نقاط على حروف التفاوض
ناصر قنديل
ناصر قنديل
لماذا يتهرّب المسؤولون اللبنانيون وكل مَن يؤيّد التفاوض ويرفض المقاومة من الجواب على السؤال:
تقولون إن صداقة أميركا ودعم أوروبي عربي إسلامي + نزع سلاح المقاومة + تفاوض مباشر + العداء لإيران = انسحاب “إسرائيل” ووقف اعتداءاتها.
نقول لكم: أميركا والعرب وأوروبا والعالم الإسلامي في صداقة أهم وأقوى مع الحكم السوري الجديد أكثر من أي حكم في لبنان + سورية نزعت المقاومة وليس سلاحها فقط وقطعت خط إمدادها وتلاحقها كل يوم بتهمة وليس هناك مقاومة سورية مسلحة، وتلاحق كل فصائل المقاومة الفلسطينية بعدما نزعت سلاحها، وتلتزم بالحفاظ على أمن “إسرائيل” من حدودها + سورية تفاوض منذ سنة مباشرة وعلى أعلى مستوى وزاري وعسكري وأمني + سورية تعلن أن إيران عدو مشترك لها مع “إسرائيل” وأميركا وتفتح أجواءها للحرب على إيران + الحكم الجديد في سورية لا يطلب فتح ملف الأراضي المحتلة في الجولان الذي وافقت أميركا على ضمّه لـ”إسرائيل” ولا يطلب تراجع أميركا عن قرار الضمّ كشرط للتفاوض، وهو يفاوض دون هذا التراجع ومطلبه فقط وقف الاعتداءات والتوغل في الجغرافيا السورية والانسحاب من جبل الشيخ الذي تمّ احتلاله بعد سقوط النظام السابق.
السؤال:
لماذا لا تنسحب “إسرائيل” من سورية ولا توقف اعتداءاتها – ولماذا لا تطلب أميركا من الرئيس الجديد في سورية مصافحة نتنياهو ولقائه قبل الانسحاب ووقف الاعتداءات.
لماذا لا تتحدّث واشنطن عن اتفاقية سلام بين “إسرائيل” وسورية؟
الجواب:
هناك جواب واحد: “إسرائيل” لا تنسحب من أرض تحتلها إلا بالقوة.
أميركا لا تضغط على نظام تحتاجه بما يحرجه ولا تقيم حساباً لنظام تحتاجه لمرة واحدة لصورة وتوقيع؟
إن كان لدى جماعة المفاوضات الآن ونزع السلاح فوراً جواب آخر فليخبرونا؟
سؤال ثانٍ: لماذا يُصرّ المسؤولون اللبنانيون ومَن معهم على خيارهم رغم سهولة استنتاج أنه عقيم بمجرد النظر إلى سورية وحالها وهم ينظرون إليها كل يوم ويعرفون؟
جواب: لأنهم يرفضون تصديق ما يدعوهم إليه العقل لأن عواطفهم تغلب عقولهم، فهم يحبون أميركا حتى لو لم تبادلهم الحب ويكرهون إيران حتى لو أحبّتهم، ويكرهون المقاومة وأهلها حتى لو أحبّته وأحبّت لهم وأحبّت للبنان الخير، وقلوبهم لا تكره “إسرائيل” طالما أن “إسرائيل” تكره المقاومة وتكنّ لها العداء وتقوم بملاحقتها.
– إذا كان لديكم جواب آخر أخبرونا؟
لماذا ترتجف أيديكم عند السؤال حول فرصة الاستفادة من الضغط الإيراني لفرض إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان:
المقترحات الأميركية والمقترحات الإيرانية تقترب من الاتفاق عبر المقارنة بين ما هو معلن من الطرفين في ثلاثة عناوين، (الملف النووي – فتح مضيق هرمز وفك الحصار عن موانئ إيران – رفع العقوبات وإعادة الأصول المجمّدة)، والاقتراب يعني فرصة التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، والمقترحات لا تتعارض في بندين يغيبان عن مقترحات الطرفين هما البرنامج الصاروخي وعلاقة إيران بقوى المقاومة. حيث لا وجود في المقترحات الأميركية لأي إشارة إليهما وإيران تعتبرهما خطاً أحمر، وهذا يزيد من فرص الاتفاق.
تبقى العقدة، كما يبدو في إصرار إيران على عدم توقيع اتفاق لا ينصّ بند إنهاء الحرب فيه، على إنهاء الحرب على لبنان، وبالمقابل تفادي أميركا لهذا الالتزام، ووقف الحرب الذي تطلبه إيران وفق اتفاق 2024 حيث لا تفاوض إيراني عن لبنان، كما قال النص اللبناني الاعتراضي والذي برر الذهاب للتفاوض بلا أي ورقة قوة، الضغط الإيراني يعني توظيف رغبة أميركا بإنهاء الحرب مع إيران للضغط على أميركا كي تضغط على “إسرائيل” لإنهاء حربها ضد لبنان.
الاستراتيجية الدبلوماسيّة للدولة اللبنانية تقول إنها تسعى إلى ضغط أميركي على “إسرائيل” كي تلتزم “إسرائيل” بتنفيذ موجباتها في اتفاق 2024، وإنّها تراهن على مساعدة عربية أوروبية وإسلامية في الضغط على أميركا كي تضغط على “إسرائيل”، وخلال كل العام 2025 باءت هذه الدبلوماسية بالفشل، وبقيت “إسرائيل” تحظى بالدعم والرعاية من واشنطن لبقاء الاحتلال ومواصلة الاعتداءات، وصولاً إلى نظريات توماس برّاك عن سقوط اتفاقيات سايكس بيكو سواء حدود لبنان الجنوبية وإباحتها أمام “إسرائيل”، ومع سورية للتهديد بإباحتها لضم لبنان إلى سورية عقاباً على عدم تنفيذ الرغبات الإسرائيلية، لكن السلطة اللبنانية تضرب بعرض الحائط فرصة الطريق الواقعي للضغط على أميركا عبر حاجتها لإنهاء الحرب على إيران، وإشتراط إيران لقبول ذلك إعادة أميركا لـ”إسرائيل” إلى موجبات اتفاق 2024.
مرّة تصف السلطة في لبنان موقف إيران أنه تفاوض عن لبنان، وهذا غير صحيح، لأن ليس هناك من تفاوض مع “إسرائيل”، بل اشتراط على أميركا بالضغط على “إسرائيل” للعودة إلى موجبات اتفاق 2024، ومرة تقول السلطة إنها لا تمانع بهذا الدور شرط أن يتم عبر القنوات الرسمية ويتضمن إنهاء ملف السلاح، وهذا يعني بمعزل عن شرط القنوات الرسمية السهل التطبيق برسالة يمكن أن تصل غداً إلى وزارة الخارجية اللبنانية، أن السلطة اللبنانية تشترط لتحقيق هدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب قوات الاحتلال أن تضمن نزع سلاح المقاومة، إلى درجة نتخيّل أن الاشتراط إسرائيلي وليس لبنانياً، بينما تستطيع السلطة بلا اشتراطات أن تستثمر على هذا الدور الإيراني وتقرّر لاحقاً ماذا تريد أن تفعل في القنوات الرسمية مع إيران وماذا تفعل مع السلاح؟
تحضر الغارة الإسرائيلية على الضاحية ترجمة لفهم إسرائيلي أكثر ذكاء للمشهد من الرؤية الرسمية اللبنانية، وهي معرّضة للاستهداف في مفاوضات أميركا وإيران، بعكس لبنان المستفيد، تدرك أهمية هذا المسار وتوجّه رسالة على خط التفاوض للقول إنها لن نقبل بشمول أي اتفاق أميركي إيراني لوقف الحرب بين أميركا وإيران، وقفاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان، بما يلاقي إلى حد كبير جوهر الموقف الرسمي اللبناني واشتراطاته على إيران مثل اشتراط الحصول على عمولة لقبول الهدية أو الهبة.
تريد “إسرائيل” من أميركا أن تفعل ما تفعله إيران معكوساً، حيث تقول إيران إنها إذا خيّرت بين اتفاق جيد لإيران لا يشمل لبنان وبين لا اتفاق، تختار قول لا اتفاق، و”إسرائيل” تريد من أميركا أن تقول إنه إذا كان الخيار بين اتفاق جيد لأميركا ويشمل لبنان أو لا اتفاق أن تقول لا اتفاق – هنا القضية التي تختزن مفهوم إيران لا تبيع حليفها المقاوم وأميركا التي باعت كل حلفائها كرمى لعيون تحالفها مع “إسرائيل”، وواشنطن الآن أمام سؤال نوعي، هل تبيع هذا التحالف لحساب مصالحها وتجبر هذا الحليف على الخضوع أم أنها لا زالت تضع مصالحه في مرتبة أولى؟ وهل يستنفر لبنان صداقاته العربية والأوروبية للضغط لشمول إنهاء الحرب على لبنان في أي اتفاق لوقف الحرب بين أميركا وإيران؟ مرحباً بالمسعى الإيراني طالباً مساندته عربياً وإسلامياً وأوروبياً، ويبقى التفاوض مباشراً أم غير مباشر، ومصير السلاح والعلاقة اللبنانيّة الإيرانيّة شؤون لبنانيّة تخصّ اللبنانيين وحدهم؟
