نحو التكامل الامني الاقليمي والاسيوي

 نحو التكامل الامني الاقليمي والاسيوي

د. زياد حافظ

تقدير موقف

زياد حافظ*

*باحث اقتصادي سياسي والامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي ورئيس منتدى سيف القدس وعضو لجنة المتابعة للمؤتمر العربي العام.

من تبريكات “طوفان الاقصى” وما نتج عنها من مواجهة عسكرية شاملة بين جبهة المقاومة والتحالف الصهيواميركي تكريس التغيير في النظام الدولى بشكل عام واحدى أهم نقاط الارتكاز لذلك النظام أي منظومة الامن في غرب وجنوب أسيا.  واهمية تلك المنظومة تكمن في موقعها الجغرافي الذي يحتضن أهم ممرّات التجارة الخارجية العالمية وخاصة تجارة النفط والغاز والمشتقات الاساسية كاليوريا وغاز الهليوم الهام جدا في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى كل ذلك فإن تلك المنظومة تتلازم مع صعود الكتلة الاوراسية أولا، ومع صعود الدول صاحبة الحضارات العريقة ثانيا، ومع تحوّل في مفهوم دولة الامة إلى دولة الامة الحضارية ثالثا.  وبالتالي، فإن الترتيبات التي نجمت عن الحربين العالميتين في القرن العشرين أصبحت خاضعة لمراجعات جذرية في طبيعة المؤسسات الدولية التي نشأت من خلالها وتغييرات في التحالفات السياسية تمهيدا لتغييرات في الجغرافية السياسية التي نتجت عن تلك التحولآت بعد سقوط السلطنة العثمانية.  لذلك لا يمكن قراءة تلك التغييرات المحدثة التي نشهدها يوميا خارج ذلك السياق التاريخي الذي يعكس عقم وانسداد الفكر السياسي والاقتصادي الذي حكم العلاقات الدولية وبلورة نماذج اقتصادية سياسية مختلفة عن الموروث الانجلوساكسوني الذي حكم العالم.

فالفكر الانجلوسكسوني كان قاعدة للهيمنة على العالم عبر مفهوم التجارة الخارجية كاداة اساسية للنمو والثروة وأن الاكتفاء الذاتي للدول منبوذ.  لذلك كان لا بد من “فتح” الاسواق الخارجية التي تطلّبت حماياة عسكرية لأخضاع الممرّات البحرية التي سيطرت عليها لمدة قرون.  والسيطرة البحرية كانت للتعويض عن العجز عن السيطرة على “الجزيرة الكبرى” التي هي آسيا عبر محاصرتها بحرا.  هذه هو جوهر فكرهلفورد مكندر الذي حكم السياسات الخارجية منذ بداية القرن العشرين حتى ظهور الكتلة الاوراسية بقيادة روسيا والصين. وهذا الصعود حاولت تواجهه الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك اوباما عبر نظرية “التحوّل إلى شرق آسيا” لمحاصرة الصين، وفيما بعد الاستفراد بروسيا لنهب ثرواتها بعد تعثّر المشروع الاطلسي في السيطرة على روسيا مع مجئ فلاديمير بوتين إلى السلطة.  ومحاولات الغرب والاطلسي لمنع التقارب بين روسيا والصين شكّلت يقين السياسات الخارجية للاطلسي بشكل عام والولايات بشكل خاص.  أما منطقة غرب آسيا فكانت تٌعتبر في خانة التحالف الغربي وأنها منطقة “مستقرّة” كما افصح عن ذلك جاك سوليفان مستشار الامن القومي الاميركي في مقال شهير في مجلّة “فورين افيرز” في ايلول 2023، اي قبل اسبوعين من “طوفان الاقصى”.  وهذا التقدير الخاطئ الفادح دلالة عن عقم الفكر السياسي في الغرب وسيطرة الغطرسة في ذهن المخطّطين والسياسيين. في ذلك الوقت كان الحلف الاطلسي يعتقد أنه يستنزف روسيا في اوكرانيا لاسقاطها فيما بعد.  وبالمناسبة، كان الرئيس الروسي قد اطلق عدّة مواقف منذ مؤتمر الامن الدولي في ميونيخ في 2007 أن الامن في القارة الاوروبية لا يتجزّاء وأن زحف الاطلسي شرقا يهدّد ذلك الامن لأنه سيكون على حساب روسيا.  فأطلق مبدأ أن الامن لا يتجزّاء إلاّ أنه قوبل بعدم الاكتراث للموقف الروسي واعتبار روسيا “محطة كاز تزعم أنها دولة” كما كان يصرّح دائما الشيخ الاميركي الراحل جون مكين، وبالتالي يمكن السيطرة عليها بسهولة.  فكانت محاولة تشجيع انفصال الشيشان وثم الانقلاب في جورجيا تمهيدا للانقلاب في اوكرانيا في 2014.  طبعا، حسابات الحقل لم تكن كحسابات البيدر ونشهد الأن تدمير الالة العسكرية الاوكرانية ومفاصل الاقتصاد والدولة وعجز الاطلسي بأكمله عن منع ذلك المسار.

العدوان الاطلسي على روسيا كان يهدف أيضا فصل روسيا عن الصين عبر أغراءات وهمية وغير جادة لم تستجب لها القيادة الروسية فكانت حرب الاستنزاف لروسيا والتي تتحوّل بعد اربع سنوات إلى حرب شاملة تريدها اوروبا بغض النظر عن مشاركة الولايات المتحدة وإن كان ذلك مستحيلا. والعدوان على روسيا يستوجب أيضا أيقاف النمو والصعود الصيني عبر وضع العراقيل لمنع تحقيق مبادرة الطريق الواحد التي أطلقتها الصين وظهور منظومة البريكس ومنظومة شنغهاي.  حجر الزاوية لاكتمال ذلك المشروع هو الجمهورية الاسلامية في ايران التي تؤمّن صلة الوصل بين شرق آسيا وشرق بحر المتوسط والممرالشمالي الجنوبي بين روسيا والمحيط الهندي.

هذه الخلفية الجيوسياسية وفشل النموذج الاميركي في تثبيت سيطرته وتفوّقه العسكري في غرب آسيا هي وراء المنظومة الامنية الجديدة.  منطلقاتها واضحة وتختزل بأن الامن لا يتجزّأ وبالتالي لا يمكن اقامة منظومة أمنية تقودها دولة ولمصلحتها فحسب وعلى حساب مصالح دول الاقليم.  هذا يعني أن الامن الاقليمي في غرب آسيا لا يمكن أن يأتي من الخارج كما أنه لا يمكن أن يعتمد على دولة إقليمية تضع مصلحتها فوق أي أعتبار وبالضرورة على حساب مصالح الدول الاخرى.  هذا يعني أن لا دور للولايات المتحدة في قيادة تلك المنظومة الامنية ما يستوجب أقفال قواعدها العسكرية في المنطقة وخروجها منها.  كما يعني أن “الوكالة” للكيان الصهيوني من قبل الولايات المتحدة للتحكّم بالمنظومة الاقليمية لم تعد مقبولة.  وبما أن الكيان الصهيوني يسعى بشكل دائم إلى زعزعة الاستقرار في الإقليم عبرأشعال الفتن فإن وجوده في المنظومة الامنية الاقليمية لم يعد ممكنا.

بناء على ذلك نرى تبلور هيكلية تلك المنظومة الامنية الاقليمية العربية التي تشير بوضوح أنه لأول مرّة في التاريخ المعاصر تتكامل الاعتبارات الامنية الاقليمية مع اعتبارات الامن القومي العربي.  ومن الواضح أن لكل من الجمهورية الاسلامية في إيران وشعوب الدول العربية مشترك واحد وهو العداء للكيان الصهيوني ورفض الهيمنة الاميركية.  الدول العربية بعد رحيل القائد خالد الذكر جمال عبد الناصر اعتبرت أن الهيمنة الاميركية قدر عليها وبالتالي تجاهلت المواقف الشعبية العربية تجاه الكيان بل اقامت العداء لشعوبها وللقوى السياسية المقاومة وذلك بسبب التزامها بقضية فلسطين.  لكن في الحقيقة، كانت الدول العربية كمصر وبلاد الحرمين قد بدأت بمراجعة خياراتها في النصف الثاني من ولاية ترمب الاولى واستمرّت بل تزايدت في ولاية بايدن وانتهت إلى ضرورة أقامة منظومة جديدة في الإقليم.  الدول المعنية في الهيكلية الجديدة هي كل من مصر وبلاد الحرمين وباكستان وتركيا والجمهورية الاسلامية في إيران.  ونلاحظ أن علاقات ثنائية بين هذه الدول سبقت المحادثات الجماعية التي بدأت في اسلاماباد وما زالت قائمة بينما تحاول الادارة الاميركية الاحتيال على النتائج العسكرية لعدوانها الفاشل مع الكيان على الجمهورية الاسلامية في إيران.  وهذه العلاقات الثنائية أخذت في معظمها طابع التحالف الاستراتيجي كالذي يربط باكستان بالجمهورية الاسلامية في إيران والذي يربط بلاد الحرمين بباكستان الذي وضع بلاد الحرمين تحت مظلّته النووية.

المنظومة الامنية لا تقتصر على اعتبارات الامن والقضايا العسكرية بل تشمل كل ما يمكن أن يهدّد تماسك المجتمعات المعنية سواء على الصعيد السياسي أو الامني أو الاقتصادي أو الثقافي أو البيئوي.  الابعاد المتعدّدة للأمن أصبحت متن العلاقات بين الدول وهذا هو المقصود ب “العلاقات الثنائية”.  فالتبادل التجاري على سبيل المثال هو أحد أبعاد الامن والاستقرار وبالتالي الاجراءات التي تستهدف تقويض التبادل هي نوع من الاعتداء على الامن للأطراف المعنية.  طبعا هناك تركيز على تحديد وتعريف من هو “العدو”.  حتى تاريخ قريب جدّا كان الوضع الجيوسياسي والتحالفات السائدة في المنطقة تعتبر أن هناك خلافا عميقا حول تحديد هوية “العدو”.  فمن جهة هناك شعوب المنطقة والعديد من القوى السياسية في الإقليم تعتبر وما زالت أن “العدو” هو الكيان الصهيوني بينما معظم حكومات الإقليم كانت تعتبر أن الجمهورية الاسلامية في إيران وجبهة المقاومة للكيان والهيمنة الاميركية هي “العدو”.  المراجعات في الخيارات والسياسات لدى عدد من الدول العربية تشير أنها على أبواب مراجعة تحديد هوية “العدو” والتراجع عن اعتبار الجمهورية الاسلامية في إيران هي “العدو”.

تداعيات هذه المراجعة كبيرة ومفصلية.  فهي، إن تحقّقت، تشكّل وجها آخرا للهزيمة الاستراتيجية التي مُني بها التحالف الصهيوأميركي.  وهذا يعني أن أحدى أدوات زعزعة الاستقرار وخلق القلاقل كانت الفتنة السنّية الشيعية التي قسمت ظهر دول وشعوب الإقليم.  تركيبة المنظومة الامنية الجديدة تعني وأد تلك الفتنة التي اُشعلت واُستثمر بها مع الاحتلال الاميركي للعراق.  فماذا يعني التحالف الباكستاني الايراني والتحالف الباكستاني وبلاد الحرمين والتقارب المصري التركي إلاّ أن زمن الاستثمار في الفتنة السنّية الشيعية قد ولى.  ويعود ذلك لصمود جبهة المقاومة التي تضم “سنّة” و”شيعة” في وجه العدوان الصهيوأميركي وإفشاله وكشف عوراته في القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية رغم كل الكلام الدعائي حول “التفوٌّق التكنولوجي” الذي “عوّض” عن الاخفاق العسكري.  ونقول “الادعاء” ب “التفوٌّق التكنولوجي” لأنه لا يعكس الحقيقة. فإذا كان للتحالف الصهيواميركي انجازات في التكنولوجيا وادوات القتل وليس القتال فإن جبهة المقاومة ابتدعت تكيتكات ووسائل تقنية تجسّد معرفة عميقة بالتكنولوجيا حيّدت ذلك التفوّق في التعامل في الميدان لسنا هنا في إطار شرحه لأنه خارج موضوعنا.  ما نريد أن نركّز عليه أن الاخفاقات في الميدان للتحالف الصهيواميركي أدّى إلى المراجعات المذكورة ومن بعدها ضرورة ايجاد منظومة امنية مختلفة تعكس يقين موازين القوّة الجديدة التي افرزتها المواجهة بين جبهة المقاومة والتحالف المذكور.

فما هي مكوّنات تلك المنظومة الإقليمية العربية الجديدة؟  النوّات الاساسية لتلك المنظومة التي اجتمعت في اسلاماباد ضمّت كل من باكستان وبلاد الحرمين ومصر وتركيا، ويضاف إليها الجمهورية الاسلامية في إيران.  هي إذن، منظومة عربية اسلامية بشقيها السنّي والشيعي ما يقضي على أي رهان لفتنة سنّية شيعية كانت محور سياسات المحور الصهيواميركي واتباعه في الإقليم.  وهذا التقارب بين الاطراف التي كانت حتى ماض قريب في حالة الجفاف المتبادل وحتى العداء يعكس مراجعات عربية كانت قد بدأت منذ فترة وكنّا قد أشرنا إليها في سلسلة تقارير للمؤتمر القومي العربي منذ 2018.   وهذه المراجعات نتجت عن ملاحظة عدم مصداقية الادارات المتتالية في الولايات المتحدة في توفير المظلّة الامنية، مبدأئيا ضد الجمهورية الاسلامية في إيران بينما واقع الحال هي كانت لحماية الكيان الصهيوني الذي لم يخف يوما اطماعه في الاراض العربية سواء في الجزيرة العربية أو شرق النيل واجمالي بلاد الشام وبلاد الرافدين وان كانت حكومات هذه الدول إما يربطها معاهدات صلح مع الكيان الصهيوني كمصر والاردن أو على “توافق في المصالح” معه كمعظم دول الجزيرة العربية.  المهم هنا ان قيادات هذه الدول اكتشفت نفاق الادارات الاميركية التي دفعت الحكومات العربية لشراء كميّات كبيرة من السلاح الاميركي كعربون عن الحماية الاميركية والذي برهن عن فعّالية نسبية في الحد الاقصى وذلك في مواجهة السلاح الصاروخي لليمن والجمهورية الاسلامية في إيران.  وأهم من كل ذلك كان رفض إدارة ترمب الاولى حماية المنشاءات النفطية التابعة لشركة ارامكو التي استهدفتها الصواريخ اليمنية أبان عدوان التحالف على اليمن الذي قادته في منتصف العقد الماضي بلاد الحرمين ودولة الامارات.  ونسجّل هنا حكمة القيادة المصرية في رفضها الانخراط في ذلك العداون لأسباب عديدة ليست أقلّها تجربتها في اليمن في الستنيات من القرن الماضي والتي واجهت قوّات الحوثيين المتحالفين أنذاك مع بلاد الحرمين!

مراسم التشييع للامام المغدور المرشد العام للثورة الايرانية السيد علي خامنائي افرزت عن واقعتين سياسيتين في غاية الاهمية.  الاولى، هي حجم المشاركة الشعبية التي تجاوزت عند اعداد هذا المقال الاربعين مليون مشيّع وهي ربما أكبر ظاهرة تشييع في تاريخ البشرية.  وهذا الحشد الشعبي في مراسم التشييع له دلالاته السياسية حيث جدّد صك الحياة وأعاد الروح الثورية للثورة الاسلامية بعد أكثر من اربعين سنة على انتصارها.  والحشد الجماهيري كان له ارتدادات دولية حيث أكثر من مئة دولة ارسلت وفودا للمشاركة.  ومن ضمن الوفود المشاركة وفود دول منظومة شنغهاي الامنية ما أكّد أهمية الجمهورية الاسلامية في إيران للكتلة الاوراسية الصاعدة.  والمعلومات المتوفرة تشير إلى ان اقامة منظومة أمنية اقليمية عربية تحظى بدعم كبير من الصين وروسيا لأنها تلغي أي دور للحلف الاطلسي وخاصة للولايات المتحدة في المنطقة.  ومن ذلك المنطلق يمكن التوقّع أن في المستقبل القريب قد تنضم إلى تلك المنظومة الاقليمية العربية كل من ازربادجيان واثيوبيا ما يعزّز حماية طريق الحرير أو مبادرة الحزام الواحد والممر الشمالي الجنوبي الاسيوي.

فما هي  إذن الاسباب الموجبة لتلك المنظومة الامنية الجديدة التي تعتبر أن الامن لا يتجزّأ؟   فإذا اعتبرنا أن روسيا والصين ترحبان بخروج الولايات المتحدة من منطقة غرب آسيا بما فيها منطقة الخليج فإن الفراغ لا بد من ملءه بتكتل اقليمي يؤمّن الاستقرار عبر تشبيك المصالح الامنية والاقتصادية.  وقد دفعت الصين باكستان للقيام بالوساطة بين الجمهورية الاسلامية في إيران والولايات المتحدة لتثبّت مصداقيتها من جهة ودورها المتنامي في الحسابات الصينية والروسية خاصة وأنها دولة نووية.  الوساطة الباكستانية تستكمل بالمساهمة في بناء المنظومة الامنية المنشودة التي تشكّل تكاملا اقليميا وعربيا وتكاملا مع منظومة شنغهاي وتكرّس الدور المركزي للقارة الاسيوية في القرن الحادي والعشرين خلافا لمن اعتبر أن ذلك القرن هو قرن العصر الاميركي.  إذن، السبب الاول لإقامة تلك المنظومة هي حاجة صينية روسية من منظور جيوسياسي أجمالي.

السبب الثاني هو حاجة دول المنطقة إلى غطاء امني بعد فشل النموذج الاميركي المفروض على الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص.  لا داعي لتكرار الاخفاقات الاميركية وعدم مصداقية الوعود الاميركية فالاولوية عندها أولا وأخيرا للكيان الصهيوني.  غير أن من مفارقات الدهر أن الولايات المتحدة أخفقت في حماية حتى الكيان الصهيوني من الضربات التي وجهتها كل من إيران وقوى جبهة المقاومة.  فالاساطيل التي ارسلت مع تطبيل وتزمير كبير لم تنفع أمام المسيّرات والصواريخ الفارقة للصوت ولا أمام عزم وحزم قوى المقاومة الشعبية في كل من فلسطين ولبنان واليمن والعراق والجمهورية الاسلامية في إيران.  لذلك ترسّخت القناعة أن لا يحكّ جرحك إلاّ ظفرك. 

طبعا ما يعزّز ذلك الموقف هو التقييم العربي للاداء الغربي بشكل عام والاميركي بشكل خاص في الميادين التي كانا يزعمان التفوّق بها.  فلا الاقتصاد ولا السياسة ولا حتى التكنولوجيا التسليحية التي زعمت الولايات المتحدة امتلاكها اصبحت حكرا عليها.  فالسلاح الشرقي برهن عن فعّاليته في المواجهة بين باكستان والهند والسلاح الصاروخي الايراني واليمني ساهمت التكنولوجيا الشرقية ككوريا الشمالية والصين وروسيا في إيجادها وتوطينها في اليمن وإيران ولبنان عند المقاومة وليست عند الدولة اللبنانية التي ما زالت تدور في الفلك الاميركي.  أما على الصعيد الاقتصادي فمن الواضح ان الدول العربية الوازنة كبلاد الحرمين كانت قد اقدمت على الاعتراف بصعود الكتلة الاوراسية ما يُفسّر اقبالها على تسعير برميل النفط باليوان والخروج من الدولار فيما يتعلّق بالمبادلات مع الصين.

سبب ثالث لتلك النقلة النوعية في بنية النظام الامني الاقليمي هي الاعتراف بأن النموذج الغربي في الاقتصاد الذي تحوّل إلى اقتصاد ريعي مالي بامتياز بعد الحرب الباردة أوجب إيجاد شبكات قواعد عسكرية تحاكي ذلك النموذج.  إلاّ أن التطوّرات التكنولوجية المتعدّدة وخاصة في الميدان العسكري أوجبت نوعا جديدا من المواجهات التي تتماهى مع نموذج اقتصادي إنتاجي يستطيع تغذية الترسانات العسكرية بينما النموذج الغربي فقد تلك الميزة.  والاخفاق في متابعة المواجهة العسكرية مع كل من اليمن والجمهورية الاسلامية في إيران فرض إعادة النظر بالمنظومة الامنية التي كانت مرتبطة بالنموذج النيوليبرالي.  لا يتوقف الكثيرون على هذه العلاقة بين النموذج الاقتصادي المتبع والمنظومة الامنية.  فالنموذج الاقتصادي الانتاجي بطبيعته متحرّك ويواكب التطوّرات الاقتصادية في الانتاج وليس في الخدمات المالية الريعية التي ارتبطت بمنظومة عسكرية كانت صالحة في القرن العشرين ولم تعد صالحة للقرن الحادي والعشرين. في هذا السياق نشير ان مسار الفكر الاقتصادي الغربي تحوّل من فكر داعم للاقتصاد الانتاجي إلى اقتصاد مالي ريعي يوطّن المراكز الانتاجية خارج منظومته السياسية ما يجعل ذلك الاقتصاد منكشفا تجاه الخارج وخاصة في سلاسل التوريد التي لا تستطيع المنظومة العسكرية الامنية المصممة في القرن العشرين مواكبتها.  بينما في الاقتصاد الانتاجي الذي تتبعه الكتالة الاوراسية ومعظم دول الجنوب الاجمالي ترتكز إلى التشبيك الاقتصادي ضمن كتل اقتصادية جغرافية متجانسة ومتممة لبعضها البعض.  وهنا نميّر بين التكامل (integration) الذي له بعد اندماجي والتكامل المتمم (complementarity) الذي يحافظ على الخصوصية دون الاندماج.  بالمناسبة، الترجمة العلمية للمصطلح الغربي integration هو التفاضل كما في المعادلات الرياضية وليس التكامل.  اقتضى التوضيح.

لكن ما هي التحدّيات لتلك المنظومة الامنية المرتقبة؟ من الواضح إن إيجاد تلك المنظومة يعني خروج الولايات المتحدة من المنطقة أو على الاقل إنهاء مسؤولياتها التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتعزّزت في منتصف السبعينات من القرن الماضي عبر فرض البترودولار والتي وصلت إلى ذروتها بعد الحرب الباردة والدخول المباشر الاميركي إلى المنطقة عبر سلسلة من القواعد العسكرية في الخليج وفي عدد من الدول المشرق العربي.  ليس من الواضح أن النخب الحاكمة في الولايات المتحدة متقبّلة لذلك التحوّل الذي يكرّس تراجع نفوذها.  لكن ليس هناك ما تستيطع أن تفعله بعد انكشاف الضعف العسكري والاقتصادي والمالي تجاه الخارج والاخفاقات المتعدّدة في الاقليم سواء في افغانستان والعراق والبحر الاحمر والخليج وعدم القدرة على حماية درّة التاج الاميركي أي الكيان الصهيوني رغم كل ما وفرّت له من إمكانيات.  المهم هنا أن الولايات المتحدة أن تضع العراقيل كتعزيز علاقاتها مع تركيا عبر محور الحلف الاطلسي واستمرار الضغط على الحكومات العربية لمنعها من المزيد من التقارب مع الجمهورية الاسلامية في إيران والكتلة الاوراسية التي تقف معها.

التحدّي الاكبر في رأينا هو التعامل مع الكيان.  المنظومة الامنية تنطلق من مبدأ عدم تجزئة الامن.  لكن هل من الممكن إضافة الكيان إلى تلك المنظومة وهو المسؤول الاول والاخير عن كل مصادر زعزعة الاستقرار وإغراق دول المنطفة في حروب عبثية تمنع النهوض والتشبيك مع بعضها البعض.  المسألة لها بعد سياسي وأخلاقي في آن واحد.  كما أن التحوّلات التي حصلت داخل الكيان منذ تسعينات القرن الماضي وخاصة بعد اوسلو تشير أن المجتمع الصهيوني لا يريد التعايش مع شعوب المنطقة بل يريد اخضاعها على قاعدة أنه شعب الله المختار.  كما لم يخف قادة الكيان طموحاتهم في الارض العربية من شرق النيل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات وحتى الثلث الشمالي للجزيرة العربية.  فأي مكان لذلك الكيان في منظومة أمنية متجانسة تاريخيا مع بعضها البعض بينما الكيان هو نتيجة حقبة استعمارية زرع لخدمة مصالح الاستعمار البريطاني في البداية والهيمنة الاميركية من بعده.  وكيف يمكن ادخال هذا الكيان وهو ينفي وجود الشعب الفلسطيني ويتنكّر لأبسط حقوق العيش بل يسعى بكافة الوسائل لاقتلاعه عن فلسطين عبر القتل المباشر والتهجير؟  لذلك، نعتبر في هذه الحالة فقط أن الامن المرتقب لا يشمل الكيان الذي لا شرعية له في الاساس لوجوده وإن كانت موازين القوّة بعد الحرب العالمية الثانية فرضت على المنطقة ذلك الكيان.  وهذه الموازين لا تكتسب شرعية حقوقية حتى بالقرار التاسيسي له في الامم الامتحدة لأن ذلك القرار كان وما زال مرتبطا بسلسلة موجبات على الكيان لم ينفّذها.  كما أن سلسلة قرارات مجلس الامن في الامم المتحدة بقيت حبرا على ورق فيما يتعلّق بالاحتلالات غير الشرعية لفلسطين وسورية ولبنان.  وبالتالي، هذا الكيان فاقد لأي نوع من الشرعية للوجود.

التحدّي الثالث له بعد ثقافي.  فالموروث السياسي لدول المنطقة يرتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة السياسية الغربية والتسليم بمسؤولية القرار السياسي والاقتصادي للغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص.  ونعتبر أنه ليس من السهل على النخب الحاكمة ان تواجه مستقبلا يضع المسؤولية الامن على عاتقها بعد أكثر من ثمانية عقود من “الحماية” الاميركية التي تبيّنت أنها هي أيضا أوهن من بيت العنكبوت. ولا يجب أن يغيب عن البال أن اموالا طائلاة مستثمرة في الغرب والولايات المتحدة والتي تتجاوز 3 تريليون دولار.  فليس من السهل التخلّى عن ذلك خاصة أن الغرب والولايات المتحدة لم ولن يتردّدوا في حجز أموال كل منا يعارضهم.  لذلك نتوقّع سياسات توازنات في العلاقات مع الولايات المتحدة وإن كان منحى تلك العلاقات تخفيف التبعية لها دون القطيعة.  ونريد أن نذكر هنا أن مسار الامور في الولايات المتحدة هو نحو تفاقم الازمات الداخلية تمهيدا لتمزيق التماسك الداخلي. فبعد فترة من الوقت لن تعود الولايات المتحدة ورقة ضاغطة على العرب.  لذلك تصبح فجأة أ الدول العربية في سن الرشد وعليها أن تثبت جدارتها في إدارة اموره وعلى أكتافها عمالقة كباكستان والجمهورية الاسلامية في إيران وتركيا.  وربما قد تكون المنظومة الامنية المرتقبة لبنة على طريق توحيد الجهود والمواقف للنهوض بالأمة ولكن هذا حديث آخر نقاربه في بحث منفصل.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *