ديمقراطيون في الكونغرس يطالبون إدارة ترمب بكشف تفاصيل “مجلس السلام” وخطط نشر قوة دولية في غزة
واشنطن – سعيد عريقات – 2/7/2026
وجّه عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي، بينهم النائبات رشيدة طليب، وإلهان عمر، وآيانا بريسلي، وسمر لي، إلى جانب مجموعة من النواب الديمقراطيين، رسالة رسمية إلى وزير الخارجية ماركو روبيو الثلاثاء، طالبوا فيها الإدارة الأميركية بتقديم إيضاحات عاجلة بشأن ما يُعرف بـ”مجلس السلام”، محذرين من أن خطط نشر “قوة دولية لتحقيق الاستقرار” في قطاع غزة قد تترتب عليها تداعيات دستورية وقانونية وإنسانية خطيرة.
وأكد النواب في رسالتهم أن نشر قوات مدعومة من الولايات المتحدة في وقت تواصل فيه إسرائيل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، وتوسيع عملياتها العسكرية، وعرقلة دخول المساعدات الإنسانية، لا يمكن اعتباره مهمة لتحقيق الاستقرار، بل يمثل ــ بحسب وصفهم ــ نشاطاً عسكرياً أميركياً على أرض أجنبية جرى من دون تفويض من الكونغرس، وفي منطقة اعتبرت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي لها غير قانوني، الأمر الذي قد يعرض الولايات المتحدة والدول المشاركة لمسؤوليات قانونية دولية تتعلق بالتواطؤ في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأشار الموقعون إلى أن الكونغرس لم يتلق حتى الآن إجابات واضحة حول الأساس القانوني لإنشاء “مجلس السلام”، الذي أُسس من دون تشريع أو مخصصات مالية من الكونغرس، ويضم شخصيات وصفوها بأنها متهمة بارتكاب جرائم حرب أو تمثل أنظمة استبدادية، كما يعمل خارج الأطر الدولية التقليدية.
وانتقدت الرسالة الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس دونالد ترمب داخل المجلس، إذ يشغل منصب رئيسه مدى الحياة بصفته الشخصية، وليس بصفته رئيساً للولايات المتحدة، ويتمتع بحق النقض المطلق على جميع القرارات. واعتبر النواب أن منح المجلس صفة “منظمة دولية عامة” وما يرافقها من امتيازات وحصانات، رغم خضوعه لسيطرة شخصية واحدة، يثير أسئلة دستورية وقانونية عميقة بشأن شرعية هذه الخطوة.
كما أعرب أعضاء الكونغرس عن قلقهم من فرض رسم عضوية يبلغ مليار دولار للدول الراغبة في الانضمام إلى المجلس، معتبرين أن ذلك يمنح حكومات ثرية أو سلطوية نفوذاً على مستقبل الفلسطينيين من دون موافقتهم، ويحول المجلس إلى مؤسسة تقوم على النفوذ المالي أكثر من التزامها بالقانون الدولي أو تخفيف معاناة المدنيين.
واتهم النواب المجلس بالفشل في إثبات استقلاليته أو نزاهته، مشيرين إلى مخاوف من أن يتحول إلى منصة لإبرام صفقات عقارية واستثمارات بمليارات الدولارات لصالح عائلة ترمب وحلفائه، بدلاً من التركيز على إعادة إعمار غزة وتحقيق السلام.
وتطرقت الرسالة إلى الخطط الخاصة بنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، معتبرة أن الإدارة الأميركية استخدمت قراراً صادراً عن مجلس الأمن الدولي لمنح المجلس شرعية لا تتوافق مع التفويض الأصلي الذي اقتصر على إدارة انتقالية لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار، بينما توسع ميثاق المجلس، الذي أُقر لاحقاً، إلى صلاحيات أوسع بكثير.
وأشار النواب إلى تصريحات الممثل الأعلى للمجلس بشأن غزة، التي أكد فيها أن الحرب لم تنته بالنسبة للفلسطينيين، وأن إسرائيل ما زالت تنتهك وقف إطلاق النار، في الوقت الذي يعتزم فيه المجلس نشر قواته في مناطق لا تخضع لسيطرة حركة حماس. ورأوا أن أي عمليات من هذا النوع ستتحول عملياً إلى عمليات عسكرية، وليست مهام حفظ سلام.
كما حذرت الرسالة من أن قرار الرئيس ترمب اعتبار المجلس مؤهلاً للحصول على أسلحة وخدمات دفاعية أميركية يعني أن قائداً عسكرياً أميركياً قد يشرف على قوات أجنبية مزودة بأسلحة أميركية، وهو ما وصفه النواب بأنه نشاط عسكري أميركي مباشر في الخارج جرى من دون موافقة الكونغرس، وبما يتعارض مع الدستور الأميركي.
ولفت الموقعون إلى أن إسرائيل لم تبد أي استعداد للانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها داخل قطاع غزة، بل أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه توسيع السيطرة العسكرية لتشمل نحو 70 في المئة من مساحة القطاع، الأمر الذي يجعل أي قوة دولية تعمل بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي عرضة لشبهات قانونية، خصوصاً في ضوء رأي محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وتحذيراتها من احتمال وقوع انتهاكات لاتفاقية منع الإبادة الجماعية.
وأكد النواب أن استمرار نقل الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل، بالتوازي مع أي مشاركة أميركية في هذه العمليات، قد يعرّض الولايات المتحدة وشركاءها لمسؤوليات قانونية بموجب القانونين الأميركي والدولي.
وطالب أعضاء الكونغرس وزارة الخارجية بالرد على سبعة عشر سؤالاً تفصيلياً قبل الخامس عشر من تموز المقبل، تتناول الأساس القانوني لمجلس السلام، وآليات تمويله، والرقابة على أمواله، ومصادر التبرعات، والاتفاقيات الموقعة مع الدول المانحة، وخطط نشر القوة الدولية، واحتمال الاستعانة بشركات أمنية خاصة، ومصير الأسلحة الأميركية التي قد تُسلَّم لهذه القوات، إضافة إلى موقف الإدارة من استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية.
كما طالبوا الإدارة بالكشف عما إذا كانت لديها خطط لتقسيم قطاع غزة أو فرض ترتيبات جغرافية جديدة تحد من حرية حركة الفلسطينيين، أو السيطرة على أراضٍ داخل القطاع، فضلاً عن توضيح رؤيتها لنقل إدارة غزة مستقبلاً إلى حكومة فلسطينية شرعية تتولى مسؤولية كل من غزة والضفة الغربية.
واختتم النواب رسالتهم بالتأكيد أن الكونغرس لم يوافق على إنشاء “مجلس السلام”، ولم يخصص له أي تمويل، ولن يقبل، بحسب تعبيرهم، بأن تُستخدم الموارد الأميركية أو تُعرَّض مصداقية الولايات المتحدة الدولية لخدمة هذا الكيان من دون رقابة أو مساءلة دستورية.
ولا تقتصر رسالة أعضاء الكونغرس على الاعتراض على سياسة إدارة ترمب في غزة، بل تعكس أيضاً صراعاً دستورياً أوسع حول حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الخارجية. فالنواب يرون أن إنشاء “مجلس السلام” ومنحه صلاحيات واسعة، مع إمكانية نشر قوات مدعومة أميركياً وتسليحها، يمثل تجاوزاً واضحاً لدور الكونغرس في إقرار الإنفاق والتفويض باستخدام القوة العسكرية. ومن شأن هذا الخلاف أن يفتح مواجهة سياسية وقضائية قد تعيد طرح الأسئلة التقليدية حول توازن السلطات في النظام السياسي الأميركي.
وتعكس الرسالة إدراكاً متزايداً داخل الكونغرس للمخاطر القانونية المترتبة على استمرار الدعم الأميركي للسياسات الإسرائيلية في غزة. فالاستناد إلى رأي محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال واحتمال وقوع انتهاكات لاتفاقية منع الإبادة الجماعية يمنح معارضي الإدارة أرضية قانونية لمساءلة أي مشاركة أميركية في ترتيبات أمنية داخل القطاع. وإذا مضت واشنطن في هذه الخطط، فقد تواجه ضغوطاً متزايدة من منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية، فضلاً عن اتساع دائرة الانتقادات من الحلفاء الأوروبيين.
كما تكشف الرسالة أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول آليات إعادة إعمار غزة، بل حول الجهة التي ستملك السلطة السياسية والأمنية فيها بعد الحرب. فالمعارضون لـ”مجلس السلام” يخشون أن يتحول إلى إطار يكرّس واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً يخدم الاحتلال أكثر مما يمهد لقيام إدارة فلسطينية مستقلة. ولذلك ركز النواب على ضرورة تحديد خطة واضحة لنقل السلطة إلى حكومة فلسطينية شرعية، محذرين من أن أي ترتيبات انتقالية تفتقر إلى الشرعية الفلسطينية والدولية ستؤسس لجولة جديدة من عدم الاستقرار والصراع.
