ترمب يواجه غضب «الكونغرس» من تخفيف عقوبات روسيا
تصاعدت المواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأعضاء في «الكونغرس» من حزبه، بعدما هدد مشرعون بعرقلة تمويل إضافي لـ«البنتاغون» بقيمة لا تقل عن 350 مليار دولار، ما لم تتراجع الإدارة عن تخفيف العقوبات على روسيا وتعيد دعمها العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا. وجاء التهديد في أحدث حلقات الغضب الذي أثاره قرار ترمب تعليق عقوبات جديدة على موسكو، واتفاق لشراء الديزل الروسي بهدف خفض أسعار الوقود، وسط اعتراضات جمهورية وديمقراطية تحذر من أن هذه السياسة تمنح الرئيس فلاديمير بوتين موارد إضافية لمواصلة الحرب.
وتكتسب التهديدات أهمية خاصة لأن وزير الدفاع بيت هيغسيث يسعى إلى إقرار حزمة الإنفاق العسكري خلال الدورة التشريعية التي تعقب انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ضمن خطة أوسع لرفع ميزانية الدفاع إلى 1.5 تريليون دولار.
ويعتزم «البنتاغون» الدفع بحزمة إنفاق إضافية لا تقل عن 350 مليار دولار، تشمل 47 مليار دولار لتوسيع إنتاج الذخائر، و17 ملياراً لمنظومة القبة الذهبية للدفاع الصاروخي، إضافة إلى استثمارات في الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية. لكن تمرير هذه الحزمة قد يصبح رهينة الخلاف بشأن روسيا، في وقت يشير فيه المحللون إلى أن تهديدات المشرعين تستهدف دفع الرئيس ترمب إلى التراجع عن هذا القرار إذا أراد تمرير أولوياته التشريعية.

وجاءت الأزمة عقب توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً يمنح إعفاءات من عقوبات ورسوم جمركية أقرها «الكونغرس» بموجب قانون يحمل اسم السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، ويستهدف تشديد الضغوط الاقتصادية على موسكو والدول المستوردة للطاقة الروسية. واستند الرئيس إلى صلاحيات تتيح له منح إعفاءات لأسباب تتعلق بالمصلحة القومية الأميركية، دون إلغاء جميع العقوبات السابقة المفروضة على روسيا. وتحدث ترمب عن كميات أولية تتجاوز 300 ألف طن متري، في محاولة لتهدئة الأسواق وتخفيف الأعباء على المستهلك الأميركي.
تهديد مباشر لأجندة ترمب
كان النائب الجمهوري دون بيكون، عضو لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، من أشد المنتقدين، محذراً من أن الأجندة التشريعية للإدارة خلال ما تبقى من دورة «الكونغرس» قد تتوقف ما لم تغير سياستها تجاه روسيا وأوكرانيا. واتهم بيكون الإدارة بأن تقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف وتقييد وصولها إلى أنظمة الأقمار الاصطناعية، يساعدان الطرف المعتدي. كذلك، حذر النائب الجمهوري برايان فيتزباتريك من عواقب إذا لم تستعد أوكرانيا إمكان الوصول إلى تقنيات الأقمار الاصطناعية التي فُرضت عليها قيود أميركية. وأكد أن الوكالات الحكومية لن تحصل على التمويل إذا لم تؤدِّ واجباتها.
ووصفت السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، قرار ترمب بتخفيف العقوبات على روسيا بأنه «سوء تقدير فادح»، محذرة من أن بوتين يسعى إلى إضعاف الغرب، وأن تخفيف العقوبات يمنحه مكاسب استراتيجية في وقت تنبغي فيه زيادة الضغوط عليه. وانضم إليها السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي قال لشبكة «فوكس نيوز» إنه يتفهم رغبة ترمب في خفض أسعار البنزين والديزل، لكنه يعتبر القرار خطأً، مؤكداً أنه سيطلب من الرئيس عدم تعليق العقوبات.
أما السيناتور الجمهوري توم تيليس، فوصف الخطوة بأنها «تتجاوز حدود اللامسؤولية»، متسائلاً عن أسباب تعطيل تنفيذ قانون أقره مجلس الشيوخ بأغلبية 86 صوتاً مقابل 11. واتهم الإدارة بـ«تقديم تنازلات لديكتاتور روسي يواصل حربه ضد أوكرانيا».
واتسعت دائرة الاعتراضات بانضمام السيناتور الجمهوري ريك سكوت، كما وجّه 12 سيناتوراً من الحزبين، بينهم الجمهوريون ميتش ماكونيل وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي وجون كورنين وتوم تيليس، رسالة إلى ترمب تطالبه بإلغاء اتفاق الديزل الروسي وتطبيق العقوبات الجديدة. وحذر الموقعون من أن السماح لموسكو بتسويق وقودها يضر بالمصالح الأمنية الأميركية ويوفر إيرادات لـ«الكرملين».
مكافأة لبوتين
في المعسكر الديمقراطي، اتهم السيناتور ريتشارد بلومنثال، أحد المشاركين في صياغة قانون العقوبات، ترمب بتقويض إرادة «الكونغرس» والتخلي عن الحلفاء الأوروبيين، معتبراً أن الإعفاءات لا تخدم الأمن القومي الأميركي، بل تمثل استرضاءً لبوتين. وانضمت السيناتورة إليزابيث وارن إلى المنتقدين، فيما وصف النائب الديمقراطي دون باير، القرار، بأنه تحدٍّ مباشر لإرادة المشرعين وتقويض للدعم الأميركي لأوكرانيا. وذهب النائب الديمقراطي غريغوري ميكس إلى التحرك تشريعياً، مقدماً مشروع قانون لمنع تنفيذ اتفاق الديزل الروسي، في محاولة لوقف ما يعدّه الديمقراطيون تخفيفاً للضغوط الاقتصادية على موسكو في توقيت حساس.
وقد رحبت الأوساط الروسية بالقرار، ووصفت الخطوة بأنها لحظة تاريخية، تفتح المجال لتخفيف القيود الاقتصادية وتوسيع التعاون في مجال الطاقة. وفي المقابل، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من أن تخفيف العقوبات يشجع روسيا على مواصلة هجماتها، مؤكداً أن القرار يصب في مصلحة موسكو وحدها، وقد يمهد لإعفاءات إضافية تقوض سياسة الضغط الغربية.
ويرى المحللون أن قرار ترمب التوصل إلى تفاهم مع بوتين لزيادة إمدادات الديزل الروسي إلى الأسواق العالمية، يعدّ محاولة لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن الحرب مع إيران واضطرابات أسواق الطاقة، قبل انتخابات التجديد النصفي لـ«الكونغرس» في 3 نوفمبر، غير أن منتقديه يشككون في قدرة هذه الإمدادات على تحقيق انخفاض ملموس في الأسعار خلال فترة الأسبوعين المتبقية على الاقتراع، ويحذرون من أن المكاسب الاقتصادية المحتملة لا تبرر التنازلات السياسية لموسكو.
هل يتراجع ترمب؟

أمام تصاعد الغضب، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو، أن الإدارة ستستفيد من مهلة تصل إلى 60 يوماً لدراسة التأثيرات الاقتصادية للعقوبات والرسوم الجمركية، خصوصاً على الدول المستوردة للطاقة الروسية، ومنها الهند. ويقول المحللون إن المهلة التي يتحدث عنها وزير الخارجية الأميركي، لا تعني التزاماً بإعادة فرض العقوبات تلقائياً، كما أن عطلة «الكونغرس» حتى ما بعد الانتخابات تحدّ من قدرة المشرعين على اتخاذ إجراءات فورية، رغم اتساع المعارضة داخل الحزبين.
من جانبه، دافع ترمب عن قراره، مؤكداً أنه سيكون جيداً للولايات المتحدة والعالم، دون أن يقدم تعهداً بالتراجع. ويرجح المحللون أن يكون استمرار الإعفاءات الاحتمال الأقرب، مع إبقاء خيار تعديلها أو إعادة العقوبات باعتبارها ورقة تفاوضية مع موسكو، فإذا فشلت إمدادات الديزل في خفض الأسعار، واستمرت روسيا في تصعيد حربها، فقد تتزايد الضغوط الجمهورية والديمقراطية بعد عودة «الكونغرس» للانعقاد.
ويقول المحللون إن ترمب يواجه معادلة سياسية صعبة؛ فالتراجع قد يظهره خاضعاً لضغوط المشرعين، بينما التمسك بالقرار يهدد بتوسيع الانقسام داخل حزبه، ومنح الديمقراطيين سلاحاً انتخابياً جديداً.
