يوحّد الديمقراطيين مؤقتاً وهذه نقطة مهمة جداً. طالما أن ترامب في البيت الأبيض، فإن وجود خصم مشترك قوي سيؤجل بعض الانفجارات الداخلية. الديمقراطيون سيملكون ابتداءً من الكونغرس الجديد القدرة على إطلاق تحقيقات واستخدام سلطات الاستدعاء في رقابتهم على الإدارة. وقد بدأت القيادات الديمقراطية بالفعل الحديث عن انتقال السيطرة على اللجان والتحقيق في ملفات إدارة ترامب. وهذا يوفر قضية توحّد المعتدل والتقدمي: فرض رقابة على ترامب. لكن كلما اقتربنا من 2028، سيضعف هذا اللاصق تدريجياً، لأن السؤال لن يعود فقط: ماذا نفعل بترامب؟ بل سيصبح: من نحن بعد ترامب؟ وهنا يبدأ المخاض الحقيقي. الخلاصة تقديري أن التيار التقدمي خرج من انتخابات 2026 أقوى سياسياً، لكنه لم يصبح القوة المهيمنة على الحزب. والأرجح أن المعركة المقبلة لن تنتهي بانتصار كامل للتقدميين أو للمؤسسة. قد يحدث شيء أكثر عمقاً: يتبنى الحزب جزءاً من الاقتصاد التقدمي، بينما يحتفظ ببراغماتية انتخابية أكثر وسطية في الخطاب والتحالفات. وهذا سيجعل الفترة بين يناير 2027 والانتخابات التمهيدية الرئاسية في 2028 صراعاً على هوية الحزب بقدر ما ستكون صراعاً مع ترامب. وبرأيي، المؤشر الأكثر أهمية الآن ليس فقط عدد مقاعد التقدميين، بل من هم الديمقراطيون الذين فازوا في تكساس وكانساس وأيوا وميشيغان وأوهايو، وما نوع الخطاب الذي مكّنهم من الفوز. تحليل هذه الشخصيات واحدةً واحدة سيكشف لنا أي جناح خرج بالفعل منتصراً من انتخابات 2026، ومن بينهم يمكن أن تظهر مفاجأة الحزب الرئاسية في 2028. المرشحون المحتملون للرئاسة الأميركية في 2028 إذا انطلقنا من واقع ما بعد انتخابات 2026، فانتخابات 2028 تبدو منذ الآن انتخابات إعادة تشكيل للحزبين أكثر من كونها مجرد منافسة عادية على خلافة دونالد ترامب. ولا يوجد حتى الآن مرشح رئيسي أعلن رسمياً ترشحه، لذلك ما يلي سيناريوهات تحليلية لا توقعات بنتيجة الانتخابات. 1. السيناريو الجمهوري: هل تستمر الترامبية من دون ترامب؟ هذه ستكون المعضلة الكبرى للجمهوريين. جي دي فانس يُنظر إليه حالياً على نطاق واسع باعتباره المرشح الأبرز لخلافة ترامب. لكن مستقبله مرتبط أيضاً بنتائج إدارة ترامب وأداء الجمهوريين، بحسب تحليل Associated Press قبل الانتخابات النصفية. إذا دخل جي دي فانس السباق باعتباره وريثاً سياسياً لترامب، فسيكون السؤال: هل يستطيع الاحتفاظ بقاعدة ترامب الشعبية من دون امتلاك شخصية ترامب نفسها؟ وهنا أرى احتمالين داخل الحزب الجمهوري: استمرار الترامبية بقيادة جي دي فانس أو شخصية مشابهة. ظهور تيار يقول إن خسارة الكونغرس في 2026 تستدعي نسخة أقل صدامية من الجمهوريين تستطيع استعادة الضواحي والمستقلين. لذلك قد تصبح الانتخابات التمهيدية الجمهورية استفتاءً ضمنياً على الترامبية بعد ترامب. 2. السيناريو الديمقراطي الأول: مرشح المؤسسة والائتلاف التقليدي الجانب الديمقراطي أكثر تعقيداً، لأنه لا يملك وريثاً واضحاً. كامالا هاريس وغافين نيوسوم وبيت بوتيجيج وجوش شابيرو وألكساندريا أوكاسيو كورتيز جميعهم من الشخصيات المطروحة في النقاش العام حول 2028، ولم يكن أي من الأسماء البارزة قد أعلن رسمياً ترشحه بحسب المصادر المتاحة. السيناريو الأول هو أن يصل الحزب إلى مرشح يقول: انتصرنا في 2026 لأننا أعدنا بناء تحالف واسع ضد ترامب، فلا ينبغي أن نخاطر به عبر انعطافة أيديولوجية حادة. جوش شابيرو مثلاً يُطرح في النقاش باعتباره حاكم ولاية بنسلفانيا المتأرجحة وصاحب صورة انتخابية يمكن أن تخاطب الانتخابات العامة. هذا النوع من المرشحين سيحاول تحويل انتخابات 2028 إلى سؤال بسيط: من يستطيع الحفاظ على التحالف الذي أعاد الديمقراطيين إلى السلطة في الكونغرس؟ 3. السيناريو الثاني: ثورة تقدمية تقودها ألكساندريا أوكاسيو كورتيز هذا السيناريو أصبح أكثر أهمية. ألكساندريا أوكاسيو كورتيز من الأسماء التي يجري تداولها فعلياً لسباق 2028. وذكرت Washington Post قبل الانتخابات أن كلاً من كامالا هاريس وألكساندريا أوكاسيو كورتيز كانتا بين الشخصيات الديمقراطية التي تحدثت علناً عن التفكير في إمكانية خوض سباق 2028. لكن أهمية ترشح ألكساندريا أوكاسيو كورتيز المحتمل لن تكون شخصية فقط. سيكون بمثابة اختبار لسؤال فكري: هل يستطيع التحالف الذي بناه بيرني ساندرز أن ينتقل إلى جيل جديد ويستولي فعلياً على ترشيح الحزب؟ وإذا حدث ذلك، فستكون الانتخابات التمهيدية الديمقراطية مواجهة حقيقية بين مشروعين للحزب. 4. السيناريو الثالث، وهو في رأيي الأكثر إثارة: ظهور “تقدمي براغماتي” ليس بالضرورة أن تنحصر المنافسة بين المؤسسة وألكساندريا أوكاسيو كورتيز. قد يظهر مرشح ثالث يقول للديمقراطيين: أتبنى شعبوية اقتصادية قوية، لكنني لست ابن المؤسسة القديمة ولا أريد خوض حرب أيديولوجية مع الوسط الأميركي. وهنا يجب مراقبة السياسيين الذين يستطيعون الجمع بين رسالة اقتصادية شعبوية والقدرة على الفوز في مناطق لم تكن تبدو ديمقراطية بسهولة. هذه الفئة قد تصبح أكثر أهمية بعد نتائج 2026 تحديداً، لأن الديمقراطيين حققوا اختراقات كبيرة في ولايات كانت صعبة عليهم. والمرشح الذي يستطيع تفسير هذه النتائج بصورة مقنعة سيملك ورقة قوية في الانتخابات التمهيدية. 5. جون أوسوف: موقعه المحتمل في سباق 2028 جون أوسوف يستحق أن يكون في قلب أي تحليل جدي لسباق 2028، وخصوصاً بعد إعادة انتخابه في جورجيا. لكن يجب الفصل بين ما يقوله هو عن طموحاته وبين ما يعنيه موقعه السياسي الجديد. حتى الآن، موقفه العلني واضح: قال في أغسطس 2026 إن لديه “صفر اهتمام” بالترشح للرئاسة في 2028، مكرراً موقفاً سابقاً له. وفي المقابل، أدت إعادة انتخابه في جورجيا إلى تصاعد التكهنات حول مستقبله الرئاسي. لماذا أصبح جون أوسوف مهماً جداً بعد 2026؟ السبب الأول هو جورجيا. أعيد انتخابه في ولاية كان دونالد ترامب قد فاز بها في انتخابات 2024. وهذه النتيجة وحدها تمنحه حجة سياسية مختلفة عن مرشحين ديمقراطيين قادمين من ولايات زرقاء آمنة. بمعنى آخر، إذا دخل جون أوسوف سباقاً رئاسياً لاحقاً، يستطيع بناء رسالة من نوع: أنا لا أشرح لكم نظرياً كيف يمكن للديمقراطي الفوز في ولاية متأرجحة. لقد فعلت ذلك بالفعل. موقعه بين الوسط والتقدميين قد يكون مصدر قوته وهنا أراه مثيراً للاهتمام أكثر من بعض الأسماء التي تحدثنا عنها. جون أوسوف لا يأتي بالصورة الأيديولوجية نفسها التي تحملها ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وفي الوقت نفسه يستطيع تقديم نفسه كجزء من جيل ديمقراطي أحدث وأكثر هجومية في مواجهة إدارة ترامب. وخلال حملة 2026 ركز، وفق التغطية المتاحة، على القدرة الشرائية والتضخم والسياسة الخارجية، مع توجيه انتقادات مباشرة وقاسية إلى ترامب. وهذا يتيح له، نظرياً، مساحة سياسية مهمة: هو شعبوي نسبياً على المستوى الاقتصادي، ومناهض لترامب على المستوى السياسي، ولكنه ليس مرتبطاً بالكامل بالجناح التقدمي للحزب. وهذه الجملة الأخيرة هي قراءتي السياسية وليست موقفاً معلناً منه. منافسته الحقيقية قد تكون مع جوش شابيرو أكثر من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز إذا تطورت خريطة 2028 كما تبدو الآن، فهناك سؤال داخل الحزب: هل تريد شخصية مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز تمثل تحولاً تقدمياً واضحاً؟ أم شخصية تنفيذية مثل غافين نيوسوم؟ أم نموذجاً انتخابياً يستند إلى الفوز في ولاية متأرجحة؟ في الفئة الثالثة، يستطيع جون أوسوف أن يصبح منافساً مهماً للغاية. وهناك عامل آخر: عمره. التغطية المنشورة اليوم تصفه في التاسعة والثلاثين ومن النجوم الديمقراطيين الشباب الصاعدين، وربطت صراحة إعادة انتخابه بتزايد التكهنات الرئاسية حوله. لكن أمامه مشكلة كبيرة أكبر مشكلة سياسية بالنسبة إليه هي توقيت 2028 نفسه. لقد أمضى 2026 وهو يقول للناخب الجورجي إنه لا يهتم بالسباق الرئاسي. بل ذكرت تغطيات للحملة أنه تعهد بخدمة ولايته الجديدة في مجلس الشيوخ كاملة. لذلك، إذا غيّر موقفه بعد أشهر فقط، سيواجه سؤالاً واضحاً: هل كانت تأكيداته لناخبي جورجيا مجرد تكتيك انتخابي؟ وسيحتاج إلى تفسير مقنع جداً لسبب تغير موقفه. ومع ذلك، خطاب الفوز يثير الانتباه هناك أيضاً قراءة سياسية مثيرة للاهتمام لخطابه ليلة الفوز. فقد رأى تقرير في Washington Examiner أن خطاب النصر حمل نبرة رئاسية، ولاحظ أنه تحدث عن أن المهمة ليست فقط احتواء رئيس واحد، وإنما معالجة المشكلات الأعمق في الجمهورية الأميركية. لكن وصف الخطاب بأنه إطلاق فعلي لحملة 2028 هو تفسير الصحيفة وليس إعلاناً من جون أوسوف. وهذا الفرق مهم. تقديري إذا بقي جون أوسوف خارج السباق، يمكن أن يصبح أحد أهم الأصوات الديمقراطية في مرحلة ما بعد ترامب. أما إذا تراجع عن نفيه وقرر دخول سباق 2028، فأعتقد أن موقعه السياسي سيكون مميزاً، لأنه قد يحاول احتلال المساحة الواقعة بين جناحين: ألكساندريا أوكاسيو كورتيز تقول: الحزب يحتاج إلى تحول أيديولوجي واقتصادي أعمق. المؤسسة الديمقراطية تقول: علينا حماية الوسط الذي منحنا الفوز. أما رسالة جون أوسوف المحتملة فقد تكون: يمكن للديمقراطي أن يكون مقاتلاً ضد ترامب، إصلاحياً اقتصادياً، وشاباً، وفي الوقت نفسه يفوز في ولاية جنوبية متأرجحة. وهذا تحديداً ما يجعلني أرى أن جون أوسوف، إذا قرر الترشح فعلاً، قد يكون أحد أكثر المرشحين قدرة على إعادة خلط الأوراق داخل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية. 6. غافين نيوسوم يمثل سيناريو مختلفاً غافين نيوسوم يبدو مهيأً لخوض نقاش 2028 من موقع وطني. Associated Press ذكرت أنه كان من أنشط الديمقراطيين في انتخابات 2026، وأنه ركز بصورة خاصة على الجنوب وبنى علاقات وجمع تبرعات في عدد من الولايات المهمة للحزب. مشكلته المحتملة ستكون مختلفة عن مشكلة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز: هي تحتاج إلى إثبات أن التقدمية تستطيع الفوز خارج المناطق الليبرالية. وهو سيحتاج إلى إثبات أن حاكم كاليفورنيا يستطيع بيع نموذجه السياسي لناخبين في الولايات المتأرجحة والمناطق المحافظة. ولهذا ستكون المنافسة بين الاثنين، إذا ترشحا، أكثر من صدام شخصيات. إنها تمثل صداماً بين نموذجين لمستقبل الحزب. 7. وهناك سيناريو “ما بعد ترامب” بالكامل هذا السيناريو يصبح ممكناً إذا دخل الأميركيون 2028 وهم مرهقون من سنوات الاستقطاب. عندها قد لا يكون المرشح الأكثر نجاحاً هو الأكثر قدرة على تعبئة الغضب، بل الشخصية التي تقدم نفسها بأنها: نهاية حقبة ترامب لا مجرد خصم جديد لترامب. وهذا يفتح المجال أمام شخصية ذات أسلوب أقل صداماً. مارك كيلي، على سبيل المثال، يُطرح ضمن الأسماء المحتملة في النقاش حول 2028، وإن لم يعلن ترشحه. ولذلك أرى أربعة مسارات رئيسية المسار الأول:
جي دي فانس ضد ديمقراطي مؤسسي مثل جوش شابيرو أو غافين نيوسوم.
وهنا تصبح الانتخابات: استمرار الترامبية أم العودة إلى سياسة أكثر تقليدية؟ المسار الثاني:
جي دي فانس ضد ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
وهذا سيكون أكثر السيناريوهات استقطاباً فكرياً: يمين شعبوي قومي في مواجهة يسار اقتصادي تقدمي. المسار الثالث:
جمهوري يحاول تجاوز نموذج ترامب/جي دي فانس في مواجهة ديمقراطي وسطي.
وهنا قد تصبح انتخابات 2028 منافسة على من يستطيع احتلال الوسط بعد انتهاء رئاسة ترامب. المسار الرابع:
ظهور وجه جديد نسبياً لدى أحد الحزبين، يستفيد من رغبة الناخبين في تجاوز الصراع السياسي للسنوات السابقة. وهذه الإمكانية مهمة جداً لأن المصادر الحالية نفسها تشير إلى أن الحقل الديمقراطي واسع ولا يوجد مرشح محسوم حتى الآن. لكن لنراقب شيئاً واحداً قبل الأسماء السؤال الحاسم خلال 2027 سيكون: كيف يفسّر الديمقراطيون فوزهم في 2026 وكيف يفسّر الجمهوريون هزيمتهم؟ إذا خلص الديمقراطيون إلى أن الانتصار جاء من الوسط والمستقلين، فذلك يقوي جوش شابيرو والنموذج البراغماتي. إذا خلصت القاعدة إلى أن الناخبين أرادوا تغييراً اقتصادياً أعمق، فإن وزن ألكساندريا أوكاسيو كورتيز والتيار التقدمي سيرتفع. أما إذا استطاع ترامب إقناع القاعدة الجمهورية بأن المشكلة كانت في مرشحي الحزب وليست في الترامبية نفسها، فإن جي دي فانس سيبدأ المعركة من موقع قوي داخل الحزب. لهذا أعتقد أن المعركة الأهم في 2028 قد لا تكون بين الديمقراطيين والجمهوريين في البداية، وإنما حرب أهلية سياسية داخل كل حزب حول معنى انتخابات 2026. ومن يفز بتفسير 2026 داخل حزبه قد يحدد شكل المواجهة الرئاسية في 2028.
