ترامب يسلم بالهزيمة ولم يحسم الحرب ونتنياهو يتأقلم معها بانتظار فشل ايزنكوت

 ترامب يسلم بالهزيمة ولم يحسم الحرب ونتنياهو يتأقلم معها بانتظار فشل ايزنكوت

ناصر قنديل

ناصر قنديل

دخلت واشنطن وتل أبيب مرحلة إدارة الهزيمة الانتخابية، بعدما انتقل الرهان من منع خسارة الأكثرية إلى محاولات للتأقلم والسعي الى احتواء تداعياتها على القيادة والقرار. ففي أميركا، سلّم الرئيس دونالد ترامب بنتائج الانتخابات، وبدأ الحزب الجمهوري مواجهة أسئلة المسؤولية والقيادة المقبلة، بينما ظهر التباين داخل الإدارة بين مراجعة الحرب التي طرحها نائبه جي دي فانس، وتمسّك الرئيس بالدفاع عن قرار خوضها. وفي إسرائيل، انتقلت معركة بنيامين نتنياهو إلى انتظار تعثر خصمه غادي آيزنكوت في تشكيل الحكومة، بعدما اتسعت دائرة التوصيات المؤيدة لتكليفه، وبدأت تتشكل إمكانية استخدام الأكثرية المعارضة لفتح مسار تغيير داخل الكنيست.

يواجه ترامب معادلة سياسية فرضتها صناديق الاقتراع جوهرها الاعتراف بكلفة الحرب من دون التخلي عن رواية ضرورتها. فقد وصف تشخيص فانس لمسؤولية الحرب عن الخسارة بأنه صحيح إلى حد كبير، وربط النتيجة بارتفاع أسعار الوقود، لكنه أكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً. ويتيح هذا الموقف قراءة سلوك الرئيس بوصفه محاولة للموازنة بين ضغط المراجعة الذي عبّر عنه نائبه، وخيار الحرب الذي دافع عنه فريقه العسكري بقيادة وزير الدفاع بيت هيغسيث، مع الاحتفاظ لنفسه بقرار الانتقال نحو التسوية أو التصعيد.

وفي تطور بارز على مسار التنسيق الروسي الإيراني، استقبل الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين، الخميس، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي سلّمه رسالة من المرشد مجتبى خامنئي، بحضور مستشار الرئيس الروسي يوري أوشاكوف ورئيس الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف. وأعلن رضائي أن المباحثات تناولت إنهاء الحرب والترتيبات الأمنية الإقليمية ومرحلة ما بعدها، وأن بوتين أكد استعداده لتقديم المساعدة لإنهائها. كما أطلع الرئيس الروسي على تفاصيل الاجتماع الذي عقدته طهران مع تركيا وباكستان والسعودية. وشملت المحادثات أيضا مشروع نقل الغاز الروسي إلى إيران لتلبية احتياجاتها وإتاحة تصديره إلى دول الجوار، وتسريع مشروع سكة رشت–آستارا، بعدما وافق المجلس الأعلى للأمن القومي على اتفاقه التنفيذي تمهيداً لتوقيعه. وعقب اللقاء، جدّد رضائي ربط فتح مضيق هرمز واستئناف التفاوض بتنفيذ واشنطن الشروط الإيرانية السبعة، موضحاً أن زيارته كانت مقررة منذ نحو شهر وتأجلت بسبب التطورات العسكرية الإقليمية.

وفي إسرائيل، تقدّم آيزنكوت في معركة التكليف بعد توصية «القائمة المشتركة» الرسمية به، وانضمامها إلى «راعم» وأحزاب المعارضة، لترتفع حصيلة التوصيات المرتقبة مع اكتمال المشاورات إلى 67 نائباً، مقابل 46 لنتنياهو، وامتناع نواب «يهدوت هتوراة» السبعة. وأكدت «المشتركة» أن قرارها يستجيب لمطلب منع عودة نتنياهو وحكومته، ويهدف إلى توسيع الفارق بين المرشحين وتضييق فرص استخدام حكومة وحدة لإبقائه في السلطة.

وتمنح هذه المعادلة آيزنكوت أفضلية واضحة للحصول على التكليف، وتنقل الاختبار إلى قدرته على تحويل الأكثرية الرافضة لنتنياهو إلى تفاهمات للحكم. وهنا يتقدم احتمال حكومة الأقلية، عبر دعمها من خارجها أو امتناع كتل عن معارضتها، بالتوازي مع استخدام مهلة التأليف لبناء التعاون داخل الكنيست. وقد سبق أن نُشرت معلومات عن بحث صيغة تقوم على امتناع «راعم» و«يهدوت هتوراة»، بما يتيح تفوق مؤيدي الحكومة على معارضيها. ويعزز توسيع التوصيات مساحة التفاوض حول هذه الصيغ، فيما يبقى رهان نتنياهو معقوداً على تناقضات المعسكر المقابل وفشله في الاتفاق.

ويصبح الكنيست ساحة الاختبار الأولى لجدية التغيير، من انتخاب رئاسته إلى تشكيل لجانه وترجمة التفاهمات السياسية إلى تصويت منظم. فكل نجاح في جمع المعارضة على خطوة مؤسسية يضيّق قدرة نتنياهو على استثمار الوقت، ويمنح آيزنكوت فرصة لإثبات أن التعاون ممكن قبل إنجاز الحكومة. ومن هنا تكتسب الأصوات العربية وزناً يتجاوز التوصية بالتكليف إلى التأثير في اتجاه المؤسسة التشريعية ومصير السلطة التنفيذية.

اقتصادياً، عادت أزمة الأسهم الأميركية إلى الواجهة، بعدما بدّدت موجة بيع حادة جانباً من انتعاش ما بعد الانتخابات. وخلال تداولات الخميس، عند الساعة السابعة وأربع وعشرين دقيقة مساءً بتوقيت بيروت، تراجع ناسداك المركب 4.55%، وستاندرد آند بورز 500 بنسبة 3.41%، وداو جونز 2.63%، بينما اقترب هبوط مؤشر أشباه الموصلات من عشرة في المئة. وتعرضت شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي لضغوط تداخلت فيها نتائج الأعمال والقلق من الإنفاق الضخم واحتمال تشديد الرقابة على توسع القطاع.

وتكشف العودة السريعة للبيع حدود ضيقة لنتائج الارتياح السياسي لتراجع خطر الحرب الذي تلقاه سعر النفط، أمام معضلة الكلفة والعائد. فمراكز البيانات تحتاج إلى تمويل وتجهيز وطاقة تُدفع أثمانها اليوم، بينما يبقى جزء من العائدات المنتظرة مؤجلاً. وتزيد الفائدة المرتفعة كلفة الاقتراض، فيما لم يتحول انخفاض النفط بعد إلى استقرار طويل الأمد في كلفة الطاقة. ووفق هذه القراءة، يحتاج التعافي إلى تحسن شروط التمويل والتدفقات النقدية، وإثبات قدرة الاستثمارات على تغطية كلفتها؛ وإلا اتسعت الضغوط إلى مورّدي المعدات والبناء والطاقة والجهات المموّلة.

وفي الإقليم، فتح توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي السعودية السورية خلال زيارة أحمد الشرع إلى الرياض باب التساؤل عن انتقال دمشق نحو المشاركة في حرب اليمن. فقد أعلن البيان السعودي توقيع الاتفاقية، وتناول أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وهرمز، بينما ضم الوفد السوري وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس الاستخبارات عبد القادر طحان. ولم تُنشر بنود الاتفاقية، التي جاءت بعد تقارير عن مناقشة مساعدة عسكرية سورية للسعودية. وتطرح هذه الخطوة معادلة محتملة لتبادل المصالح: دمشق تحتاج إلى التمويل السعودي، والرياض تبحث عن قوة قتالية برية تساعدها على تغيير الموازين في اليمن. وكانت تقارير سابقة قد عرضت خيارَي تقديم دعم دفاعي داخل السعودية أو مشاركة هجومية إلى جانب القوات اليمنية المدعومة منها، مع نفي مستشار الشرع الإعلامي آنذاك أن تكون الرياض طلبت إرسال قوات للقتال. لذلك تفتح الاتفاقية إطاراً للتعاون العسكري، ويظل نطاق استخدامه في اليمن السؤال السياسي الأهم.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *