مع انطلاق المونديال.. مبتورات أطراف بغزة يطاردن حلم كرة القدم

 مع انطلاق المونديال.. مبتورات أطراف بغزة يطاردن حلم كرة القدم

غزة/ محمد ماجد
بينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى مونديال 2026، تخوض مجموعة من الفتيات الفلسطينيات بقطاع غزة معركة من نوع آخر؛ إذ يسعين إلى شق طريقهن نحو الملاعب رغم إصابات خلّفتها حرب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل وغيرت حياتهن.
فعلى ملعب صغير مغطى بعشب صناعي بمدينة دير البلح (وسط) تتدرب فتيات مبتورات الأطراف مستندات إلى عكاكيزهن، يتبادلن التمريرات ويلاحقن الكرة وسط تشجيع مدرباتهن، في مشهد يجمع بين آثار الحرب والإصرار على تجاوزها.
تدريبات اللاعبات تجسد قصص نجاة من الحرب، إذ لم تدفعهن الإصابات إلى الابتعاد عن الرياضة، بل إلى التمسك بها بوصفها وسيلة لاستعادة حياتهن ومواصلة أحلامهن.

ولا تقتصر التدريبات على الجانب الرياضي، بل تشكل مساحة لاستعادة الثقة بالنفس وكسر العزلة، وإثبات أن فقدان أحد الأطراف لا يعني نهاية الحلم.
والخميس، انطلقت مباريات مونديال 2026 وتستمر حتى 19 يوليو/ تموز المقبل، وتستضيفها كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وبحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة في قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2025، سُجلت نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف خلال عامين من الإبادة الإسرائيلية، مشيرة إلى حاجة المصابين إلى برامج تأهيل “عاجلة وطويلة الأمد”.
ويعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني بقطاع غزة أوضاعا إنسانية كارثية، معظمهم نازحون فقدوا منازلهم جراء القصف الإسرائيلي، ويقيمون في خيام بالية تفتقر لوسائل التدفئة والمستلزمات الأساسية للحياة.
** روزان.. من فقدان الساق إلى مطاردة الحلم
ومن بين اللاعبات تبرز قصة الفلسطينية روزان خيرة (24 عاما) التي فقدت ساقها جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلتها بمدينة غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
تقول روزان في حديثها للأناضول إن القصف وقع ليلا أثناء وجود أفراد عائلتها داخل المنزل، مضيفة: “استيقظت على أصوات الصراخ والانفجارات، وحين حاولت النهوض لم أتمكن من الوقوف، وتحركت على ساق واحدة حتى وصلت إلى الصالون، وهناك اكتشفت أن ساقي بُترت”.
وقبل إصابتها، شاركت روزان في مسابقات للركض السريع وأحرزت عدة ميداليات، فيما رافقها حب الرياضة منذ طفولتها من خلال مرافقة والدها إلى الملاعب وممارسة الأنشطة الرياضية.
تؤكد أن الإصابة لم تنه طموحها الرياضي بل زادتها إصرارا على مواصلة مشوارها، مضيفة: “ربما ظن الاحتلال أن بتر ساقي سيوقفني، لكنه منحني دافعا أكبر لإثبات أن البتر ليس نهاية الحياة ولا الطموح”.
ورغم الأثر النفسي الذي خلفته الإصابة، تقول روزان إنها اختارت مواجهة واقعها الجديد وعدم الاستسلام له، معتبرة أن “الإصابة ليست نهاية الحلم، بل قد تفتح أبوابا جديدة”.
وتسعى الفتاة إلى المشاركة في بطولات عالمية ورفع علم فلسطين، وقد انضمت إلى فريق تابع لجمعية فلسطين لكرة القدم البتر، يضم فتيات يمارسن كرة القدم ويعد من أوائل فرق كرة قدم البتر للفتيات في فلسطين.
وتشير إلى أن الفريق كان يطمح للمشاركة في بطولات دولية هذا العام، إلا أن الحرب والقيود المفروضة على قطاع غزة حالت دون ذلك.
وتضيف: “نأمل أن نتمكن من المشاركة في المسابقات الدولية العام المقبل، وأن نمثل فلسطين بصورة مشرفة”.
وتؤكد أن طموح اللاعبات لا يقتصر على المنافسة الرياضية، بل يمتد إلى الاندماج في المشهد الرياضي العالمي أسوة ببقية الرياضيين.
روزان تشير إلى أن الحرب حرمتها وزميلاتها من المشاركة في الفعاليات الدولية ومتابعة أحداث كبرى مثل كأس العالم عن قرب، رغم تطلعهن إلى خوض تلك التجربة مستقبلا.
وتأتي طموحات اللاعبة في وقت يواجه فيه القطاع الرياضي في غزة تحديات غير مسبوقة جراء الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد تعرضت منشآت وملاعب ومراكز رياضية لأضرار واسعة أو دُمرت بالكامل، فيما أدت القيود المفروضة على حركة التنقل والسفر إلى حرمان الرياضيين من المشاركة في البطولات والمعسكرات الخارجية.
كما تسببت ظروف النزوح المتكررة وتدهور الأوضاع الإنسانية في تعطيل الأنشطة الرياضية والتدريبات المنتظمة، ما ضاعف من الصعوبات التي تواجه الرياضيين في مواصلة مسيرتهم أو الاستعداد للمنافسات الدولية.
** حلم يتجاوز الحرب والإعاقة
من جانبها، تقول المشرفة آية العثماني إن المبادرة أسست أول فريق لكرة قدم البتر للفتيات في غزة، بهدف دعم مبتورات الأطراف نفسيا واجتماعيا وإتاحة مساحة لهن لممارسة الرياضة.
وتوضح أن الفتيات يواجهن تحديات كبيرة بعد الإصابة، ما دفع القائمين على المشروع إلى استقطابهن وتشجيعهن على الانخراط في الأنشطة الرياضية.
وتلفت إلى أن اللاعبات يخضعن لتدريبات منتظمة لتطوير مهاراتهن وتعزيز ثقتهن بأنفسهن من خلال كرة القدم والألعاب الجماعية.
وتعرب العثماني عن أملها في أن تصل اللاعبات إلى مستويات متقدمة، وأن يشكل الفريق بوابة لمشاركتهن في المنافسات الرياضية مستقبلا.
ويعيش مئات آلاف الفلسطينيين في خيام ومراكز إيواء مؤقتة بمختلف أنحاء قطاع غزة، بعدما دمرت الإبادة الإسرائيلية منازلهم أو ألحقت بها أضرارا جسيمة، ما أجبرهم على النزوح المتكرر واللجوء إلى مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية.
ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، استشهد نحو 73 ألف فلسطيني وأصيب ما يزيد على 173 ألفا آخرين، إضافة إلى دمار واسع طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في القطاع.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *