عبد الرحمن السيد يهزم العنصرية وترمب: من محاولة التشويه إلى انتصار تاريخي في ميشيغان

 عبد الرحمن السيد يهزم العنصرية وترمب: من محاولة التشويه إلى انتصار تاريخي في ميشيغان

واشنطن- سعيد عريقات-4/11/2026

لم يكن فوز الدكتور عبد الرحمن السيد في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان مجرد انتصار لمرشح ديمقراطي على منافسه الجمهوري مايك روجرز، بل كان، في أبعاده السياسية والإنسانية والوطنية، هزيمة مدوية لحملة غير مسبوقة من التحريض العنصري والتشكيك في الهوية والمواطنة والولاء الوطني. فقد واجه السيد، الطبيب الأميركي من أصول مصرية، حملة حاولت تصويره باعتباره خطراً على الولايات المتحدة، لا بسبب مواقفه السياسية فحسب، وإنما بسبب دينه الإسلامي وأصوله العربية، في مشهد كشف حجم التوظيف الانتخابي للإسلاموفوبيا في السياسة الأميركية.

والأكثر دلالة أن هذه الحملة لم تقتصر على منافسه الجمهوري، بل تصدّرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً، الذي استخدم منبر الرئاسة والتجمعات الانتخابية لتصوير السيد باعتباره “جهادياً” وعضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وربطه بالإرهاب والتطرف، من دون تقديم أدلة تثبت تلك الاتهامات. بل ذهب ترمب إلى التشكيك في أهليته للحصول على التصاريح الأمنية، والتلميح إلى ضرورة إخضاعه للتفتيش الأمني قبل السماح له بدخول مجلس الشيوخ، في إشارة مهينة استهدفت هويته الدينية أكثر مما استهدفت برنامجه السياسي.

لكن الناخبين في ميشيغان كانت لهم كلمة مختلفة تماماً.

وبحسب النتائج التي نشرتها منصة “ديسيجن ديسك إتش كيو” مساء الانتخابات، تقدم السيد بنحو 53.34 في المئة من الأصوات، مقابل 44.90 في المئة لمايك روجرز، في نتيجة عكست تفوقاً واضحاً للمرشح الديمقراطي. وبذلك حقق السيد انتصاراً سياسياً بالغ الأهمية، في سباق كان الجمهوريون يعتبرونه فرصة استراتيجية للاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ وتعزيز أغلبيتهم.

مواطن أميركي في قفص الاتهام بسبب اسمه ودينه

تكمن المفارقة الأكثر إثارة في هذه الانتخابات في أن عبد الرحمن السيد مواطن أميركي مولود في الولايات المتحدة، نشأ فيها وتعلم في مؤسساتها، وعمل طبيباً ومسؤولاً في مجال الصحة العامة، قبل أن يدخل المعترك السياسي. ومع ذلك، وجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن أبسط حقوقه: حقه في أن يكون أميركياً كاملاً، من دون أن يُطلب منه إثبات ولائه بسبب اسمه العربي أو عقيدته الإسلامية.

لقد تجاوزت هجمات ترمب حدود المنافسة السياسية المعتادة. فعندما يصف رئيس الولايات المتحدة مرشحاً لمجلس الشيوخ بأنه جهادي، ويربطه بالإرهاب، ويثير الشكوك حول ولائه، فإنه لا يهاجم شخصاً فحسب، بل يبعث برسالة إلى ملايين الأميركيين المسلمين والعرب مفادها أن هويتهم قد تتحول إلى تهمة انتخابية متى اقتضت المصالح السياسية ذلك.

والأخطر أن الاتهامات لم تقتصر على ترمب. فقد انخرط عدد من الجمهوريين في حملة مماثلة، بمن فيهم السيناتور تيد كروز، الذي استخدم أوصافاً ساخرة ومهينة للسيد، بينما حاول روجرز تصويره باعتباره مرتبطاً بجماعات متطرفة، من دون تقديم أدلة موثوقة تثبت تلك المزاعم. وقد خلصت مؤسسة «بوليتي فاكت» إلى أن وصف ترمب للسيد بالجهادي لا يستند إلى وقائع، مؤكدة أنه لم يدعُ إلى استخدام العنف لنشر الإسلام، وأنه ليس عضواً في جماعة الإخوان المسلمين.

صناديق الاقتراع ترد على خطاب التخويف

لم يكن رد السيد على هذه الهجمات قائماً على الانكفاء أو الاعتذار عن هويته، بل على مواجهة الاتهامات والتأكيد أن انتماءه الديني لا يتعارض مع مواطنته الأميركية. وفي واحدة من أكثر لحظات حملته دلالة، واجه تهديدات ترمب بالسخرية من محاولات تشويه اسمه، قائلاً إنه لا يمانع أن يناديه الرئيس باسمه الكامل، لأنه يستطيع ببساطة أن يناديه «سيناتور» بعد الانتخابات.

وقد تحولت هذه العبارة إلى رسالة انتخابية اختصرت جوهر المعركة: ليس المطلوب من السيد أن يثبت أنه أميركي، بل أن يثبت الناخبون أن الديمقراطية الأميركية لا تزال قادرة على حماية حق مواطنيها في الترشح والانتخاب، بصرف النظر عن أصولهم وأديانهم.

ومن هنا، فإن النتيجة تحمل أهمية تتجاوز ميشيغان. فالسيد لا يدخل مجلس الشيوخ بصفته أول مسلم أميركي يصل إلى هذا الموقع فحسب، بل باعتباره مرشحاً رفض أن يسمح لخصومه باختزال هويته في صورة نمطية عن الإرهاب والتطرف. وإذا استكملت النتائج النهائية تأكيد فوزه، فسيكون أول مسلم ينتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، في سابقة تاريخية للمؤسسة التشريعية الأميركية.

هزيمة ترمب ورسائلها إلى الحزب الجمهوري

لا يمكن فصل انتصار السيد عن التدخل المباشر لترمب في السباق. فالرئيس لم يكتف بتأييد روجرز، بل جعل من إسقاط السيد قضية شخصية، ورفع مستوى المواجهة إلى خطاب تخويف أمني وديني، وكأن الناخبين أمام استفتاء على هوية المرشح لا على كفاءته وبرنامجه.

لكن النتيجة جاءت معاكسة لما أراده البيت الأبيض. فبدلاً من أن تؤدي الهجمات إلى عزل السيد سياسياً، ساهمت في تحويله إلى رمز لمواجهة العنصرية والتمييز الديني. كما أظهرت أن الناخب الأميركي، حتى في ولاية تنافسية مثل ميشيغان، ليس بالضرورة مستعداً لقبول الخطاب الذي يستبدل النقاش حول الاقتصاد والرعاية الصحية والحقوق الاجتماعية باتهامات الولاء والتطرف.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ضوء مواقف السيد السياسية، بما فيها دعوته إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية، ومناهضة نفوذ المال في الانتخابات، وإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل. فقد خاض معركة لم تكن سهلة، في مواجهة الجمهوريين ومصالح سياسية ومالية واسعة، فضلاً عن الانقسامات داخل المؤسسة الديمقراطية نفسها.

كما أن تأييد النائبة الديمقراطية هيلي ستيفنز لمنافسه الجمهوري أثار غضباً داخل القاعدة الديمقراطية، وأبرز حجم الانقسام الذي أحاط بترشيحه. ومع ذلك، استطاع السيد تجاوز هذه العقبات وتحويل حملته إلى اختبار حقيقي لقدرة التيار التقدمي على فرض حضوره في ولاية حاسمة انتخابياً.

العنصرية التي ارتدت ثوب الأمن القومي

تكشف هذه الانتخابات أن الإسلاموفوبيا لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية هامشية، بل أصبحت أداة سياسية يستخدمها بعض قادة الحزب الجمهوري لتعبئة الناخبين وصناعة أعداء انتخابيين. وعندما يعجز الخصم عن مواجهة برنامج منافسه بالحجج، يصبح الدين والأصل العرقي وسيلة للتشويه. غير أن فوز السيد يثبت أن هذه الاستراتيجية ليست مضمونة النتائج، وأن قطاعاً مهماً من الأميركيين يرفض تحويل الاختلاف الديني إلى شبهة وطنية. إنها رسالة واضحة بأن المواطنة لا تُقاس بالاسم أو العقيدة أو لون البشرة.

انتصار يتجاوز حدود ميشيغان

يحمل فوز عبد الرحمن السيد أهمية تاريخية للجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، لأنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المشاركة السياسية والتمثيل المباشر في أعلى المؤسسات التشريعية. لقد حاول خصومه تقديمه باعتباره غريباً عن المجتمع الأميركي، لكن صناديق الاقتراع قالت العكس. فالأميركيون من أصول عربية وإسلامية ليسوا مجرد كتل انتخابية يمكن استمالتها أو تخويفها، وإنما مواطنون يملكون الحق الكامل في قيادة بلادهم وصناعة سياساتها. وهذا الانتصار قد يشجع أجيالاً جديدة على دخول الحياة السياسية بثقة أكبر.

ترمب أمام حدود سلطته السياسية

ربما تكون الرسالة الأكثر إحراجاً لترمب أن تدخله الشخصي، واستخدامه لغة التخوين والتطرف، لم يمنحا مرشحه الجمهوري الفوز الذي أراده. فالرئيس الذي اعتاد تصوير خصومه باعتبارهم تهديداً وجودياً للولايات المتحدة اكتشف أن الناخبين يستطيعون رفض هذا الخطاب، حتى عندما يصدر عن أعلى سلطة في البلاد. ولا تعني نتيجة ميشيغان نهاية العنصرية السياسية أو الإسلاموفوبيا، لكنها تمثل انتكاسة مهمة لمحاولات توظيفهما انتخابياً. والأهم أنها تذكير بأن الرئاسة لا تمنح صاحبها حق تحديد من يستحق أن يكون أميركياً.

الخلاصة: لم ينتصر عبد الرحمن السيد على مايك روجرز وحده؛ لقد انتصر على محاولة إخراجه من دائرة المواطنة الأميركية بسبب دينه وأصوله. وفي بلد تأسس دستورياً على مبدأ المساواة، تبدو هذه النتيجة أكثر من مجرد انتصار انتخابي: إنها اختبار جديد لقدرة الديمقراطية الأميركية على حماية نفسها من العنصرية التي تتسلل إلى خطاب السلطة.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *