معركة على خزينة غزة.. الكونغرس يشكك في “مجلس السلام” ويطالب بكشف الأسرار المالية

 معركة على خزينة غزة.. الكونغرس يشكك في “مجلس السلام” ويطالب بكشف الأسرار المالية

للأسبوع الثاني على التوالي، تتصاعد داخل أروقة الكونغرس الأمريكي تساؤلات ذات أبعاد مالية وسياسية بشأن مستقبل إدارة الأموال المخصصة لقطاع غزة. وقد بدأت هذه التساؤلات مع اعتراضات على خطة لإدارة الرئيس دونالد ترامب تتضمن تخصيص 50 مليون دولار، قبل أن تتوسع لتشمل ما يصفه مراقبون بأنه “لغم سياسي” يتعلق بمصير المنظومة المالية في غزة ومن سيتولى إدارتها مستقبلاً.
وكانت إدارة ترامب قد تراجعت عن تحويل 50 مليون دولار إلى “مجلس السلام” المكلف بملف غزة، بعدما واجهت استفسارات مكثفة من أعضاء الكونغرس حول طبيعة هذا المجلس وهيكليته القانونية وآليات عمله المالية. وتركزت الأسئلة حول الجهة التي تدير المجلس، والصفة القانونية التي يعمل بموجبها، والجهات المسؤولة عن الرقابة على أمواله وآليات إنفاقها.
وبسبب غياب إجابات واضحة من الإدارة الأمريكية، تأجل النقاش داخل اللجان المختصة، وتم سحب المقترحات المتعلقة بالتمويل مؤقتًا من لجنة الميزانية.
ومع استمرار الجدل حول أموال “مجلس السلام”، اتسع نطاق التساؤلات ليشمل الخطط المالية المرتبطة بإعادة إعمار غزة، بما في ذلك مقترحات تتعلق باستخدام عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار ضمن النظام المالي المستقبلي للقطاع، وسط مطالبات من أعضاء في مجلس الشيوخ بمعرفة ما إذا كانت سلطة النقد الفلسطينية قد شاركت في وضع هذه الترتيبات.
وفي 25 أغسطس، كشف النائبان غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية، وجيمي راسكين، كبير الديمقراطيين في اللجنة القضائية، أن وزارة الخارجية كانت تستعد لتحويل 50 مليون دولار من الأموال الأمريكية إلى مجلس السلام، قبل أن تتراجع عن الخطوة نتيجة الضغوط والأسئلة التي أثارها الكونغرس، والتي قالت الرسالة الموجهة للإدارة إن وزارة الخارجية لم تتمكن من تقديم إجابات كافية بشأنها.
وشملت هذه الأسئلة ملفات أساسية تتعلق بالحوكمة والرقابة المالية، من بينها: هل مجلس السلام منظمة دولية أم كيان خاص؟ من يتحكم بحساباته المصرفية؟ من يمتلك صلاحية صرف الأموال؟ من يبرم العقود؟ ومن يتولى عمليات التدقيق والرقابة المالية؟
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية أكبر لأن القضية لا تتعلق بمبلغ 50 مليون دولار فقط. فترامب سبق أن تحدث عن إمكانية تخصيص نحو 10 مليارات دولار من الأموال الأمريكية، في حين تشير وثائق الكونغرس إلى أن الإمارات والمغرب قدما بالفعل أكثر من 100 مليون دولار، إضافة إلى تعهدات بمليارات الدولارات من دول أخرى مثل قطر والسعودية والكويت وكازاخستان وأذربيجان.
كما يثار جدل إضافي حول احتمال تحويل الأموال مباشرة إلى حسابات تتبع للمجلس، بدل تمريرها عبر الآليات المالية التي أنشأها البنك الدولي، الأمر الذي يزيد المخاوف المتعلقة بالرقابة والشفافية.
وفي تحرك منفصل، وجه السيناتورات كريس فان هولن، وجيف ميركلي، وإليزابيث وارن، وبيرني ساندرز، استفسارات رسمية إلى الإدارة الأمريكية حول الخطط المالية الخاصة بإعادة إعمار غزة، مع تركيز خاص على فكرة إنشاء نظام مدفوعات يعتمد على عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار.
غير أن السؤال الأكثر حساسية سياسياً لم يكن متعلقاً بالتكنولوجيا المالية بحد ذاتها، بل بما إذا كانت سلطة النقد الفلسطينية قد شاركت في صياغة هذه الترتيبات. فسلطة النقد تُعد الجهة الرسمية المسؤولة عن تنظيم القطاع المصرفي الفلسطيني والإشراف عليه، وأي نظام مالي جديد يتم إنشاؤه خارج إطارها يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل دورها في غزة.
ومن هنا تتجاوز القضية حدود الأدوات المالية والتقنية، لتطال أسئلة سياسية وسيادية تتعلق بوحدة النظام المالي الفلسطيني ومستقبل المؤسسات الرسمية. فمن سيمنح التراخيص للمؤسسات التي ستستخدم العملة الجديدة؟ ومن سيراقب حركة الأموال؟ ومن سيشرف على تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؟ ومن سيتولى الرقابة على البنوك وشركات الدفع والتحويلات المالية؟
هذه الأسئلة باتت تتردد بكثافة داخل لجان وخبراء الكونغرس، وتُطرح بصورة متواصلة على فريق وزير الخارجية ماركو روبيو، إلا أن الإدارة، حتى الآن، لم تقدم إجابات واضحة تحسم الجدل المتصاعد حول مستقبل المنظومة المالية في غزة.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *