لماذا غابت الانتفاضات؟ أم أننا نسأل السؤال الخطأ؟

 لماذا غابت الانتفاضات؟ أم أننا نسأل السؤال الخطأ؟

من السهل أن نقف أمام المشهد الفلسطيني اليوم ونقول: أين الانتفاضات؟ أين الجماهير التي كانت تملأ الشوارع؟ أين ذلك الزخم الذي كان يحرك الأمة بأكملها؟

لكن هذا السؤال، على أهميته، قد يكون سؤالًا ناقصًا، لأنه ينظر إلى النتيجة ويتجاهل الأسباب التي سبقتها بعقود.

فالانتفاضة ليست قرارًا يصدر في ليلة واحدة، وليست رد فعل عاطفيًا على مجزرة أو اعتداء، بل هي نتاج بيئة كاملة. هي ثمرة وعي، وتنظيم، وثقة، وقيادة، ومؤسسات، وإعلام، واقتصاد قادر على الصمود. وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح السؤال عن غياب الانتفاضة شبيهًا بالسؤال عن سبب عدم خروج الثمار من شجرة جُففت جذورها.

لقد اعتدنا أن نحمّل الشعوب المسؤولية، وكأنها استيقظت ذات صباح وقررت أن تتخلى عن قضاياها. لكن هل هذا ما حدث فعلًا؟

كيف يمكن لشعب يعيش تحت ضغوط اقتصادية خانقة، ويخشى على لقمة عيشه، ويواجه رقابة أمنية معقدة، ويشعر بأن صوته لن يغير شيئًا، أن يتحرك بالطريقة نفسها التي تحرك بها قبل أربعين عامًا؟

وكيف يمكن لشعب أن يضحي وهو لا يرى أفقًا سياسيًا واضحًا، ولا مشروعًا جامعًا، ولا رؤية لما بعد التضحيات؟

المشكلة ليست أن الناس أصبحت أقل شجاعة، بل إن البيئة أصبحت أكثر قدرة على استنزاف الإنسان. فحين ينشغل الفرد بتأمين الدواء والغذاء والعمل، يصبح استنزافه اليومي معركة بحد ذاته. وهنا تتحول المعركة من مواجهة الاحتلال فقط، إلى مواجهة الإحباط واليأس والعجز أيضًا.

ثم إننا نكرر سؤال الانتفاضة، لكننا نادرًا ما نسأل: ماذا فعلنا طوال السنوات الماضية لصناعة جيل قادر على حملها؟

كم مؤسسة تربوية أُنشئت لتكوين وعي سياسي عميق؟

كم مركز أبحاث أنتج معرفة تساعد على فهم العدو بدل الاكتفاء بردود الفعل؟

كم وسيلة إعلام صنعت إنسانًا يفكر، بدل أن تكتفي بصناعة متابع يستهلك الأخبار؟

كم كتابًا قرأ شبابنا عن تاريخ الصراع؟ وكم ساعة يقضيها معظمهم أمام المحتوى السريع الذي يختزل القضايا الكبرى في مقطع لا يتجاوز دقيقة؟

إذا كنا نريد انتفاضة، فعلينا أولًا أن نبني الإنسان الذي يستطيع أن يقودها ويحافظ عليها.

وهنا تظهر أزمة أعمق من غياب الانتفاضة، وهي أزمة المشروع الحضاري العربي. فمنذ سنوات طويلة، أصبحنا نتعامل مع كل حدث باعتباره أزمة مستقلة، بينما نفتقد الرؤية التي تربط هذه الأزمات ببعضها. نريد إعلامًا مؤثرًا دون أن نبني مؤسسات إعلامية مستقلة. نريد اقتصادًا صامدًا ونحن نعتمد على غيرنا في غذائنا وصناعتنا وتقنياتنا. نريد رأيًا عامًا واعيًا بينما تراجعت القراءة، وضعف التعليم، وأصبح الاهتمام منصبًا على الترفيه أكثر من المعرفة.

فهل يمكن لأمة لا تنتج المعرفة أن تقود معركة طويلة؟

وهل يمكن لأمة تستورد معظم أدواتها أن تمتلك قرارها بالكامل؟

وهل يكفي أن نمتلك مشاعر صادقة إذا لم تتحول إلى مؤسسات وخطط وأجيال مؤهلة؟

إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو انتظار لحظة الانفجار الشعبي باعتبارها الحل السحري. فالتاريخ يعلمنا أن الانتفاضات التي لا يسبقها إعداد فكري وتنظيمي ومؤسساتي قد تحقق إنجازات مهمة، لكنها قد تواجه صعوبة في تحويل التضحيات إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

ولهذا، فإن البداية الحقيقية ليست في انتظار انتفاضة جديدة، بل في إعادة بناء الأساس الذي يصنعها.

نحتاج إلى تعليم يربي على التفكير لا على التلقين، وإعلام يشرح ولا يكتفي بإثارة الانفعال، ومراكز أبحاث تدرس الواقع وتستشرف المستقبل، واقتصاد يخفف التبعية، ومؤسسات مجتمع مدني تعيد الثقة بالعمل الجماعي، وقيادات تُصنع بالكفاءة والخبرة لا بالظروف الطارئة.

فالأمم لا تنهض بالصدفة، ولا تنتصر بالغضب وحده، بل تبني قوتها عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل.

لذلك، ربما لم يعد السؤال الأهم: لماذا غابت الانتفاضات؟

بل أصبح السؤال الذي يستحق أن يؤرقنا هو:

ماذا بنينا خلال العقود الماضية حتى نستحق أن تنتج مجتمعاتنا انتفاضة واعية، ومشروعًا قادرًا على تحويل التضحية إلى نهضة، والصمود إلى مستقبل؟

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *