ماذا لو تبنى مجلس التعاون المبادرة العمانية ازاء الحرب الاسرائيلية الامريكية على ايران؟
اسيا العتروس
اسيا العتروس
كيف يمكن قراءة رسالة وزير الخارجية العماني التي تضمنها مقاله في غمرة الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران ؟ يمكن القول وقبل التوقف عند أبرز ما تضمنه مقال بدر البوسعيدي الذي نشر في مجلة ذي ايكونوميست البريطانية the economist أنه قال بوضوح وعلى العلن ما يقوله الكثيرون في السرو في الكواليس ..
والارجح أن الامر لا يتعلق برأي خاص حول مجريات الحرب الراهنة في المنطقة وتداعياتها الخطيرة فقد كرر الوزير العماني افكاره خلال ندوة صحفية مع الصحفيين في العاصمة العمانية مسقط ..طبعا ليس من الواضح أن كان وزير الخارجية العماني يعكس رأي بعض دول مجلس التعاون الخليجي ولكن الواضح أن جرأته و صراحته و خروجه عن السائد و المألوف في التعاطي مع الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران يحتاج أكثر من وقفة لقراءة ما بعد هذه الرسالة العمانية المزدوجة للدول العربية والاسلامية و لكن أيضا للخارج ولامريكا واسرائيلي اللذان يشنان هذه الحرب و وصفه الحرب على ايران بأنها غير قانونية ..
في مقاله الذي صدر بعنوان “كيف يمكن انتشال القوى العظمى من ورطتها؟” حذر البوسعيدي من حرب ليس فيها رابح و طالب ادارة ترامب بمراجعة شاملة لمصالحها في المنطقة و شدد على أن المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا تكمن في إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن.
لم يتوانى المسؤول العماني الذي خبر معركة المفاوضات من الداخل قبل أن تقدم واشنطن وتل ابيب على تأجيج الحرب عن القاء اللوم على الطرفين و فضح اسرائيل في جر المنطقة الى حرب مدمرة ..و قال “هذه حقيقة غير مريحة يجب قولها، لأنها تتضمن الإشارة إلى المدى الذي فقدت فيه أمريكا السيطرة على سياستها الخارجية، لكن يجب قولها”.ولعل أهم ما تضمنه موقف الوزير العماني انه فضح الخديعة الامريكية وأشار الى التقدم الحاصل في المفاوضات مع ايران الى غاية وقوع الضربة الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فيفري الماضي.وزير الخارجية العمانية اكد ان قرار الحرب لم يكن مفاجئا و لكنه شكل صدمة لانه جاء على وقع مفاوضات كان الكل يعتبر أنها بصدد التقدم نحو حل سلمي ..و الحقيقة هذه ليست المرة الاولى التي تختار فيها واشنطن بضغط الحليف الاسرائيلي مهاجنة ايران رغم رسائل الطمأنه التي كانت تروج لها عبر المفاوضات و هو ما حدث في جويلية 2025 خلال حرب الاثني عشر يوما ..
في اشارته للرد الايراني و استهداف القواعد العسكرية الامريكية في دول المنطقة اشار البوسعيدي انها نتيجة حتمية وان كانت وإن كانت مؤسفة للغاية وغير مقبولة تماما”.وهو بذلك يشير بشكل غير مباشر الى موقف جامعة الدول العربية ولاحقا المؤتمر الاسلامي الذي أدان الضربات الايرانية على تلك القواعد دون أدنى اشارة للحرب غير القانونية الامريكية الاسرائيلية على ايران ويدفع بذلك للتساؤل حول ما اذا كان موقف السلطنة كان بتنسيق مسبق مع أحد دول مجلس التعاون الخليجي ..الواقع أن الديبلوماسية العمانية اتسمت في أحيان كثيرة بالواقعية و كانت جريئة في مواقفها وفي قراءتها للخيارات السياسية الامريكية الكارثية على حساب دول المنطقة و لصالح كيان الاحتلال الاسرائيلي..
واعتبر أن واشنطن أساءت التقدير بالانجرار إلى هذه الحرب قائلا “هذه ليست حرب أمريكا، ولا يوجد سيناريو محتمل تحصل فيه كل من إسرائيل وأمريكا على ما تريدانه منها”.و حذر البوسعيدي من رغبة اسرائيل العلنية في الإطاحة بالنظام الإيراني دون اكتراث بهوية البديل، كما حذر من “الحروب الأبدية” التي تعهد ترامب سابقا بإنهائها، وقال “هذا ليس ما تريده الحكومة الأمريكية، ولا شعبها الذي لا يرى بالتأكيد أن هذه حربه”.. لم يتوقف البوسعيدي عند استقراء المشهد ولكنه دعا واشنطن صراحة لمراجعة مصالحها والعودة للمفاوضات رغم الاغتيالات والقصف باعتبارها الطريق الوحيد لانتشال المنطقة من الكارثة.
النقطة المهمة التالية التي تعرض لها الديبلوماسي العماني و التي لا تقل أهمية عما سبق فتتعلق بتراجع ثقة الدول العربية في التعاون الأمني الأمريكي الذي وثقت بهو الذي بات يمثل الآن ثغرة أمنية حادة، تهدد أمنها الحالي وازدهارها المستقبلي…وأشار بدقة الى آثار الحرب العابرة لحدود الشرق الأوسط، حيث تعطلت حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز بشكل خطير، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتهديد بركود عميق.. الاكيد أن في المبادرة او الطرح الذي تقدم به زعيم الديبلوماسية العماني ما يستوجب وضع أكثر من سطر تحت هذه الكلمة التي ضاعت في غمرة الحرب و الصواريخ المتناثرة لانقاذ المنطقة والعالم من كارثة يراها كل العالم و تصر واشنطن وتل ابيب على المكابرة و رفض الاعتراف بها و تتمثل خاصة معاهدة اقليمية …لـ”عدم الاعتداء”، والعودة لطاولة المفاوضات كخيار وحيد لتأمين الطاقة والملاحة…
لم يجانب البوسعيدي الصواب باعتباره أن القوة العظمى تفقد السيطرة على سياستها الخارجية وأنه سيتعين على أصدقاء الولايات المتحدة المساعدة فى إخراجها من حرب غير مشروعة…و لو توفرت الارضية للمبادرة العمانية لتمون منطلقا لانهاء هذه الحرب غير الشرعية فقد يكون بالامكان تطويق التداعيات الخطيرة الامنية و العسكرية و الاقتصادية و التجارية لهذه الحرب التي يقودها مجرم حرب يستثمر في شعبوية ترامب ووقوع الرئيس الامريكي في قبضة ابتزازات ملفات ابستين لتحقيق أهدافه الاحتلالية التوسعية و تحويل الانظار عن مسلسل الابادة المستمر في غزة و الضفة و لبنان .. فخلال تسعة أشهر تشن ادارة ترامب حربان على ايران رغم المفاوضات التي كانت تجري بين الطرفين ..
لقد وضع البوسعيدي الاصبع على الكثير من مواطن الداء في المشهد الراهن و اشار الى أن دول الخليج باتت تدفع ثمن هذا التصعيد، حيث تحوّل الاعتماد على الشراكة الأمنية مع واشنطن إلى مصدر قلق…
خلاصة القول هذه ليست حرب أمريكا، وأن الانخراط فيها يمثل خطأ استراتيجيًا والحل يكمن فى وقف التصعيد والعودة إلى المفاوضات، ضمن إطار إقليمى أوسع يعزز الشفافية النووية والتعاون فى مستقبل الطاقة، مع دور محورى لدول الخليج…فهل يمكن أن تنخرط بقية دول مجلس التعاون الخليجي في هذا التوجه الذي اتخذته الديبلوماسية العمانية التي يمكن اعتبارها الاكثر اطلاعا على مسار المفاوضات بين ايران وواشنطن ؟لعل الساعات القادمة تجيب على هذا السؤال وتعيد تحديد بوصلة الديبلوماسية التائهة واستعادة ما بقي من القانون الدولي والانتباه للمخاطر والمخططات الاسرائيلية لتحويل وجهة الحرب الى عدوان ايران على جيرانها و افلات الكيان مجددا من كل أنواع العبث بمصالح شعوب و دول المنطقة المستمر منذ عقود …فهل من ينتبه و يستمح لصوت الديبلوماسية العمانية العقلانية .؟
كاتبة و صحفية تونسية
