كينيدي يثير عاصفة من الانتقادات بتصريحات معادية للعرب في ميشيغان قبيل الانتخابات النصفية

 كينيدي يثير عاصفة من الانتقادات بتصريحات معادية للعرب في ميشيغان قبيل الانتخابات النصفية

واشنطن – سعيد عريقات – 28/10/2026

أثار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت كينيدي جونيور موجة واسعة من الانتقادات، عقب تصريحات أدلى بها خلال فعالية انتخابية في مدينة غراند رابيدز بولاية ميشيغان، زعم فيها أن مئات الملايين من العرب لا يسهمون في إنتاج العلوم أو الفوز بجوائز نوبل والجوائز العلمية الدولية، ولا يحققون إنجازات أدبية تذكر.

وجاءت التصريحات خلال زيارة كينيدي للولاية دعماً للمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من تشرين الثاني، وفي وقت تشهد فيه المنافسة الانتخابية سجالاً حاداً بشأن الهجرة والهوية الدينية والعرقية ومكانة الأميركيين من أصول عربية ومسلمة في المجتمع الأميركي.

وتكتسب التصريحات حساسية خاصة في ميشيغان، التي تضم إحدى أكبر التجمعات العربية الأميركية في الولايات المتحدة، حيث يخوض المرشح الديمقراطي عبد السيد منافسة متقاربة مع روجرز على مقعد مجلس الشيوخ. وقد أثارت تصريحات الوزير اعتراضات من مشرعين ديمقراطيين وعلماء وصحفيين ومنظمات حقوقية، اعتبروا أن كلامه لا يستند إلى حقائق موثقة، وينطوي على تعميمات تمييزية بحق مجموعة سكانية واسعة.

تصريحات تتجاهل حقائق علمية وأدبية موثقة

قال كينيدي، خلال الفعالية الانتخابية، إن عدد العرب في العالم يبلغ نحو 500 مليون شخص، قبل أن يزعم أنهم لا ينتجون العلوم ولا يفوزون بجائزة نوبل أو ميدالية فيلدز أو جائزة وولف، ولا يقدمون إسهامات أدبية ذات شأن.

وسرعان ما واجهت هذه الادعاءات انتقادات حادة، إذ استشهد معلقون وشخصيات عامة بأسماء علماء وأدباء عرب حققوا إنجازات دولية بارزة، بما يدحض التعميم الذي تبناه الوزير.

ومن أبرز الأمثلة الكيميائي عمر ياغي، المولود في عمّان لأبوين فلسطينيين لاجئين، والذي حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025، بالمشاركة مع عالمين آخرين، تقديراً لأبحاثه في تطوير الأطر الفلزية العضوية. وكان ياغي قد نال جائزة وولف في الكيمياء عام 2018 عن إسهاماته العلمية.

كما استحضر منتقدو كينيدي اسم العالم المصري الأميركي أحمد زويل، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، تقديراً لأبحاثه الرائدة في كيمياء الفيمتو، التي أتاحت دراسة التفاعلات الكيميائية على نطاق زمني بالغ القصر.

وأشار آخرون إلى إسهامات عربية في الأدب والصحافة والفنون، مؤكدين أن تجاهل هذه الإنجازات لا ينسجم مع السجل العلمي والثقافي الموثق، ولا يبرر إصدار أحكام شاملة على مئات الملايين من البشر.

ووصف الصحفي جاستن باراغونا، من مؤسسة “زيتيو نيوز”، تصريحات كينيدي بأنها عنصرية وصريحة في تعصبها، فضلاً عن كونها خاطئة بصورة واضحة. وأشار إلى أن أمثلة حديثة من العلوم والأدب تكفي لإظهار افتقار ادعاءات الوزير إلى أساس واقعي.

مطالب بإقالة الوزير وتحذيرات من تصاعد خطاب الكراهية

وامتدت ردود الفعل إلى منظمات حقوقية وسياسيين وعلماء، وسط مطالب بمحاسبة كينيدي على تصريحاته، ولا سيما أنه يتولى منصباً اتحادياً يفترض أن يخدم جميع الأميركيين، بصرف النظر عن أصولهم أو معتقداتهم.

وطالب مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية بإقالة كينيدي من منصبه، واعتبر تصريحاته نموذجاً واضحاً للتحيز العنصري والتعصب. وقال المجلس إن مسؤولاً حكومياً لا ينبغي أن يستخدم موقعه لتجريد مئات الملايين من العرب، بمن فيهم ملايين الأميركيين من أصول عربية، من الاعتراف بإسهاماتهم الإنسانية، استناداً إلى مزاعم وصفها بأنها مختلقة.

وحذر المجلس من أن مثل هذا الخطاب قد يسهم في تأجيج العداء للعرب والمسلمين، خصوصاً في ظل تعرض مجتمعاتهم لخطابات تمييزية من مسؤولين وشخصيات عامة في أنحاء الولايات المتحدة.

من جانبه، أعرب عالم اللقاحات بيتر هوتيز عن ارتياحه لأن زميله الراحل أحمد زويل لم يعش ليسمع تصريحات كينيدي، مشيداً بإسهاماته العلمية ومكانته بوصفه أحد أبرز العلماء الذين جمعوا بين الأصول العربية والعمل العلمي في الولايات المتحدة.

كما انتقد السيناتور الديمقراطي كريس مورفي ما اعتبره محاولة أوسع لتقويض شرعية الأميركيين المسلمين، ليس فقط بوصفهم مواطنين، بل باعتبارهم أفراداً يستحقون الاحترام والكرامة الإنسانية.

وحذر مورفي من أن الهجمات المتصاعدة على العرب والمسلمين قد تمهد لمزيد من الاستقطاب بعد الانتخابات، داعياً إلى الانتباه إلى السياق السياسي الذي تصدر فيه هذه التصريحات، لا الاكتفاء بتفنيد الأخطاء الواردة فيها.

وفي السياق نفسه، قال براد وودهاوس، رئيس منظمة “بروتكت أور كير” المعنية بالدفاع عن الرعاية الصحية العامة، إن تصريحات كينيدي تكشف، في رأيه، عن اعتماد الخطاب السياسي على الخوف والعنصرية بدلاً من تقديم إنجازات أو حلول عملية للمشكلات التي تواجه الأميركيين.

وأضاف أن تصريحات الوزير جاءت في وقت يواجه فيه انتقادات بشأن عدد من القضايا المتعلقة بالصحة العامة، مشيراً إلى أن توجيه الإهانات إلى جماعة عرقية كاملة لا يعالج الأزمات الداخلية ولا يقدم إجابات عن المخاوف الصحية والاقتصادية.

ميشيغان ساحة لتداخل العرق والدين والحسابات الانتخابية

ولا تنفصل تصريحات كينيدي عن الأجواء المشحونة التي تحيط بسباق مجلس الشيوخ في ميشيغان، حيث يتنافس الجمهوري مايك روجرز والديمقراطي عبد السيد، الطبيب والباحث السابق في مجال الصحة العامة، في معركة انتخابية تحظى بمتابعة وطنية.

وكان الرئيس دونالد ترامب وروجرز قد وجّها اتهامات إلى السيد بشأن صلات مزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، فيما وصف ترامب المرشح الديمقراطي، المولود في ميشيغان، بأنه “جهادي”. كما أثار متحدث في فعالية انتخابية لروجرز شكوكاً بشأن انتماء السيد الأميركي، رغم أن شهادة ميلاده لا تشكل بحد ذاتها أساساً للطعن في جنسيته.

ولم تقتصر الانتقادات على الجمهوريين. فقد اتهم لون جونسون، الرئيس السابق للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، السيد بالتطرف، معتبراً أن انتقاداته لإسرائيل تهدد المجتمعات اليهودية، وداعياً الديمقراطيين إلى الامتناع عن التصويت في سباق مجلس الشيوخ. كذلك استهدفت مؤسسة “ثرد واي” البحثية ذات التوجه الوسطي السيد بسبب ظهوره في مناسبات مع المعلق حسن بيكر، الذي أثار جدلاً سابقاً بتصريحاته عن هجمات الحادي عشر من أيلول، قبل أن يوضح موقفه ويعتذر عن تلك التصريحات.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع الجدل حول الحدود الفاصلة بين نقد المرشحين على أساس مواقفهم السياسية وبين استخدام هويتهم الدينية أو أصولهم العائلية لتشويه صورتهم أمام الناخبين.

وفي ما يتعلق بالمنافسة الانتخابية، أظهرت استطلاعات حديثة تقارباً نسبياً بين المرشحين، مع تقدم السيد في بعض القياسات. وأظهر استطلاع لجامعة مارست نُشر في تشرين الأول تقدم السيد بين الناخبين المحتملين بنسبة 50 في المئة مقابل 48 في المئة لروجرز، فيما اتسعت الفجوة في عينة الناخبين المسجلين. لكن الفروق المحدودة بين المرشحين، إلى جانب اختلاف نتائج الاستطلاعات ومنهجياتها، تجعل من الضروري التعامل مع هذه الأرقام بوصفها قياسات للرأي العام في وقت محدد، لا نتائج محسومة.

وفي هذا المناخ، رأى مهدي حسن، مؤسس “زيتيو نيوز”، أن بعض الديمقراطيين والمعلقين الليبراليين يتحملون جانباً من المسؤولية عن المناخ السياسي الذي يسمح بتصاعد التصريحات المعادية للعرب والمسلمين، مشيراً إلى أن الاهتمام بقضايا أخرى، بما فيها الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن خطاب التمييز ضد هذه المجتمعات.

تداعيات تتجاوز حدود السباق الانتخابي

تتجاوز أهمية الواقعة حدود المنافسة في ميشيغان، إذ تثير تساؤلات بشأن مسؤولية كبار المسؤولين الأميركيين عن الخطاب العام، وتأثير تصريحاتهم في المجتمعات التي تقع ضمن نطاق مسؤولياتهم الحكومية.

فكينيدي لا يتحدث بصفته ناشطاً سياسياً فحسب، بل بصفته وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية، وهو موقع يضعه في صدارة المؤسسات المعنية بخدمة السكان وحماية صحتهم. ومن ثم، فإن تصريحاته عن جماعة عرقية واسعة تثير نقاشاً بشأن الفصل بين الدور الحكومي والاعتبارات الحزبية، ومدى انعكاس الخطاب السياسي على الثقة العامة بالمؤسسات.

كما أن الخلط بين الهوية العربية والانتماء الإسلامي يضيف بعداً آخر إلى الجدل؛ فالعرب ينتمون إلى ديانات مختلفة، بينهم مسلمون ومسيحيون وغير متدينين، ولا يمكن اختزالهم في جماعة دينية واحدة أو تقييم إسهاماتهم وفق تصنيفات عرقية ودينية متداخلة.

وبينما تتواصل ردود الفعل على تصريحات كينيدي، تظل المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة المؤسسات السياسية على ضمان نقاش انتخابي يستند إلى الوقائع، ويتيح انتقاد المرشحين والسياسات من دون تحويل الأصول العرقية أو الدينية إلى أدوات للطعن في المواطنة والكرامة الإنسانية.

حين يتحول الخطاب الانتخابي إلى اختبار للمواطنة

تكشف الواقعة أن الخطاب الانتخابي لا يقتصر على التنافس حول الضرائب والصحة والاقتصاد، بل قد يتحول إلى اختبار لمكانة جماعات كاملة داخل المجتمع. فعندما يصدر التعميم عن مسؤول اتحادي، لا يعود الكلام مجرد زلة في مهرجان انتخابي؛ إذ يحمل وزن المنصب ويثير أسئلة عن قدرة المؤسسات على تمثيل جميع المواطنين بالتساوي. وتزداد حساسية الأمر في ميشيغان، حيث يشكل الأميركيون من أصول عربية جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ويبقى السؤال: هل ترفض القيادات الحزبية هذا الخطاب بوضوح، أم تتعامل معه وفق حسابات الأصوات؟ وهذا معيار للديمقراطية التي تحترم مواطنيها جميعاً.

الحقائق العلمية في مواجهة التعميم العرقي

الرد على ادعاء كينيدي لا يحتاج إلى سجال هوياتي (على الهوية)، بل إلى الوقائع الموثقة. فالعالم العربي ليس كتلة متجانسة، كما أن الانتماء العربي لا يحدد دين الفرد أو لغته العلمية أو موقعه من المؤسسات الدولية. وفوز عمر ياغي بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2025، وأحمد زويل عام 1999، مثالان واضحان على خطأ التعميم، إلى جانب إسهامات عربية في الأدب والطب والرياضيات. لكن اختزال القضية في سرد أسماء لامعة لا يكفي؛ فالمطلوب أيضاً رفض معيار يقيس قيمة ملايين البشر بجوائز عالمية محدودة. فالمساواة لا ينبغي أن تكون رهناً بشهرة الفائزين أو أصولهم.

مسؤولية الأحزاب وحدود المنافسة السياسية

تطرح الحادثة سؤالاً أوسع عن حدود المسؤولية السياسية حين تتداخل الحملات الانتخابية مع الخطاب المعادي للعرب والمسلمين. فاتهام عبد السيد بصلات بجماعة الإخوان المسلمين، من دون أدلة معلنة تسند الاتهام، يبدل النقاش من تقييم برنامجه إلى التشكيك في انتمائه وولائه. وفي المقابل، فإن انتقادات بعض الديمقراطيين له بسبب مواقفه من إسرائيل أو تحالفاته السياسية توضح أن الجدل لا ينحصر في حزب واحد. غير أن تقييم كل ادعاء ينبغي أن يستند إلى أدلته، لا إلى هوية المرشح أو دينه أو أصوله العائلية. وتظل المساءلة ضرورية لحماية النقاش الديمقراطي من التحريض والتعميم.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *