عدوان عزّة.. الغرب يُقاطِع والعرب يُطبِّعون: التجارة مستمرةٌ والحرب لم تُسقِط التطبيع لكنّها كشفت حدوده وَوَضَعَتْ الشراكات الاقتصاديّة أمام اختبارِ فلسطينيٍّ وإقليميٍّ صعبٍ.. الإمارات والمغرب بالصدارة

 عدوان عزّة.. الغرب يُقاطِع والعرب يُطبِّعون: التجارة مستمرةٌ والحرب لم تُسقِط التطبيع لكنّها كشفت حدوده وَوَضَعَتْ الشراكات الاقتصاديّة أمام اختبارِ فلسطينيٍّ وإقليميٍّ صعبٍ.. الإمارات والمغرب بالصدارة

كشفت صحيفة (يديعوت أحرونوت) النقاب عن أنّ (معهد سياسة الشعب اليهوديّ) أطلق قاعدة بياناتٍ جديدةٍ ترصد خريطة العقوبات والإجراءات التقييديّة المفروضة على إسرائيل في مختلف أنحاء العالم. وبحسب التقرير تُظهِر البيانات رصد 121 إجراءً في 62 دولةٍ، منها 93 إجراءً ساري المفعول، و19 إجراءً تاريخيًا، وتسعة إجراءاتٍ مقترحةٍ أوْ قيد التخطيط حاليًا.

ولكن على الصعيد العربيّ، يمكِن القول إنّ العدوان على غزّة لم يكن مجرّد مواجهةً عسكريّةً غيّرت المشهد السياسيّ في الشرق الأوسط، بلْ تحوّل أيضًا إلى اختبارٍ حقيقيٍّ للعلاقات الاقتصاديّة التي بنتها إسرائيل مع عددٍ من الدول العربية، سواءً في إطار اتفاقات أبراهام أوْ عبر معاهدات السلام الأقدم مع مصر والأردن.
لكن المفارقة الأساسيّة أنّ التوتر السياسيّ لم يؤدِّ إلى انهيار التجارة. ففي الوقت الذي تصاعد فيه الغضب الشعبيّ العربيّ، وازدادت الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل بسبب الحرب، واصلت المصالح الاقتصاديّة عملها، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتةٍ من دولةٍ إلى أخرى.
الإمارات: الشريك التجاري الأبرز
تُعدّ الإمارات النموذج الأوضح على الفجوة بين التوتر السياسيّ واستمرار المصالح الاقتصاديّة. فقد أتاحت اتفاقات التطبيع، التي وُقّعت عام 2020، إقامة علاقاتٍ تجاريّةٍ واستثماريّةٍ واسعةٍ، وعزّز اتفاق الشراكة الاقتصاديّة الشاملة الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2023 هذا المسار.
وبحسب وزارة الخارجيّة الإماراتيّة، بلغت تجارة السلع الثنائيّة نحو 3.209 مليارات دولار في عام 2025، مقابل 3.254 مليارات دولار في عام 2024. وهذا يعني أنّ التجارة بقيت شبه مستقرةً، رغم تداعيات الحرب.
غير أنّ استمرار المبادلات لا يعني أنّ الحرب لم تترك أثرًا. فقد أثّرت في السياحة والسفر والمناخ السياسيّ، وأثارت تحفظاتٍ بشأن مشروعاتٍ استراتيجيّةٍ مشتركةٍ. وهكذا استمر التعاون الاقتصاديّ، فيما أصبح التقارب السياسيّ أقل سهولةً وأشد حساسيةً.
مصر والأردن: المصالح لا تُلغي الخلافات
تختلف الحالة المصريّة والأردنيّة عن تجربة الإمارات. فالعلاقات مع إسرائيل تستند هنا إلى معاهدتيْ سلام أُبرمتا عامي 1979 و1994، وإلى اعتباراتٍ استراتيجيّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّةٍ متشابكةٍ، وفي الحالة المصريّة، تبرز تجارة الغاز الطبيعيّ بوصفها أحد أهّم مجالات الترابط الاقتصاديّ. وقد كشفت الحرب عن هشاشة هذا الترابط عندما تتقاطع المصالح التجاريّة مع مخاطر أمنيةٍ وسياسيّةٍ إقليميّةٍ.
أمّا الأردن، فيُواجِه معادلةً أكثر حساسيّةً بسبب علاقاته التاريخيّة والجغرافيّة مع الفلسطينيين، والرفض الشعبيّ الواسع للسياسات الإسرائيليّة. وقد أدى التصعيد في غزّة إلى زيادة الضغوط على العلاقة الثنائيّة، فيما بقيت المصالح المرتبطة بالتجارة والمياه والأمن قائمةً. وهنا تظهر حقيقة أساسية: استمرار المعاهدات والتجارة لا يعني أنّ العلاقات طبيعيّةً بالمعنى الشعبيّ أو السياسيّ.
المغرب والبحرين: تفاوتٌ في المكاسب
لم تكن نتائج التطبيع متساويةً بين الدول العربيّة. فقد شهدت التجارة بين إسرائيل والمغرب نموًا ملحوظًا منذ إقامة العلاقات الجديدة، بينما بقيت العلاقات الاقتصاديّة مع البحرين أصغر حجمًا بكثيرٍ من الشراكة الإماراتيّة.
ويشير تحليل نشره مركز ORF Middle East إلى أنّ المكاسب الاقتصاديّة لاتفاقات أبراهام بقيت متفاوتةً، وأنّ الإمارات حققت تقدمًا تجاريًا أكبر من المغرب والبحرين. لكن حرب غزّة أضافت عاملًا جديدًا إلى هذه المعادلة: فكلّما ارتفعت الكلفة السياسيّة والشعبيّة للتعاون مع إسرائيل، أصبح تحويل الاتفاقات الدبلوماسيّة إلى شراكاتٍ اقتصاديّةٍ عميقةٍ أكثر صعوبةً.
هل تضررت إسرائيل اقتصاديًا؟
الإجابة تحتاج إلى الدقة. فلا تكفي المشاهد الاحتجاجيّة أو التصريحات السياسيّة لإثبات تراجع التجارة، كما أنّ استمرار الصادرات والواردات لا ينفي وجود أضرارٍ في قطاعاتٍ أخرى.
وتُظهر بيانات التجارة الإسرائيليّة التي حللتها مؤسسة (هيريتيج) أنّ إجمالي تجارة السلع بين إسرائيل وشركائها الإقليميين، ومنهم الإمارات ومصر والأردن والمغرب والبحرين، بلغ نحو 4.54 مليارات دولار عام 2024، مقارنة بنحو 3.94 مليارات دولار عام 2023.
وهذا الارتفاع لا يثبت أنّ الحرب لم تؤثر في الاقتصاد، لكنّه ينفي القول إنّ التجارة مع هذه الدول انهارت بصورةٍ عامّةٍ. كذلك ينبغي عدم الخلط بين تجارة السلع والاستثمارات والخدمات والسياحة ومشروعات الطاقة، إذ تتفاوت اتجاهات هذه القطاعات، والمشكلة الأعمق بالنسبة لإسرائيل ليست فقط حجم التبادل التجاريّ اليوم، بل قدرتها على ضمان استدامته وتوسيعه في بيئةٍ إقليميّةٍ مضطربةٍ.
التطبيع أمام الاختبار الفلسطينيّ
أظهرت الحرب أنّ الاتفاقات التي تُبرمها الحكومات لا تكفي وحدها لبناء قبولٍ شعبيٍّ مستقرٍ. فالتعاون في التكنولوجيا والطاقة والتجارة قد يستمر بفعل المصالح المتبادلة، لكن ذلك لا يمحو القضية الفلسطينية ولا يضمن تحييدها عن العلاقات العربيّة الإسرائيليّة.
وفي تقريرٍ تحليليٍّ عن اتفاقات أبراهام بعد خمس سنوات على توقيعها، خلص (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) إلى أنّ البنية الأساسيّة للتطبيع صمدت أمام الحرب، لكنّه أشار أيضًا إلى أنّ توسيع هذه الاتفاقات يتطلب مسارًا دبلوماسيًا أكثر مصداقيةً وتعاونًا إقليميًا بشأن مستقبل غزّة.
وهذه نقطة جوهرية: فالتطبيع الذي لا يرافقه تقدمٌ سياسيٌّ في القضية الفلسطينيّة قد يظلّ قائمًا على مستوى الحكومات والمصالح، لكنّه يبقى عرضةً للأزمات والضغوط الشعبية.
وختامًا: لم تُنهِ حرب غزّة التجارة بين إسرائيل والدول العربية المطبّعة، ولم تُسقط اتفاقات التطبيع، لكنّها كشفت التناقض بين استمرار المصالح الاقتصاديّة واتسّاع الهوّة السياسيّة والشعبيّة. فالتجارة تستطيع أنْ تستمر رغم الخصومة، لكنّها لا تستطيع وحدها أنْ تصنع سلامًا مستقرًا.
وإذا أرادت إسرائيل تحويل التطبيع إلى شراكةٍ إقليميّةٍ طويلة الأمد، فلن يكون كافيًا أنْ توسّع أسواقها وتزيد صادراتها، بل سيكون عليها أنْ تواجه السؤال الذي ظلّ حاضرًا طوال الحرب: هل يمكن بناء استقرارٍ إقليميٍّ دائمٍ مع تجاهل الحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة؟

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *