لكل عصر امرأة.. من الجزائر الى لبنان مرورا بفلسطين
نسيمة عبدالرحمان
نسيمة عبدالرحمان
في كل عصر تبرز امرأة تؤمن بقضية وتناضل من أجلها، فتسهم في تغيير مسارها وتغدو رمزًا لنضال طالما ظلّ يُنظر إليه على أنه حكر على الرجال. ومن إيمانها بعدالة قضيتها تستمدّ القوة لمواجهة كل محاولات التقليل من شأنها والتشكيك في قدرتها على الصمود. وقد عرف التاريخ أسماءً لمناضلات أصبحن اليوم مرجعًا في مسيرة النضال، وسجّل لهنّ الزمن التحدي والمقاومة في وجه مستعمر غاشم كفاح فظ لمناصرة شعوبًا ذاقت شتى أنواع القهر.
ولن ينساهنّ التاريخ لما قدّمنه من تضحيات وما أبدينه من تحدٍّ إلى جانب الرجل، باعتبارهن جزءًا لا يتجزأ من مسيرة النضال، بل إن دورهنّ كان في بعض الأحيان أكثر بروزًا. ولكي لا أنتقص من شجاعة أخريات، أكتفي بذكر بعض الأسماء التي تداولتها كتب التاريخ، لنساء ينحدرن من بلدان عانت استعمارًا طويلًا وعنيفًا.
في الجزائر، وخلال بدايات المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي، برز اسم لالة فاطمة نسومر. ففي نحو عام 1850، وكانت في العشرين من عمرها تقريبًا، انخرطت في المقاومة، وشاركت في تنظيم المواجهات وحشد المقاومين في منطقة القبائل. في قرية نسومر، فعُرفت منذ ذالك الحين بفاطمة نسومر، حتى أصبحت إحدى أبرز رموز المقاومة الشعبية الجزائرية في القرن التاسع عشر.
وبعد أكثر من قرن، حملت جميلة بوحيرد ورفيقاتها مشعل النضال، وأصبحت إحدى أبرز الأسماء المرتبطة بالثورة الجزائرية، بما جسّدته من صمود وتحدٍّ في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
أما في لبنان، فيعتزّ تاريخ المقاومة باسم سهى بشارة، تلك الفتاة التي تركت دراستها الجامعية وانخرطت في مسار النضال، لتدخل، كما يقال، إلى فم الأسد دون أن تبالي بمصيرها. ففي عام 1988 توددت من عائلة أنطوان لحد، قائد ما عُرف بجيش لبنان الجنوبي، بصفتها مدرّسة موسيقى لأبنائه، حاولت اغتياله وأصابته بالرصاص، لكنه نجا. اعتُقلت إثر ذلك في معتقل الخيام، وقضت فيه نحو عشر سنوات، عانت في تلك الفترة ظروف قاسية، من بينها الحبس الانفرادي، قبل أن يُفرج عنها عام 1998. وبذلك أصبحت قصتها إحدى المحطات البارزة في تاريخ المقاومة اللبنانية.
ولا تقتصر الأسماء البارزة في النضال على العالم العربي، بل تمتد إلى قارات أخرى. ومن بينها بنازير بوتو، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في باكستان، التي خاضت معارك سياسية من أجل التغيير، وارتبط مشروعها بالديمقراطية والحريات. وقد انتهت مسيرتها باغتيالها عام 2007، لتظلّ من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمواجهة التطرف والعنف في الحياة السياسية الباكستانية.
وامرأة لا تقل شأنا،إنديرا غاندي، التي اشتهرت بلقب «المرأة الصلبة »، تولت رئاسة الحكومة الهندية في فترات حاسمة من تاريخ بلادها. اتخذت قرارات سياسية شجاعة نحو التغير .تركت آثارًا عميقة في المشهد الهندي، وأثارت في الوقت نفسه جدلًا واسعًا حول طبيعة السلطة وممارساتها. وفي عام 1984 لقيت المصير ذاته، إذ اغتيلت على يد اثنين من حراسها الشخصيين.
نساء انتمين إلى عصور وبلدان مختلفة، لكن النضال كان القاسم المشترك بين مساراتهن؛ حيث كان للتضحية معنى، وللصبر قوة، وللمواقف شجاعة. وفي تقديري، تستحق كل واحدة منهن جائزة نوبل للكفاح والصمود من اجل الحرية والكرامة.ويظلّ كفاحهن جزءًا من تاريخ المناهضة لنصر القضايا العادلة.
لكن الامتداد النضالي لم يتوقف، بل اتخذ أشكالًا جديدة، فلم يعد ميدان المواجهة مقتصرًا على حمل السلاح أو خوض المعارك، وإنما أصبح القانون والمحافل الدولية من ساحاته المهمة. وفي هذا السياق، يبرز اسم الحقوقية والقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي كرّست مسيرتها للدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز القانون الدولي، وتولت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة بين عامي 2021 و2025.
وقد أعلنت لجنة نوبل النرويجية في التاسع من أكتوبر 2026 فوز نافي بيلاي، وهي في الخامسة والثمانين من عمرها، بجائزة نوبل للسلام تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. ولم يكن هذا التكريم، في نظري، مجرد اعتراف بمسيرة امرأة، بل تعبيرًا عن تقدير الدور الذي يمكن أن يؤديه القانون في مواجهة الظلم، وعن أهمية الدفاع عن الحقوق حين تصبح المؤسسات الدولية نفسها عرضة للضغوط والانتقادات.
وفي سياق القضية الفلسطينية، اكتسب عمل بيلاي أهمية خاصة من خلال رئاستها لجنة التحقيق الأممية التي تناولت الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد خلصت اللجنة، في تقريرها الصادر عام 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل وتشكّك في مصداقية المؤسسات الدولية التي تصدره. ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في ظل دعم أمريكي وصمتٍ مخزٍ من الحكومات العربية عار على الضماير الساكنة.
وتبقى قيمة المؤسسات والجوائز الدولية غير مرهونة برضا الدول عنها، بل بمدى التزامها بالمبادئ التي أُنشئت من أجلها.
كم تزعج المرأة القوية الثابتة، المقتنعة بعدالة قضيتها، أولئك الذين اعتادوا أن يكون الصوت الأعلى حكرًا عليهم! وكم يصبح الدفاع عن الحق فعلًا شاقًا حين تتشابك المصالح السياسية مع موازين القوة، فيُترك أصحاب القضايا العادلة لمواجهة مصيرهم، بينما تتراجع أصوات كان يُفترض أن تساندهم.
إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى الجرأة والثبات والصمود، وإلى رجال ونساء يحملون مسؤولية الدفاع عنها دون خوف أو تردد. وقد قلّت هذه الخصال لدى كثيرين، بمن فيهم بعض حكامنا العرب الذين خذلوا شعوبًا تنتظر منهم موقفًا يليق بحجم المأساة.
اتركوا للمرأة العنان، وأفسحوا لها المجال لتثبت قدرتها على استعادة الكرامة، والدفاع عن الحرية، واحتضان الشعوب المظلومة. فالتاريخ لا يحفظ المواقف وفق جنس أصحابها، بل وفق ما يتركونه من أثر في حياة الناس.كل النساء رجال وليس برجل امرأة.
كاتبة جزائرية
