واشنطن تعود إلى التصعيد العسكري ضد إيران… وترمب يوازن بين الحرب والدبلوماسية
سعيد عريقات
واشنطن – سعيد عريقات – 30/7/2026
أعادت الولايات المتحدة فتح جبهة المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنفيذ ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية مساء الأربعاء، في خطوة وصفتها بأنها “رد قوي” على محاولات طهران استهداف القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط. ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس خيارات عسكرية أوسع قد تتجاوز سياسة الضربات المحدودة، وسط نقاش داخلي بين مؤيدي التصعيد وأنصار الإبقاء على هامش يسمح باستمرار المسار الدبلوماسي.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، في بيان نشرته عبر منصة “إكس”، أن القوات الأميركية بدأت تنفيذ ضرباتها عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، مؤكدة أن العملية جاءت رداً مباشراً على محاولات الهجوم الإيرانية التي استهدفت القوات الأميركية في المنطقة خلال الساعات السابقة. وأوضحت أن الضربات تهدف إلى توجيه رسالة ردع واضحة إلى طهران، مفادها أن أي استهداف للقوات الأميركية سيقابل برد عسكري سريع ومؤلم.
وجاء الإعلان العسكري بعد ساعات من تصريحات للرئيس دونالد ترمب توعد فيها إيران برد “قوي جداً” عقب الهجوم الصاروخي الذي استهدف قوات أميركية في الأردن، معتبراً أن طهران تجاوزت الخطوط التي رسمتها واشنطن منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الأخيرة بين الجانبين. وتعكس هذه التصريحات تحولاً واضحاً في لهجة الإدارة الأميركية، بعدما كانت تؤكد خلال الأسابيع الماضية أنها لا ترغب في العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وفي موازاة الإعلان عن الضربات، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن ترمب يدرس مجموعة من الخيارات العسكرية الجديدة، من بينها خطة أعدها قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، تقضي بشن حملة جوية واسعة تستمر ما بين عشرة وأربعة عشر يوماً، بهدف إضعاف البرنامج الصاروخي الإيراني وتقليص قدرة طهران على تنفيذ هجمات ضد القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة.
وبحسب الصحيفة، فإن ترمب ناقش هذه الخيارات خلال اجتماع عقد الأسبوع الماضي على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس وان”، بحضور رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والأميرال براد كوبر، وذلك عقب مشاركتهم في مراسم نقل جثامين أربعة جنود أميركيين قتلوا خلال الحرب الأخيرة مع إيران، وهو ما أضفى على الاجتماع بعداً سياسياً وعسكرياً ورمزياً في آن واحد.
وتقوم الخطة التي عرضها الأميرال كوبر على تنفيذ ضربات جوية مكثفة ضد مواقع إنتاج وتخزين وإطلاق الصواريخ الإيرانية، بهدف إحداث تراجع ملموس في قدرة إيران على مواصلة استهداف القوات الأميركية أو حلفاء واشنطن في المنطقة. ويرى كوبر، وفقاً للتقرير، أن سياسة الردود المحدودة لم تحقق مستوى الردع المطلوب، وأن استعادة زمام المبادرة تستلزم عملية عسكرية أوسع وأكثر كثافة.
في المقابل، تبدي قيادات عسكرية أخرى قدراً أكبر من الحذر. فقد نقلت الصحيفة أن الجنرال دان كين حذر من أن العودة إلى حرب واسعة قد تفرض ضغوطاً إضافية على مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، التي تُستخدم في حماية القواعد الأميركية والقوات المنتشرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن حماية الحلفاء في مناطق أخرى من العالم. ومع ذلك، فإنه لا يستبعد اللجوء إلى القوة إذا اعتُبر ذلك ضرورياً لحماية القوات الأميركية.
ولا يقتصر النقاش داخل الإدارة الأميركية على البعد العسكري فحسب، بل يمتد إلى الحسابات السياسية والاستراتيجية الأوسع. فبينما يواصل ترمب إطلاق تهديدات شديدة اللهجة تجاه إيران، فإنه يحرص في الوقت نفسه على إبقاء الباب مفتوحاً أمام الاتصالات السياسية، إذ قال في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”: “سنضربهم بقوة شديدة”، قبل أن يضيف أن الولايات المتحدة “ستتركهم يواصلون الحديث”، في إشارة تعكس استمرار الرهان على إمكانية استئناف الحوار إذا تراجعت إيران عن هجماتها.
وتزامنت هذه التطورات مع تحركات سياسية وعسكرية لافتة بين واشنطن وتل أبيب، إذ أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التقى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بعد يوم واحد من اجتماعه بالرئيس دونالد ترمب، وسط تقديرات بأن إسرائيل قد تشارك بصورة مباشرة في أي حملة عسكرية أميركية واسعة إذا قررت واشنطن الانتقال من سياسة الردود المحدودة إلى عملية تستهدف البنية الصاروخية الإيرانية على نطاق واسع. ويعكس هذا التنسيق استمرار الترابط الوثيق بين الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في التعامل مع الملف الإيراني.
ووفقاً للصحيفة، فإن الأميرال براد كوبر كان يرى منذ اندلاع الحرب الأخيرة أن القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية يتطلب حملة أطول بكثير من تلك التي نُفذت قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار. وتشير تقديراته إلى أن العملية كانت تحتاج إلى ما لا يقل عن ستة أسابيع من العمليات الجوية المكثفة، إلا أن وقف إطلاق النار أنهى القتال قبل أن تتمكن القوات الأميركية والإسرائيلية من تنفيذ جميع الأهداف التي كانت مدرجة في الخطط العسكرية.
ورغم إعلان وزير الدفاع الأميركي، عقب انتهاء الحرب، أن البرنامج الصاروخي الإيراني “دُمّر عملياً”، فإن التقييمات الاستخباراتية اللاحقة رسمت صورة أكثر تعقيداً. فقد أظهرت المعلومات أن إيران احتفظت بجزء مهم من قدراتها الصاروخية، وهو ما أكده الرئيس ترمب نفسه عندما قال إن طهران ما زالت تمتلك ما بين 21 و22 في المئة من ترسانتها الصاروخية، فيما رجحت تقديرات استخباراتية أخرى أن النسبة الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بكثير.
وتعززت هذه التقديرات بعد الهجمات الإيرانية الأخيرة، التي أظهرت استمرار قدرة طهران على إطلاق صواريخ باليستية واستهداف مواقع عسكرية أميركية في المنطقة. فقد سبقت الضربة الأخيرة هجمات أخرى، بينها الهجوم الذي أدى إلى مقتل جنود أميركيين في قاعدة بالأردن، الأمر الذي دفع دوائر عسكرية في واشنطن إلى إعادة تقييم حجم الضرر الذي لحق بالقدرات الصاروخية الإيرانية خلال الحرب السابقة.
وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن إيران نجحت خلال الأشهر الماضية في إعادة تشغيل عدد من منصات إطلاق الصواريخ المحصنة تحت الأرض، كما طورت تكتيكات تشغيلية جديدة تهدف إلى تقليل فاعلية أنظمة الدفاع الجوي الأميركية، وهو ما يفسر استمرار قدرتها على تنفيذ هجمات صاروخية رغم الضربات المكثفة التي تعرضت لها سابقاً.
وفي ضوء هذه التطورات، لا يقتصر الجدل داخل الإدارة الأميركية على حجم الرد العسكري، وإنما يمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع الضربات الجوية وحدها تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المرجوة؟ فبينما يرى مؤيدو التصعيد أن توسيع العمليات أصبح ضرورة لاستعادة الردع، يحذر آخرون من أن أي حملة طويلة قد تفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع، وتدفع إيران إلى توسيع دائرة الرد لتشمل قواعد أميركية إضافية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، بما يحول الاشتباك الحالي إلى حرب استنزاف مفتوحة يصعب التحكم بمسارها أو تحديد سقفها الزمني.
وتكشف هذه التطورات أن الإدارة الأميركية تواجه معضلة استراتيجية معقدة بين المحافظة على قوة الردع وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. فالضربات المحدودة أثبتت أنها لا تمنع إيران من مواصلة هجماتها، بينما يحمل التصعيد الواسع مخاطر استنزاف عسكري وسياسي واقتصادي يصعب احتواؤها. لذلك تبدو واشنطن عالقة بين خيارين أحلاهما مر: الاكتفاء بردود لا تحقق الردع الكامل، أو خوض حملة طويلة قد تتجاوز أهدافها الأصلية وتؤدي إلى توسع المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، مع ما يرافق ذلك من تداعيات على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
كما يعكس الجدل داخل المؤسسة العسكرية الأميركية اختلافاً في تقييم طبيعة التهديد الإيراني أكثر مما يعكس خلافاً حول ضرورة الرد. فأنصار التصعيد يعتبرون أن استمرار امتلاك إيران لقدرات صاروخية فعالة يعني أن الحرب السابقة لم تحقق أهدافها بالكامل، بينما يرى الفريق الأكثر تحفظاً أن أي حملة جديدة قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا دفعت طهران إلى اعتماد أساليب أكثر تعقيداً في إدارة المواجهة. وهذا الانقسام يعكس إدراكاً متزايداً بأن التفوق الجوي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإحداث تغيير استراتيجي دائم في موازين القوة.
أما البعد السياسي، فيظل عاملاً حاسماً في رسم مسار الأزمة. فترمب يحاول الجمع بين خطاب القوة وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، بما يمنحه هامشاً للمناورة داخلياً وخارجياً. غير أن استمرار التنسيق الوثيق مع إسرائيل، واحتمال مشاركتها في أي حملة عسكرية واسعة، قد يجعل فرص احتواء التصعيد أكثر صعوبة، إذ تنظر طهران إلى أي عمل عسكري مشترك باعتباره مواجهة واحدة متعددة الجبهات. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة قد تحدد ليس فقط مستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية، بل أيضاً شكل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة..
