فساد يبتلع فسادًا … ويبقى العراق جريحاً

 فساد يبتلع فسادًا … ويبقى العراق جريحاً

د. عادل سماره

د. عادل سماره

بينما تتمسك الولايات المتحدة مضطرة باتفاق مع إيران تحرك أدواتها في بلدين عربيين يشكلان بدرجة أو أخرى خواصر لإيران. وبالطبع، لا يتوقف تصنيع الولايات المتحدة للحروب والعدوان على أو في الوطن العربي بل تشعل حربا أينما تمكنت وحروبها متنوعة طبقاً لكل منطقة، إنما المهم وجود ديمومة الحروب.

ربما يدرك الإيرانيون بأن لا صداقة ولا سلام ولا حياد من إمبريالية الولايات المتحدة مع أية أمة في العالم وخاصة تجاه أمم المنطقة، ربما باستثناء تركيا وأكيد تجاه الكيان الصهيوني الأشكنازي، ولذا تُبدي إيران تشدداً في تطبيق اتفاقها مع الولايات المتحدة مشترطة وقف العدوان وانسحاب جيش الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية.

ولكي تخفف الولايات المتحدة من الضغط الإيراني لصالح لبنان تضغط بدورها على إيران بتوظيف أدواتها العراقية ضد إيران. فالولايات المتحدة تحكم العراق منذ عام 2003 بغض النظر عن مزاعم خروج الأمريكي أو الاتكاء على ما خسره في العراق.

فالعراق نظام حكم طائفي عاموده الفقري مزيج من: الطائفية والتبعية والدينسياسي والفساد والنوم مع زوجين أي الأمريكي والإيراني. وحيث يتم تقاسم البلد بين طرفين لا يبقى للعراق سوى ان يُحلب بلا رحمة.

صحيح أن العراق من حيث الطبيعة الطائفية للسلطة هو نظام الشيعة العرب الموالين لإيران وليس للعراق، ولكن شبق الطائفيين للسلطة يدفعهم لخدمة النقيضين الأمريكي والإيراني، ويدفع النقيضين كي يُمرر كل منهما مصالح الآخر لأنهما يلتقيان على النهب والتقشيط والاستغلال من الباب النفعي الاقتصادي ومن الباب الإستراتيجي بأن لا يبقى العراق عربيا.

لذا لعب العراق دور توفير متنفس اقتصادي لإيران خلال الحرب الاقتصادية الأمريكية ضدها وهي ما تسمى الحصار وبالطبع نفَّذت جميع أنظمة المنطقة أوامر أمريكا بشأن حصار إيران، لكن أبقت على الرئة العراقية، وهي رئة تعادل نصف حجم رئة إيران نفسها.

وهذا يذكرنا بالحصار أي الحرب التجويعية على العراق 1991-2003 وعلى سوريا ما بين 2011-2024 حيث الحصار المطبق والقاتل بلا أية منافذ أو تنفيس وكأنه حتى الحصار على العرب العروبيين هو حصار من نوع خاص أي مطلق!

السلطة العراقية صناعة امريكية وجودا وقرارا

ربما التبس موقف النظام العراقي ولا يزال ملتبساً على الكثيرين، وخاصة حين يزعم محور المقاومة بأن العراق جزء منه! وبالطبع، فإن عراقيين هم مع المقاومة ولكن ليس العراق كعراق أو كنظام تحديداً. فالمقاومة العراقية لم تحسم أمرها لقتال الأمريكي وتحرير العراق منه. ولا يخفي هذا الخلل الضخم تصريحات بعض العراقيين ضد الكيان أو دعمهم لإيران أو القيام بقصفٍ ما ربما مرة في السنة ضد الكيان الصهيوني وهو ما نسميه “مقاومة بالمجاملة.

ويبدو أن أمريكا تميل مؤخرا إلى محاربة إيران في خواصر إيران بدل حرب أمريكية صهيونية مباشرة، تماما كما تحاول في لبنان محاربة المقاومة بالجيش اللبناني وبالانعزاليين اللبنانيين.

صحيح أن العراق لا يزال امريكي وإيراني، ولكن تقوم اليوم أمريكا بالضغط على النظام الطائفي في العراق ليحسم الولاء لأمريكا فقط لا لإيران ولا للعراق. وهذا بعد أن فرضت على العراق رئيس وزراء من نفس الطائفة الأداة لأمريكا على حساب نظيره وشبيهه أي نوري المالكي، ولذا صار على الأداة الجديدة دفع الثمن.

وهنا، لا بد لرئيس الوزراء الجديد كي يتمكن من خدمة سيده بأن يبيع الشعب العربي في العراق بضاعة تخدعه وليس هناك أفضل للخداع من زعم محاربة الفساد وهو اشد الوجع الشعبي العراقي بعد الاحتلال بالطبع، في نظام يمكن تلخيص وتكثيف تعريف اقتصاده بمصطلح “الاقتصاد السياسي للفساد”. لا بد له إذن أن يحوِّل ولائه من خدمة طرفين ليخون ولائه الطائفي لصالح ولائه السياسي بل الدينسياسي والطبقي لصالح الإمبريالية منخرطاً في فريق التوابع العرب وخاصة الخلايجة.

طبعا جماعة إيران سيتلطون بأنهم يدافعون عن إيران في وجه أمريكا، بينما هم لمن يدفع ويمنح سلطة. وهكذا، فإن طائفيو العراق شيعة اساسا وسنة وكرد أيضا يواجهون ذل اختيار إحدى الخيانتين، لا عجب فهذا جوهر وبالتالي مصير الطائفي.

ولكن، ما هي الأسباب التي تدفع العمالة الطائفية لبيع حليفها الطائفي أي الإيراني لصالح سيدها السياسي الطبقي أي الرأسمالي الإمبريالي الأمريكي؟

طبعاً، من يتابع ما يكتبه العراقيون بل ما كتبوه منذ 1991، وطبعا 2003، قلما لامس بعضهم حقيقة الأمر، بل الأكثرية الساحقة سواء الساسة أو المثقفين وحتى عوام السوشيال ميديا من الجهلة الذين تخصصوا في شتم صدام حسين والعروبة أو مدح الحزب الشيوعي بوضعه الحالي كأداة للأمريكي، أو التعامي عن صهينة قيادة أكراد العراق…الخ.

لكن الحقيقة ما قاله غيرهم فقد وضع المحتل يده فور سقوط بغداد على وزارة النفط وأفلت العوام والسوقة والحثالات لنهب مختلف الوزارات والدوائر الرسمية العراقية.

نشرت الصحف الأمريكية بأن الاحتلال الأمريكي حيث وضع يده على نفط العراق قام بتحويل عائدات النفط إلى الخزينة الأمريكية على أن ترسل أمريكا كل شهر ما تتفضل به من نقود العراق إلى النظام العراقي وبالطبع قبلت بذلك كافة حكومات الطوائف العراقية وبرلماناتها وما تسمى المقاومة العراقية والأحزاب ولم يخجل هؤلاء من الثرثرة والهذيان على شاشات الفضائيات بالحديث عن “سيادة العراق”. إن وضع اليد الثقيلة الأمريكية على عوائد نفط العراق هو ما أسس للفساد الذي يدعي رئيس الوزراء الجديد الذي فرضه دونالد ترامب بأنه سيجتثه! .

وهنا أضيف ما كتبه M. Mohibul Haque ولم يكتبه عراقيون:

“… فعلى سبيل المثال، سمح الأمر رقم 39، الذي وقعه الحاكم الأمريكي بريمر في 19 سبتمبر/أيلول 2003، بخصخصة نحو 200 مؤسسة مملوكة للدولة، مع منح عقود إيجار لا تقل مدتها عن أربعين عامًا. وأصبح، بين عشية وضحاها، من غير القانوني فرض أي قيود على الملكية الأجنبية في أي قطاع من قطاعات الاقتصاد العراقي، باستثناء استخراج الموارد الطبيعية.

أما الأمر رقم 37 فقد حدد معدل الضريبة على الشركات متعددة الجنسيات بنسبة ثابتة قدرها 15%، دون أي تمييز بين الشركات والأفراد. وبذلك أصبح المزارع العراقي الفقير يدفع الضريبة نفسها التي تدفعها شركة بيكتل الأمريكية متعددة الجنسيات، وهي الشركة التي تعاقدت لتشغيل نظام المياه الذي جرى خصخصته في العراق.

كما منح الأمر رقم 39 الشركات الأجنبية حق تحويل الأرباح والعوائد والاستثمارات إلى خارج البلاد دون أي قيود.

ولتسهيل التدفق الحر للسلع والخدمات، انسجامًا مع متطلبات السياسات النيوليبرالية والإمبريالية، وقّع بريمر عام 2003 قانونًا لتحرير التجارة ألغى جميع الرسوم الجمركية، والضرائب على الواردات، ورسوم التراخيص، والرسوم الإضافية المشابهة المفروضة على السلع الداخلة إلى العراق أو الخارجة منه، وكذلك جميع القيود التجارية الأخرى التي قد تنطبق على تلك السلع.”

المصدر:

Indian Journal of Political Science Vol.45, Nos. 1-2, January-June 2011 ،ISSN: 0303-9957 ،Department of Political Science, Aligarh Muslim University, Aligarh – 202002. Beyond Liberalism: Contemporary Relevance of Marxism* M. Mohibul Haque

وهكذا، فالطبقات الشعبية في العراق تجد نفسها وقد نُقلت من سلطة طائفية طبقية كإمبراطورية فاسدة تعيد إنتاج دورها على حساب الشرائح الفاسدة الأدنى منها مرتبة وقراراً وحتى فسادا.

ليس هذا ما يحتاجه العراق وما تشترطه الطبقات الشعبية حتى لو وصلت محاربة الفساد اقتلاع قشرة فساد لقشرة أخرى تماما، بل المطلوب تجديد الحراك الشعبي المنظم الذي حصل عام 2021 بقيادة ميدانية واعية تحمل مشروعا حده الأدنى اجتثاث الاحتلال، وإعادة تأميم النفط والقطاع العام والإصلاح الزراعي والتوجه التكاملي عربيا.

30 حزيران 2026

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *