مواضيع رئيسية واسئلة رئاسية
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
ناصر قنديل
لم يختر رئيس الجمهورية جوزف عون، في لقائه مع نقابتي المحامين، أن يكتفي بالدفاع عن صيغة اتفاق 26 حزيران، بل اختار أن يحول الاعتراضات المثارة حوله إلى ستة أسئلة حاول اعطائها نوعا من المشروعية القانونية مستفيدا من طبيعة الحضور، في أول مطالعة شاملة بعد الاتفاق اعتبر أنها تختصر جوهر النقاش. وقد بدأ من معنى السيادة، سائلاً إن كانت تعني شيئا غير أن تتخذ الدولة قرارها الخاص بصورة مستقلة بنفسها وأن يفاوض لبنان عن نفسه لا أن يفاوض الآخرون نيابة عنه، ثم انتقل إلى سؤال البديل الذي يطرحه المعترضون إذا كانوا يرفضون صيغة الإطار مضيفا لقد جربنا الحرب ورأينا النتائج فلم لا نجرب التفاوض. وبعد ذلك توقف عند المادة 13 نافياً أن تكون قد أسقطت حق لبنان في ملاحقة إسرائيل، ثم رفض الاتهام بأن الصيغة تشرع الاحتلال، معتبراً أنها تتحدث عن انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة وعودة النازحين والأسرى. كما رأى أن موضوع حصر السلاح ليس جديداً لأنه وارد في اتفاق الطائف والدستور اللبناني، وختم بالرد على الاعتراض المتعلق بغياب الجدول الزمني للانسحاب، معتبراً أن صيغة الإطار ترسم المبادئ العامة، فيما تترك التفاصيل لاتفاق أمني لاحق. وهكذا نقل الرئيس النقاش إلى مجموعة من الأسئلة المحددة التي تستحق الوقوف عندها.
السؤال الأول الذي طرحه الرئيس يتعلق بالسيادة، وقد اختصرها بحق الدولة في اتخاذ قرارها المستقل والتفاوض بنفسها وعدم السماح لأي طرف آخر بالتفاوض نيابة عنها. غير أن هذا التعريف قاصر وغير دقيق ويحتاج الى التدقيق، لأن هذا بعض من مفهوم السيادة حول الجانب الاجرائي من البعد الذاتي لمفهوم السيادة، لكن على الصعيد الموضوعي يرتبط مفهوم السيادة بممارستها كاملة دون نقصان من جهة، وعدم منح أي قوة اجنبية خصوصا العدو الذي يحتل ويعتدي امتيازات على حساب السيادة، وإذا كان القرار المستقل نفسه مشوب بعيب نقصان الإرادة الحرة بمجرد وجود الاحتلال ما أوجب وفق كل المعايير القانونية اعتبار كل تفاوض تحت الاحتلال بمثابة إكراه، لا ينتج عنه إلا باطل لأنه مفسد بوجود الاحتلال، ولذلك نحت القرارات الأممية التي تعاملت مع قضايا مماثلة إلى التمسك بفرض الانسحاب الفوري والكامل للمحتل قبل أي تفاوض، وتقديم المرجعية الأممية راعيا للانسحاب ثم التفاوض، ضمانا للإرادة الحرة التي تعبر عن مفهوم السيادة، فإن الجانب الموضوعي للسيادة يفتح بدوره باباً لنقاش لا يقل أهمية، لأن ما تضمنه الاتفاق يقوم على قاعدة جوهرية تتكرر في كل مواده، قوامها القاء الموجبات المؤسسة لمسار الاتفاق على العاتق اللبناني، وهو صاحب الأرض، بينما تأتي الموجبات المقابلة المفترض بالاحتلال القيام بها مشروطة بقياس مدى موافقة الاحتلال على قيام لبنان بما طلب منه، بينما القاعدة الموضوعية للسيادة معاكسة، حيث على الاحتلال ان ينفذ ويقوم لبنان بتقدير سلامة التنفيذ للقيام بخطوة مقابلة، وما هو قائم في نص الاتفاق لا لبس ولا شبهة في كونه انتهاك صارخ للسيادة الوطنية اللبنانية، خصوصا لجهة ربط الانسحاب وعودة النازحين واعادة الاعمار بنجاح لبنان في انهاء ملف سلاح حزب الله، الذي لا يبيح كونه ملفا مستحقا بنظر السلطة اعتبار مشاركته مع الاحتلال كشرط لانسحابه ممكنا قانونا من دون الحاق الاذى بمفهوم السيادة والمساس العميق بالعناصر الي تقوم عليها السيادة.
ومن السيادة انتقل الرئيس إلى السؤال عن البديل للتفاوض، والسؤال الافتراضي الذكي الذي يكرره الرئيس مرارا مع حديثه عن التفاوض كخيار استراتيجي يفترض معسكرا مقابلا يقول لا للتفاوض، بينما الحقيقة هي أن الرئيس يعلم أن لبنان بقيادته تعامل مع اتفاق خرج من رحم التفاوض، هو اتفاق وقف النار في 2024، والانتقال الى التفاوض من جديد يستدعي من الرئاسة التي كانت تقود مسار تطبيق الاتفاق المنجز الذي ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري إعلان التمسك بتطبيق بنوده والإشادة بمضمونه، مصارحة اللبنانيين بالاعتراضات عيه التي تستدعي التفكير بالذهاب إلى التفاوض على اتفاق بديل، وبالتوازي السؤال، إذا كان معلوما أن الاحتلال لم ينفذ موجبات ذلك الاتفاق وان الضامن لذلك الاتفاق لم يقم بموجبات ضمانته، فما هي الضمانة بأن لا تتكرر التجربة ذاتها مع اتفاق جديد مع الاحتلال ومع الضامن، فلا الاتفاق ينفذ ولا الضامن يضمن، إلا إذا افترضنا أن الاحتلال سوف ينال في الاتفاق الجديد ما جعله لا ينفذ الاتفاق السابق وينفذ الاتفاق الجديد، وان الضامن سيصفق لتلبية تنازلات لبنانية تجعل ذلك ممكنا، خصوصا لجهة البقاء في الأرض بذريعة عدم اكتمال شروط الانسحاب؟ و الجواب المختصر على سؤال الرئيس عن البديل هو أن بديل التفاوض ببساطة هو التمسك بتطبيق اتفاق نتج عن تفاوض سابق.
توقف الرئيس مطولاً عند المادة 13، داعياً إلى قراءتها كما هي، ومؤكداً أنها لا تمنع لبنان أو اللبنانيين من مقاضاة إسرائيل، بل تعلق الإجراءات القانونية الرسمية إلى حين انتهاء المفاوضات، مع بقاء حق المتضررين والهيئات، ومنها نقابتا المحامين، في اللجوء إلى القضاء. والجواب على ما اشار اليه الرئيس هو ما نصت عليه مواد معاهدات جنيف خصوصا المواد 51 و52 و 131 و 148 من اتفاقيات 1949، ونظام روما الأساسي والقانون الدولي الإنساني العرفي، حيث لا إعفاء كلي او جزئي دائم أو مؤقت من الملاحقة القضائية، والتعليق الذي يتحدث عنه الرئيس حق محصور بجهتين هما مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة 16 من نظام روما الأساسي، وأي نص محلي، أو اتفاقية ثنائية، أو تعهد سياسي يمنح “إعفاءً من الملاحقة” لمرتكبي جرائم الحرب يُعتبر باطلًا بطلانًا مطلقًا بموجب المادة 148 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 17 من نظام روما.
في معرض رده على الاتهام بأن الصيغة شرعت الاحتلال، سأل الرئيس أين ورد في النص ما يضفي شرعية على الاحتلال، إذا كانت البنود تتحدث عن خروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة، وعودة النازحين و الأسرى والجثامين. والجواب في الاتفاق نفسه، بربط كل هذه العناوين والالتزامات بنزع سلاح المقاومة، بعيدا عن كون نزع السلاح بنظر السلطة حقا وطنيا ودستوريا لها، لكن جعل إنجازه شرطا للانسحاب وعودة النازحين واعادة الاعمار، يربط استعادة هذه الحقوق السيادية البائنة وإلزام الاحتلال بأدائها، بإرادة ثالثة ليست جزءا من الاتفاق، والشرط هنا محاط بظروف وتعقيدات وملابسات قد تعيق تحقيقه، أو تجعل إنجازه موضوعا للشك والطعن من جانب الاحتلال، الذي يملك وحده حق تقدير نسبة ودرجة الإنجاز قبل أن تستحق عليه موجبات الانسحاب وعودة النازحين واعادة الاعمار، ما يعني أن الاتفاق يمنح لاحلال صلاحية تقدير وجود أو عدم وجود شروط تفرض عليه الانسحاب، والبقاء في الأرض ومنع عودة النازحين ومنع اعادة الاعمار بداعي ان الشروط لم تكتمل، وهذه هي بالضبط شرعنة الاحتلال حرفيا.
عندما انتقل الرئيس إلى ملف السلاح، استند إلى اتفاق الطائف والدستور اللبناني، متسائلاً أين يكمن التنازل إذا كان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة منصوصاً عليه منذ عقود. إضافة لوروده في خطب القسم والبيان الوزاري، ولن نجادل في سائر البنود التي نص عليها اتفاق الطائف والدستور ولا تقل أهمية عن السلاح ولا تزال عالقة، ولا عن التزامات موازية في خطب القسم والبيان الوزاري ترتبط بالسلاح مثل الاستراتيجية الدفاعية والحوار حولها، وتسهيلا للنقاش نأخذ كلام الرئيس كما هو أساسا مقبولا، لنسأل لماذا لم يرد في القرار 1701 الذي يستعين به الرئيس دائما في السياق نفسه حول نزع السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية، أي الربط بين موجب الانسحاب على الاحتلال وبين إنجاز نزع السلاح، بل حدث العكس، حيث جاء موجب الانسحاب على الاحتلال فوري، وتلاه إنشاء منطقة يحصر فيها السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، ومن ثم فتح القرار بابا أسماه قضايا الحل المستدام يتناول قضايا الحدود بما فيها مزارع شبعا والسلاح واناط بالأمين العام للأمم المتحدة إجراء المشاورات اللازمة ثم اقتراح تصورات مناسبة، بعد انجاز مرحلة وقف الأعمال العدائية ومن ضمنها الانسحاب، والأمين العام السابق بان كي مون قدم مقترحا جعل فيه إنهاء وضع مزارع شبعا متقدما على بحث السلاح، مقترحا تسليمها لليونيفيل قبل أي حديث عن الترسيم لعدم استقامة إنجاز الترسيم في ظل الاحتلال.
ختم الرئيس رده بالاعتراض المتعلق بغياب الجدول الزمني للانسحاب، معتبراً أن صيغة الإطار تحدد المبادئ العامة، بينما تأتي التفاصيل في الاتفاق الأمني اللاحق، وهنا يبقى السؤال الأخير هل غاب عن الرئيس ان الجدول التنفيذي موجود لكن ليس كموجب على الاحتلال بل على لبنان، وأن الاحتلال يتولى فحص الأداء اللبناني انطلاقا من المناطق التجريبية وصولا الى نزع السلاح، وهو يتمادى اكثر فاكثر في الحديث عن صلاحية التدخل في قوام لجان التنسيق العسكري، و استطرادا قوام القوات التي تتولى المناطق المسماة تجريبية ، بما يوصف وفق تجربة السلطة الفلسطينية، وما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن الوضع في سورية مؤخرا، بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق معايير يضعها الاحتلال، فعن أي جدول زمني ننتظر الحديث؟
