لماذا تشكل عودة المقاومة اللبنانية بقيادة “حزب الله” أكبر هزائم العدوان الإسرائيلي على ايران وحلفائه العرب؟ وما هما المفاجأتين اللتين صدمتا الجيش الإسرائيلي في حرب الأربعين يوما الاخيرة؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
القاعدة التاريخية المعروفة تؤكد انه لا حروب بدون خسائر في الجانبين، المهزوم والمنتصر، واذا طبقناها على الحرب الحالية التي بدأت بعدوان امريكي اسرائيلي على ايران في 28 شباط (فبراير) الماضي، فان عودة “حزب الله” القوية، بعد ما يقرب من 16 شهرا من الصمت الاستراتيجي، وفتح الجبهة اللبنانية بجميع ابوابها مجددا، هو أبرز إنجازات هذه الحرب، وأكبر هزيمة ميدانية لدولة الاحتلال الإسرائيلي الامر الذي يعكس حقيقة غابت عن الكثيرين سواء في أوساط العدو الإسرائيلي، او بعض حلفائه، داخل لبنان او خارجه.
نشرح أكثر ونقول ان انسحاب “حزب الله” من المواجهة العسكرية لأكثر من 16 شهرا، وتحمله لكل الانتقادات التي كانت توجه اليه، وقيادته الجديدة، بـ”الجبن” و”الانهيار”، بل الوصول الى نهايته كقوة عسكرية، كان تكتيكيا سياسيا وعسكريا مدروسا بعناية، وفي إطار استراتيجية بعيدة النظر، بدأت تظهر بشكل قوي هذه الأيام، وتنعكس في تصاعد الخسائر البشرية والمادية والمعنوية في صفوف الجيش الإسرائيلي.
المفاجأة الأكبر التي فجرتها الادمغة العسكرية “السرية” التابع لحزب الله، وباتت تنعكس “رعبا” في صفوف الجيش الإسرائيلي وقيادته، تتمثل في إطلاق مئات المسيّرات الانقضاضية الملغمة “الانتحارية” الشبحية الموجهة بالألياف الضوئية، الرخيصة الثمن والتصنيع أولا، وصعوبة رصدها ثانيا، ورؤوسها المتفجرة التي يتراوح وزنها بين 50 الى ألف كيلوغرام ثالثا.
جنرالات الجيش الإسرائيلي اعترفوا بأن هذه المسيّرات الشبحية، التي باتت تعتمد في انتاجها على التكنولوجيا المتاحة والمحلية الرخيصة، وتزويدها بالتالي بأجهزة تحكّم متطورة جدا، أصبحت تشكل كابوسا مقلقا للمؤسستين العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
بنيامين نتنياهو اعترف علانية ان الجيش الإسرائيلي أصبح يواجه تهديدين خطيرين في لبنان، الأول المسيّرات الشبحية الانقضاضية، والثاني صواريخ “حزب الله” المصنعة محليا وذاتيا من عيار 122 مليمترا، الى جانب شجاعة، وإقدام، وإرادة كوادر الحزب القوية، على الصعيدين القيادي والتنفيذي على الأرض وفي السماء.
المعارك الأخيرة التي خاضها مقاتلو حزب الله في جنوب لبنان، وخاصة في القنيطرة، واستخدموا فيها الطائرات المسيّرة الجديدة، الى جانب الصواريخ الدقيقة الإصابة لأهدافها، كشفت عن فشل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الاستعداد الجدي لهذه المفاجآت، لإلحاقها خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وخاصة اصطيادها وتدميرها للعديد من دبابات الميركافا، وقصف مفاجئ لتجمعات ووحدات الجيش الإسرائيلي واصابة وقتل العديد من افرادها.
لبنان، وبفضل هذه العودة القوية، وغير المتوقعة للمقاومة، بات يعيش مرحلة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني بعد اجتياح عام 1982، ولكن بصورة أكثر استعدادا، وقوة، وقيادة عسكرية ميدانية متطورة، تلقت تعليمها وتدريبها في اكاديميات عسكرية في دول حليفة مثل كوريا الشمالية والصين وروسيا.
فاذا كانت هذه البصمات الميدانية فاجأت جنرالات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فمن المؤكد انها كشفت مدى سذاجة وتخلف القيادتين العسكرية والسياسية اللبنانية، اللتين انعكسا في تبنى الاملاءات الإسرائيلية والأمريكية بنزع سلاح “حزب الله” بالقوة، والمضي قدما في عملية الاستسلام والتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، مثلما فشل الثنائي الإسرائيلي الأمريكي في احتلال ايران، وتغيير نظامها، وتدمير برامجها النووية والصاروخية الى الابد، فإنهما ارتكبا خطأ أكبر بالاعتقاد انهما يستطيعان تكرار النتيجة نفسها في لبنان، وبأقل تكلفة وخسائر، خاصة لوجود شريحة من الشعب اللبناني انحرفت عن الخط الوطني، وباتت جاهزة لتغيير العقيدة الوطنية اللبنانية، والارتماء والتبعية للعدو الإسرائيلي.
رجال المقاومة الذين حرروا الحزام الأمني الإسرائيلي، وهزموا الجيش الإسرائيلي المحتل وعملاءه وأجبروه على الهروب في ليلة فيها قمر، اعترافا بالفشل وتقليصا للخسائر، ودون مفاوضات او اتفاقات عام 2000 سيكررون الانتصار نفسه، وسيحررون الجنوب اللبناني للمرة الثانية، كخطوة أولى لبناء لبنان الوطني الجديد المتعايش والموحد.. والأيام بيننا.
