تداعيات “معركة بن غوريون”: انقسام اليمين الأميركي يهزّ ثوابت التحالف مع إسرائيل

 تداعيات “معركة بن غوريون”: انقسام اليمين الأميركي يهزّ ثوابت التحالف مع إسرائيل

واشنطن – سعيد عريقات

تحليل إخباري

في مشهد يعكس تحولات عميقة داخل اليمين الأميركي، فجّرت المناظرة المطوّلة بين المعلّق المحافظ تاكر كارلسون وسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي،  التي صُوّرت في مطار بن غوريون ، نقاشاً حاداً حول موقع إسرائيل في أولويات السياسة الأميركية. يشار إلى أن المقابلة، التي امتدت لأكثر من ساعتين، بدت كأنها محاكمة سياسية علنية لتحالف طالما اعتُبر بديهياً داخل الحزب الجمهوري، لكنها هذه المرة جرت أمام جمهور محافظ منقسم على ذاته.

اللقاء، الذي يمكن تسميته بـ”معركة بن غوريون”، كشف انقساماً بين جناحين: تيار قومي شعبوي صاعد داخل حركة “ماغا” (التي أوصلت دونالد ترمب إلى البيت الأبيض) يشكك في كلفة الانخراط الخارجي، وتيار مسيحي تبشيري محافظ يرى في دعم إسرائيل التزاماً استراتيجياً وعقائدياً. كارلسون لمح مراراً إلى أن هاكابي بدا أكثر انشغالاً بالدفاع عن سياسات الحكومة الإسرائيلية من تمثيل أولويات ناخبيه الأميركيين، فيما ردّ السفير بأن التحالف مع إسرائيل ليس مسألة عاطفية بل ركيزة من ركائز الأمن القومي الأميركي.

ولعل اللحظة الأكثر إثارة للجدل جاءت عندما سأل كارلسون عما إذا كان يحق لإسرائيل، وفق تفسير ديني حرفي، المطالبة بأراضٍ تمتد من النيل إلى الفرات. أجاب هاكابي: “لا بأس إن استولوا عليه كله”، قبل أن يتراجع جزئياً ويصف السؤال بغير ذي الصلة. ورغم التراجع، أثار التصريح عاصفة انتقادات، إذ أعاد إلى الواجهة خطاب “الحق الإلهي” الذي يتعارض مع القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير، ويضع واشنطن في موقع حرج بوصفها وسيطاً يفترض أنه ملتزم بحل سياسي.

تأتي المناظرة في ظل حرب غزة المستمرة، حيث ما تزال العمليات العسكرية تحصد أرواح الفلسطينيين رغم هدنة هشة، ومع تسارع خطوات إسرائيلية لتعزيز السيطرة في الضفة الغربية. وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو تحدثوا صراحة عن “القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية”، ما يعمّق القطيعة مع الإجماع الدولي حول حل الدولتين. وفي هذا السياق، دعت المملكة العربية السعودية واشنطن إلى توضيح موقفها بشكل صريح من تصريحات هاكابي، معتبرة أن مثل هذه الطروحات تمسّ أسس الاستقرار الإقليمي وتقوّض أي مسار سياسي جاد.

بالتوازي، يلوّح دونالد ترمب بإمكانية توجيه ضربات لإيران، وهو احتمال يعارضه كارلسون بشدة، مستشهداً باستطلاعات رأي تشير إلى أن نسبة محدودة من الأميركيين تؤيد الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. هاكابي رفض الاحتكام إلى الاستطلاعات في قضايا الأمن القومي، معتبراً أن القيادة لا تُدار بمنطق الشعبية، من دون أن يقدّم معطيات ملموسة حول تهديد مباشر لإيران ضد الولايات المتحدة.

المواجهة لم تقتصر على القضايا الإستراتيجية. كارلسون انتقد لقاء هاكابي مع جوناثان بولارد المدان بالتجسس لصالح إسرائيل، وتساءل عن استمرار تدفق الأموال الأميركية إلى دولة تتمتع بمستوى معيشي مرتفع نسبياً مقارنة ببعض المناطق الأميركية. كما أشار إلى صلات سابقة بين إيهود باراك وجيفري إبستين، مع الإقرار بعدم توجيه اتهامات لباراك. هذه النقاط عكست محاولة لربط الدعم لإسرائيل بقضايا حساسة تمسّ الرأي العام المحافظ.

كما أن الجدل سبق بث المقابلة؛ إذ قال كارلسون إن فريقه تعرّض لاحتجاز أمني “غريب” في مطار بن غوريون، بينما ردّ هاكابي بأن ما جرى إجراء روتيني في مطار معروف بإجراءاته الصارمة. ورغم حدة السجال، حافظ الطرفان على قدر من الاحترام، ما عكس إدراكاً بأن الخلاف يتجاوز الأشخاص إلى صراع أعمق حول هوية اليمين الأميركي ودوره في العالم.

تاريخياً، عزّز اليمين الإسرائيلي علاقاته مع الحزب الجمهوري والحركات الإنجيلية، انطلاقاً من قناعة بأن القاعدة المسيحية المحافظة تمثل حليفاً أكثر ثباتاً من شرائح يهودية أميركية ليبرالية. غير أن هذا الرهان يواجه اليوم اختباراً جيلياً واضحاً؛ فالمحافظون الشباب أقل اندفاعاً خلف سرديات دينية تبرّر سياسات توسعية، وأكثر ميلاً إلى خطاب انعزالي يركّز على الأولويات الداخلية.

وتكشف المقابلة أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي لم يعد خارج الجدل داخل اليمين، بل أصبح جزءاً من معركة تعريف المصالح الوطنية. حين يُطرح منطق “الحق الإلهي” لتبرير سياسات توسعية، يتحول النقاش من حسابات استراتيجية إلى يقين عقائدي يصعب مساءلته. هذا التحول يضعف قدرة واشنطن على ادعاء الحياد، ويمنح خصومها مادة للتشكيك في مصداقيتها. كما أنه يعمّق الانقسام الداخلي، إذ يجد سياسيون جمهوريون أنفسهم بين قاعدة شعبوية متشككة ونخبة تقليدية ترى في إسرائيل امتداداً عضوياً للهوية الغربية المشتركة.

وفي الميدان، تتراكم معطيات تزيد المشهد تعقيداً، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن معظم اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية تجري تحت حماية أو تغاضٍ من جيش الاحتلال. هذه الوقائع تفرغ أي حديث عن أفق سياسي من مضمونه، وتمنح خطاب الضم الزاحف غطاءً عملياً. تجاهل هذه الدينامية في النقاش الأميركي الداخلي يحوّل الجدل إلى سجال أيديولوجي منفصل عن الواقع. وإذا استمر الانقسام داخل اليمين، فقد يصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل عبئاً سياسياً متصاعدا في واشنطن.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *