طلاب فلسطينيون يرفعون دعوى قضائية ضد جامعة كولومبيا ويتهمونها بالتمييز والتحيز ضدهم

 طلاب فلسطينيون يرفعون دعوى قضائية ضد جامعة كولومبيا ويتهمونها بالتمييز والتحيز ضدهم

واشنطن – سعيد عريقات- 11/8/2026

تواجه جامعة كولومبيا الأميركية اتهامات جديدة بالتمييز ضد الطلاب الفلسطينيين والمؤيدين لهم، بعدما تقدمت مجموعة من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الحاليين والسابقين بدعوى قضائية تتهم إدارة الجامعة بأنها لم تفشل فقط في حمايتهم من الاعتداءات والمضايقات، وإنما “شجعت بشكل فعّال” على معاملتهم بصورة تمييزية، وفرضت عليهم إجراءات تأديبية غير عادلة، وأسهمت في خلق ما وصفته الدعوى بأنه “بيئة عدائية وغير آمنة”.

وتأتي الدعوى ، التي أُقيمت أمام محكمة في ولاية نيويورك يوم الاثنين، في وقت لا تزال فيه كولومبيا واحدة من أبرز ساحات الصراع الأميركي حول حرية التعبير، والاحتجاج على حرب إسرائيل على غزة، وحدود الجامعات في التعامل مع الاحتجاجات السياسية. وهي تضيف فصلاً جديداً إلى سلسلة من الدعاوى والشكاوى التي اتهمت الجامعة، من اتجاهات سياسية مختلفة، بالفشل في حماية طلابها أو بالتعامل الانتقائي مع الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة.

وتضم قائمة المدعين هديل عسلي، وهي طالبة سابقة في قسم الأنثروبولوجيا، وباهية منعم، وهي محاضرة سابقة في مركز دراسة الإثنية والعرق في الجامعة، ومهدي صباغ، طالب الدكتوراه في كلية الهندسة المعمارية والتخطيط، ومريم علوان، التي تخرجت في الأدب المقارن والمجتمع عام 2025، وليلى صليبا، التي تخرجت في الخدمة الاجتماعية في العام نفسه.

وتتهم الدعوى الجامعة بالتغاضي عن اعتداءات جسدية تعرض لها طلاب فلسطينيون ومؤيدون لهم خلال الاحتجاجات، وعن حوادث انتُزعت فيها الكوفية بالقوة من طلاب فلسطينيين. كما تتحدث عن واقعة تعرض فيها عدد من المحتجين لهجوم بمادة كيميائية ذات رائحة كريهة، فضلاً عن اتهامات للجامعة بعدم اتخاذ إجراءات كافية إزاء حملات تشهير إلكترونية، وتهديدات، وتعليقات عنصرية استهدفت فلسطينيين.

وتقول الدعوى أيضاً إن بعض العبارات التمييزية صدرت، بحسب المدعين، عن موظفين في المركز الطبي للجامعة ومسؤولين إداريين كبار، وإن إدارة كولومبيا لم تتعامل معها بالجدية نفسها التي تعاملت بها مع أشكال أخرى من الخطاب المثير للجدل.

ولا تتوقف الاتهامات عند حدود التقاعس عن الحماية. فالمدعون يقولون إن الجامعة راقبت فعالية تعليمية مؤيدة للفلسطينيين، ثم اتخذت إجراءات تأديبية بحق طلاب شاركوا فيها، بما يعكس، في نظرهم، نمطاً من التعامل الانتقائي مع النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي.

وتسعى الدعوى إلى الحصول على تعويضات مالية بموجب قانون حقوق الإنسان في مدينة نيويورك، الذي يحظر التمييز أو المضايقة على أساس العرق أو العقيدة أو الأصل القومي أو وضع الهجرة أو الجنسية.

ولم تستجب الجامعة فوراً لطلب صحفي للتعليق على الدعوى، واكتفت، في سياقات قانونية سابقة، بالتأكيد على أن القضايا المنظورة أمام القضاء لا يمكنها التعليق عليها.

لكن القضية تتجاوز، في دلالاتها، حدود نزاع قانوني بين طلاب وجامعة. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت كولومبيا إلى رمز وطني للصراع الأميركي حول فلسطين وإسرائيل، بعدما شهد حرمها الجامعي احتجاجات واعتصامات واسعة، كان لها صدى كبير في الجامعات الأميركية الأخرى.

وفي المقابل، تعرضت الجامعة لضغوط سياسية هائلة من الكونغرس وإدارة الرئيس دونالد ترمب، خصوصاً بعد أن جعلت الإدارة الأميركية من الجامعات التي شهدت احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين هدفاً لحملة سياسية وقانونية واسعة.

وكانت كولومبيا قد واجهت في آذار 2025 ضغوطاً أميركية شديدة، تزامنت مع إلغاء مئات الملايين من الدولارات من المنح والعقود الفيدرالية، قبل أن توافق الجامعة على سلسلة من المطالب المتعلقة بسياساتها تجاه الاحتجاجات، في خطوة أثارت انتقادات واسعة بشأن استقلال التعليم العالي عن السلطة السياسية.

وفي هذا المناخ جاء اعتقال محمود خليل، الطالب الفلسطيني السابق في كولومبيا وأحد أبرز منظمي الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، على يد سلطات الهجرة الأميركية في آذار/مارس 2025. وكان خليل مقيماً دائماً بصورة قانونية في الولايات المتحدة، ولم يكن اعتقاله قائماً على اتهام جنائي تقليدي؛ وقد أثارت القضية أسئلة دستورية حادة حول ما إذا كان يمكن اعتقال أو ترحيل شخص بسبب نشاطه السياسي أو خطابه المؤيد للفلسطينيين.

ولم يكن خليل حالة منفردة؛ فقد جاءت قضيته ضمن حملة أوسع استهدفت ناشطين وطلاباً وأكاديميين شاركوا في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين. وفي تموز 2026، رفع خليل دعوى مدنية جديدة ضد مسؤولين سابقين في إدارة ترمب ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، متهماً إياهم بالتآمر لاستهداف الأصوات المؤيدة للفلسطينيين ومحاولة إسكاتها. وهذه الاتهامات، بدورها، محل نزاع قانوني ولم يُفصل فيها نهائياً.

لا شك أن الجامعات الأميركية تتحمل مسؤولية حماية الطلاب اليهود من معاداة السامية، كما تتحمل المسؤولية نفسها تجاه الطلاب الفلسطينيين والعرب والمسلمين وأي طالب يتعرض للتهديد أو المضايقة بسبب هويته. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مكافحة الكراهية إلى أداة لتجريم خطاب سياسي مشروع، أو عندما يُنظر إلى الاحتجاج على سياسات الحكومة الإسرائيلية باعتباره، بصورة تلقائية، عداءً لليهود.

وهنا تكمن أهمية قضية كولومبيا. فالمعيار الذي ينبغي أن تخضع له الجامعة ليس هو هوية المتظاهر أو موقفه السياسي، بل سلوكه الفعلي: هل ارتكب عنفاً؟ هل هدد شخصاً؟ هل حرض على الكراهية؟ هل انتهك قواعد الجامعة؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن معاقبته لمجرد التعبير عن موقف سياسي، أو التضامن مع الفلسطينيين، تضع الجامعة في مواجهة جوهر مهمتها الأكاديمية.

وتكشف قضية كولومبيا عن مشكلة أعمق من مجرد خلاف حول قواعد الحرم الجامعي: إنها اختبار لاستقلال الجامعة أمام السلطة السياسية. فعندما تتعرض مؤسسة أكاديمية لضغط مالي وسياسي مباشر، ثم تعيد صياغة سياساتها بما ينسجم مع مطالب الإدارة الحاكمة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت تحمي حرية التعبير أم تدير المخاطر السياسية الواقعة عليها. الأخطر أن يدفع هذا المناخ الطلاب الفلسطينيين إلى الاعتقاد بأن حقوقهم الأكاديمية والمدنية أقل حماية من غيرهم. الجامعة لا تفقد استقلالها دفعة واحدة؛ بل تتنازل عنه تدريجياً كلما قدمت الأمن السياسي على الحرية الأكاديمية.

ولعل الأكثر إثارة للقلق في الاتهامات الموجهة إلى كولومبيا هو ادعاء وجود معايير مزدوجة في حماية الطلاب ومعاقبتهم. فإذا ثبت أن الجامعة تجاهلت اعتداءات أو تهديدات استهدفت طلاباً فلسطينيين، بينما سارعت إلى معاقبة محتجين مؤيدين لفلسطين، فإن المشكلة لا تعود مجرد سوء إدارة، بل تصبح قضية مساواة أمام القانون الجامعي. ومن ثم فإن المطلوب ليس حماية الاحتجاجات من النقد، وإنما تطبيق قاعدة واحدة على الجميع: لا تسامح مع العنف أو العنصرية أو التهديد، وفي الوقت نفسه لا عقوبة على التعبير السياسي السلمي، مهما كان موقف الجامعة أو السلطة منه.

وتقدم قضية محمود خليل المثال الأكثر وضوحاً على انتقال الصراع من الحرم الجامعي إلى أجهزة الدولة. فقد تحول طالب شارك في الاحتجاجات إلى هدف لسلطات الهجرة، في خطوة ربطها منتقدون بخطابه ونشاطه السياسي. والأخطر أن الرسالة التي يمكن أن تصل إلى الطلاب الدوليين ليست قانونية فقط، بل نفسية وسياسية: تحدثوا بحذر، وإلا فقد يصبح نشاطكم الجامعي سبباً في تعرضكم للاعتقال أو الترحيل . وهنا تصبح الجامعة مطالبة بحماية حرية طلابها، لا بالتكيف مع مناخ الخوف الذي تخلقه السلطة.

ولا يمكن معالجة أزمة الجامعات الأميركية بإسكات طرف وإعطاء الطرف الآخر حصانة سياسية. فإذا كانت كولومبيا تريد استعادة مكانتها الأكاديمية، فعليها أن تثبت أن حماية الطلاب اليهود من معاداة السامية وحماية الطلاب الفلسطينيين من العنصرية هدفان متكاملان، وليس أحدهما بديلاً عن الآخر. كما ينبغي أن تكون الإجراءات التأديبية شفافة، وأن تخضع الاحتجاجات لقواعد واضحة تطبق بالتساوي. أما الاستجابة للضغوط السياسية الخارجية على حساب الاستقلال الأكاديمي، فستحوّل الجامعة من مساحة للنقاش الحر إلى مؤسسة تتعلم فيها الأجيال أن بعض الآراء مسموحة وأخرى محفوفة بالعقاب.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *