من الخبز المغمس بالدم الى ملابس العيد الملطخة بالدم.. لا أعياد لاطفال فلسطين
اسيا العتروس
اسيا العتروس
اذا كان هناك من نتيجة واضحة حتى للعدوان الصهيوني الامريكي على ايران فهوأنه منح مجرم الحرب ناتنياهو المجال لاتحويل الانظار عن جرائم الابادة المنسية في الضفة حيث يرتع قطعان المستوطنين و يحاصر الاقصى و يحرم المقدسيون من الصلاة و الاعتكاف في زواياه بل من الاقتراب من ساحاته في شهر رمضان الذي يوشك على نهايته , و في غزة التي لا تعرف من الهدنة غير كذب المسؤولين السياسيين ووقاحة صناع الموت الذين يفاخرون باستهداف وقتل الاطفال .. من الخبز المغمس بالدم في غزة الى ملابس العيد الملطخة بالدم في الضفة لا شيئ يوقف الكيان الاسرائيلي أو يردعه ..و المؤسف أيضا أنه لا شيئ أيضا يحرك السلطة الفلسطينية للتعجيل بالبحث عن موطن الوحدة الفلسطينية الموؤودة في مواجهة كيان أرعن يعرف موقع الضعف و الوهن و يجيد الاستثمار في خلافات و صراعات الاخوة الاعداء و يجعل منها مدخلا لاقتراف المزيد و الاستثمار في كل فراغ أينما ترصده ..و الامر ذاته ينسحب على ما بقي من العالم العربي و الاسلامي المصاب بالشلل العضوي في كل هياكله بعد أن تمكن منه داء الزهايمر السياسي الذي أفقده القدرة على التمييز بين الحليف و العدو …
جريمة بلدة طمون جنوب طوباس بالضفة الغربية ليست اول المجازر و لا اخرها و هي استنساخ يكاد يتطابق مع جريمة اغتيال الطفلة هند رجب و عائلتها في غزة بما يعني أن الاحتلال لا يفاضل بين القطاع و بين الضفة في ارتكاب المجازر الدموية و أنه لا يتردد في تنظيم الاعدامات الميدانية متسلحا ببطش مستوطنيه و غطرسة قواته المسلحة التي تفتقر لاخلاق الجيوش في حالت الحرب و السلم ..و كما في اغلب جرائم الابادة الاسرائيلية يخرج من كتب له النجاة من الاطفال ليشهدوا على ما يجري و يتنقلوا للعالم كيف يقتل الاباء و الامهات بدم بارد تحت أنظار أبنائهم و كيف يواجه و يعيش هذا الجيل من أطفال فلسطين من الضفة الى غزة تلك المواقف و اللحظات الصعبة التي قد تعجز الجبال عن تحملها و هم يضطرون تحت رصاص الاحتلال الى متابعة و مشاهدة ما تتعرض له عائلاتهم من اعدامات ميدانية وتصفية مدروسة و كأنهم بصدد متابعة شريط سينمائي مع فارق مهم و خطير أنه ليس بامكانهم ايقاف الجرم الذي سيحملونه في ذاكرتهم و يكبرون على وقعه و يوثقونه في سجلات التاريخ ..
جريمة بلدة طمون جنوب طوباس، التي سيتعين التوقف عندها والتي أسفرت عن استشهاد طفلين ووالديهما تمثل في مختلف شرائع القانون الدولي و الانساني, ان كان لا يزال لها معنى أو تأثير أو دور, جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث يثبت تعمد إطلاق النار على الرؤوس والصدور بنية القتل العمد وتصفية عائلة بأكملها خارج نطاق القانون، وهو انتهاك صارخ للمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين في الأراضي المحتلة…
نعم نعلم جيدا أن استهداف و ابادة عائلات بأكملها في غزة و الضفة ليس بالامر الجديد في سجلات كيان يستمد وجوده من دماء ضحاياه وليس محمد الدرة و احمد الدوابشة الذي احرق حيا سوى أمثلة ترفض أن تسقط من الذاكرة و نعلم أيضا أن الاف العائلات الغزاوية أبيدت خلال حرب الابادة من السجلات المدنية و طمرت تحت الانقاض لتتحول الى مجرم رقم يشهد على من كانوا ..
واقع الحال و برغم انصراف الانظار و الاهتمام الى الحروب المتواترة من ايران الى لبنان وغزة فان ما يجري في الضفة الغربية و ما يعيش على وقعه الاقصى ليس مجرد أحداث معزولة ، بل سياسة إسرائيلية مخطط لها بدقة تستثمر في الازمات و الصراعات الخطيرة التي تجري في الشرق الاوسط لتنفرد بتطبيق مخططاتها في كل جزء من فلسطين المحتلة لمواصلة عمليات القتل و الترويع وللترهيب و محاولات الهدم و التدمير و التهويد و التهجير و اطلاق العنان لقطعان المستوطنين لاستعادة ما قان به ياجوج و ماجوج لفرض وقائع بالقوة على الأرض…جريمة طوباس التي لم تجد طريقها للمنابر الاعلامية بما يكفي لفضح توحش كيان الاحتلال أقدمت خلالها قوات الاحتلال على قتل زوجين و اثنين من أطفالهما و هم عائدون من نابلس بعد اقتناء ملابس العيد .. قتل طفلان على الفور محمد 5 عودة 5 أعوام، وعثمان 7 أعوام، فيما أصيب الآخران مصطفى 8 أعوام وخالد 11 عاماً بشظايا الرصاص في الرأس والوجه… خمسون رصاصة أو أكثر استقرت في جسد افراد العائلة التي كانت سعيدة باقتناء ملابس العيد …و تماما كما حدث للطفلة هند رجب و عائلتها منع الاسعاف من الوصول الى الطفلين لساعات و قد تمكنا من الاختباء تحت المقاعد بينما كانا يشاهدان والدَيهما وشقيقَيه يلفظون أنفاسهم الأخيرة برصاص الاحتلال…هل توقف المجرمون عند هذا الحد.. طبعا لا ..لقد أقدموا على اخراج الطفلين الناجيين من العربة و انهالوا عليهم ضربا و هم يصرخون لقد قتلنا كلابا ..
شهادة الطفل خالد على هذه الجريمة ستظل صرخة مدوية ضد كيان الاحتلال و ما يقترفه من توحش و لكن أيضا ضد صمت العالم و ضد صمت المجتمع الدولي العاجز عن كبح جماح اسرائيل و رئيس حكومتها ناتنياهو مجرم الحرب الذي يقود الرئيس الامريكي الى حرب دينية ضد ايران و حرب استنزاف ضد لبنان و حرب لا تتوقف في فلسطين من الضفة الى غزة ..يقول الطفل خالد في شهادته “كنا مروحين من نابلس، وفجأة بدأ إطلاق نار مباشر علينا، فخبأت رأسي أسفل المقعد، ولم نعرف من أين مصدر إطلاق النار، وكل من كان في السيارة استشهد، ما عداي أنا وأخوي مصطفى”.ويضيف خالد: “أخرجني جندي من السيارة وبدأ يضربني، ثم أخرجوا أخي مصطفى، وحاولوا ضربه، وعندما وقفت أمامه، وقعوني على الأرض وضربوني بالبسطار على ظهري، وقال أحد الجنود بعد إطلاق النار: “قتلنا كلاب”، مشيراً إلى أن والده كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما صرخت والدته، وقد أصيبا بالرصاص في الوجه والرأس والصدر…
مجزرة طوباس عنوان جديد في جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني بما يؤكد أن الضفة ليست بمعزل عما يجري في غزة و أن هدف الاحتلال مزيد من التوسع الاستيطاني الاحلالي الذي يبدأ بفلسطين و لا أحد يعلم أين ينتهي و هو احتلال يرفض أن يكون له حدود جغرافية معلومة فكل دول المنطقة من النيل الى الفرات ضمن حساباته و ما يجري في لبنان وسوريا دليل اضافي على أن أطماع الصهاينة لا حد لها و هي اطماع تحلم باعلان الامبراطورية الاسرائيلية الكبرى المهيمنة على الشرق الاوسط و على العالم والتي ستخلف الامبراطورية الامريكية الخاضعة لاهواء ونزوات مجرم حرب لن يتردد في حرق الاخضر و اليابس لانقاذ نفسه من المحاكمة والمحاسبة على كل الجرائم التي ستلاحقه ..غزة المنسية تنزف و الضفة مكلومة و الاقصى ممنوع على المصلين والقدس ثكنة عسكرية ..وحدها يد الاحتلال الطولى تعبث بالمكان و تدفع المنطقة و معها كل العالم الى حرب عالمية ثالثة تجرف الجميع الى هاوية لا مستقر لها …فمن يوقف غطرسة ناتنياهو و يلجم قطعان المستوطنين و جيشه الارهابي ..و من يقدم على اطفاء الحريق قبل أن يتمدد أكثر …حتى الان لا يبدو أن ترامب صانع الحروب الذي يغالط العالم و يقدم نفسه على أنه صانع للسلام يرى الخراب و الدمار القادم ..و هو يبدو حتى هذه المرحلة و مع انقضاء أكثر من سنتين على مسلسل الابادة في غزة و أكثر من أسبوعين على الحرب في ايران أنه يرى العالم من خلال عيون ناتنياهو و خليته الارهابية …
كاتبة و صحفية تونسية
Print This Post
