معاداة السامية مصطلحٌ تغيّر معناه عبر التاريخ…
عماد العيسى
عماد العيسى كاتب وإعلامي فلسطيني …
من أكثر المصطلحات حضوراً في النقاش السياسي، والإعلامي المعاصر مصطلح (معاداة السامية)، هذا المصطلح يُستخدم بصورة واسعة، لوصف المواقف المعادية ( لليهود) ،لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو، متى ظهر هذا المصطلح؟ ،ومن صاغه؟ ،وما المعنى الذي كان يحمله في بداياته؟ ،وهل كان المقصود به منذ البداية اليهود الأشكناز تحديداً؟.
هذه الأسئلة في الحقيقة ليست هامشية، لأنها تقودنا إلى واحدة من أكثر القضايا ،تعقيداً في التاريخ الحديث، حيث تداخلت المفاهيم الدينية ،واللغوية والعرقية والسياسية، ثم تطورت دلالات بعض المصطلحات مع مرور الزمن،
فبحسب الرواية التي يعرضها البروفيسور ميلر، فإن مصطلح (معاداة السامية)، لم يظهر أصلاً بالمعنى المتداول اليوم، وإنما ارتبط في بداياته بسجال فكري، وأيديولوجي في أوروبا خلال القرن التاسع عشر،وتشير هذه الرواية إلى أن شتاينشنايدر، استخدم المصطلح عام 1860، في سياق نقده للباحث الفرنسي إرنست رينان، والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن رينان لم يكن، وفق
هذا الطرح، معادياً( لليهود)، بل كان من المتعاطفين معهم، لكنه كان يحمل في الوقت نفسه ،تصورات عرقية كانت شائعة في أوروبا في ذلك العصر، ومنها اعتقاده بتفوق ما كان يسمى آنذاك ،بالعرق الآري على الساميين لكن رينان، وفق الرواية نفسها، لم يعتبر اليهود الأشكناز المتحدثين باليديشية من (الساميين)، بالمعنى الذي كان يستخدمه هو للمصطلح، بل رأى أنهم أصبحوا أكثر (تحضراً) ، نتيجة تطورهم داخل المجتمعات الأوروبية ، وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للجدل.
فالرواية تقول إن شتاينشنايدر، لم يكن شخصية بعيدة عن الأفكار الصهيونية في تلك المرحلة، وإنه شارك عام 1838، إلى جانب اثنين من أصدقائه، في تأسيس جمعية صهيونية سرية في جامعة فيينا،
ومن هنا يطرح النص تفسيراً سياسياً لاستخدام المصطلح، مفاده أن وصف رينان ،بأنه (معادٍ للسامية) كان جزءاً من محاولة ،لترسيخ فكرة وجود صلة عرقية وتاريخية بين اليهود الأشكناز ،ومنطقة المشرق وبالتالي التعامل مع اليهود، باعتبارهم (عرقاً) له امتداد جغرافي وتاريخي في بلاد الشام،
وبعد سنوات، وتحديداً في سبعينيات القرن التاسع عشر، اكتسب المصطلح حضوراً أكبر في أوروبا، خصوصاً مع الصحفي الألماني فيلهلم مار، الذي ارتبط اسمه على نطاق واسع ،بتعميم مصطلح (معاداة السامية) ، في الخطاب السياسي الأوروبي ،وهنا نصل إلى نقطة أساسية في فهم التاريخ… المصطلحات السياسية لا تبقى دائماً أسيرة معناها الأول،فكلمة (السامية) في أصلها اللغوي، لم تكن اسماً لعرق واحد، وإنما ارتبطت بعائلة لغوية واسعة ،تضم العربية والعبرية والآرامية وغيرها ،من اللغات السامية وبالتالي، فإن اختزال (السامية) في اليهود وحدهم ،هو استخدام انتهازي حديث للمفهوم، وليس المعنى اللغوي الأصلي للمصطلح،والأكثر إثارة أن بعض الكتابات الأوروبية ،في القرن التاسع عشر كانت تستخدم،مصطلح (الساميين) في سياقات تشمل شعوباً وجماعات عربية ومسلمة، وهو ما يجعل العودة إلى التاريخ ضرورة، لفهم كيفية انتقال المصطلح من مفهوم لغوي وثقافي، إلى مفهوم سياسي وعرقي،أما إرنست رينان نفسه، فقد ترك كتابات لاحقة تكشف عن، مواقف شديدة السلبية تجاه الإسلام، رغم كتاباته عن اليهود واهتمامه بتاريخهم، وقد أُشير إلى نصوص له نُشرت بعد وفاته ، تتضمن موقفاً بالغ القسوة من الإسلام ،وهذا يكشف جانباً آخر من القضية…
أن المفاهيم التي كانت تُستخدم في القرن التاسع عشر، لم تكن تحمل بالضرورة الدلالات نفسها التي تحملها اليوم،لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المصطلحات التاريخية ،إلى أدوات سياسية جاهزة، تستخدم لإغلاق باب النقاش بدلاً من فتحه ،فرفض معاداة اليهود أو التحريض ضدهم ،لا يحتاج إلى إعادة تعريف التاريخ، كما أن إنتقاد الصهيونية أو مناقشة المشروع السياسي الإسرائيلي ،لا ينبغي تلقائياً أن يُعامل باعتباره كراهية، لليهود كجماعة دينية أو إثنية،وهنا يجب التفريق بوضوح بين أمرين مختلفين… معاداة اليهود بسبب هويتهم، وبين نقد الصهيونية بوصفها حركة سياسية، أو نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، أو مناقشة الروايات التاريخية المرتبطة بفلسطين.
إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة لا يخدم الحقيقة، بل يحول المصطلحات إلى أدوات للصراع السياسي،والعودة إلى تاريخ مصطلح (معاداة السامية)، لا تعني إنكار الجرائم التي تعرض لها اليهود في أوروبا، ولا تعني تبرير أي شكل من أشكال الكراهية التي كانت تمارس ضدهم، بل تعني ببساطة أن علينا أن نقرأ التاريخ كما هو، وأن نفهم كيف ولدت المصطلحات، وكيف تغيرت دلالاتها، ومن استخدمها وفي أي سياق،فالتاريخ ليس مجموعة من الكلمات المقدسة ،التي لا يجوز الاقتراب منها، وإنما هو مساحة للبحث والنقاش والتدقيق والمقارنة ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط… من هو المعادي للسامية؟، بل أيضاً… متى ظهر هذا المصطلح؟، ولماذا ظهر؟ ،وكيف انتقل من سياقه الأوروبي الأول، إلى المعنى السياسي الذي يحمله اليوم؟…
هذه الأسئلة تستحق أن تُطرح بعيداً عن التخوين، وبعيداً عن تحويل البحث التاريخي إلى جريمة فكرية ،فحين نبحث في أصل المصطلحات، نحن لا نبحث عن تبرير للكراهية، وإنما نبحث عن الحقيقة،
