ترمب يدرس الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين بعد استهداف مطار الرياض
رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-11/10/2026
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إن إدارته تدرس احتمال انضمام الولايات المتحدة إلى الضربات العسكرية التي تشنها السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن، عقب هجوم صاروخي جديد استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، في تصعيد يعكس اتساع رقعة المواجهة المرتبطة بالحرب مع إيران، ويضع أمن المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية في المنطقة أمام تحديات متزايدة.
ورداً على سؤال بشأن احتمال التدخل الأميركي المباشر، قال ترمب: «ربما. سندرس الأمر»، مضيفاً أن واشنطن علمت للتو بالهجوم الأخير، وأنها ستتخذ قرارها سريعاً. ولم يوضح الرئيس الأميركي طبيعة التدخل المحتمل أو ما إذا كان سيقتصر على الدعم الاستخباراتي والعسكري للسعودية، أم سيمتد إلى تنفيذ ضربات أميركية مباشرة ضد الحوثيين.
وجاءت تصريحات ترمب في وقت تتعرض فيه السعودية لسلسلة استثنائية من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، استهدفت مطارات ومنشآت عسكرية وبنية تحتية نفطية، بالتزامن مع تصعيد العمليات العسكرية للتحالف الذي تقوده الرياض ضد الحوثيين المدعومين من إيران.
مطار الرياض في مرمى الهجمات
وأفاد مسؤول إقليمي بأن صاروخاً أصاب، السبت، مجمعاً يضم مبنيي الركاب الثالث والرابع المخصصين للرحلات الداخلية في مطار الملك خالد الدولي، ما أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص. ولم يكن المسؤول مخولاً بالتصريح علناً، فتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.
وكان الحوثيون قد أعلنوا في وقت سابق من الأسبوع مسؤوليتهم عن هجمات استهدفت المطار نفسه، وأسفرت، بحسب المعلومات الواردة، عن مقتل ثلاثة سعوديين، بينهم طيار.
وعقب الهجوم الأخير، أعلنت سلطات الطيران المدني السعودية تعليق العمليات في المطار، مؤكدة أن تقييم حجم الأضرار والإصابات لا يزال جارياً. وأظهرت إشعارات موجهة إلى الطيارين أن التعليق سيستمر حتى منتصف الليل، فيما أغلقت السلطات مداخل المطار وشددت الإجراءات الأمنية في محيطه.
وأفادت بيانات تتبع الرحلات بتحويل طائرات إلى مطارات أخرى، بينما أصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وأستراليا وكندا تحذيرات لمواطنيها من التوجه إلى المطار.
وبحسب موقع “فلايت أوير” المتخصص في تتبع الرحلات، أُلغيت 291 رحلة على الأقل في مطار الرياض خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة. وكانت شركات طيران عدة، بينها «إير إنديا» و«فلاي دبي» ومجموعة «لوفتهانزا» والخطوط الجوية الباكستانية، قد علقت رحلات إلى الرياض ومطارات سعودية أخرى لفترات متفاوتة.
كما وسعت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي إرشاداتها المتعلقة بالمجال الجوي السعودي، محذرة من قدرة الحوثيين على ضرب أهداف في عمق المملكة، بما في ذلك الرياض، ومن تزايد استهداف البنية التحتية للطيران. وأشارت الوكالة إلى أن الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات، إلى جانب عمليات اعتراضها، تزيد مخاطر الخطأ في تحديد هوية الطائرات المدنية.
وبحسب راديو إن.بي.آر الأميركي فأن هجمات الخميس ألحقت أضراراً بثلاث طائرات في مطار الرياض. وأكدت الخطوط الجوية السعودية تضرر إحدى طائراتها وهي على الأرض، من دون وجود ركاب على متنها.
جبهة اليمن تتداخل مع الحرب الإقليمية
وتزامن التصعيد مع توسيع التحالف الذي تقوده السعودية عملياته العسكرية ضد الحوثيين، بعدما حققت الجماعة مكاسب ميدانية على امتداد ساحل البحر الأحمر. وتقدم القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض عملياتها لاستعادة المناطق التي خسرتها، فيما توفر قوات التحالف دعماً جوياً لهذه الجهود.
وتكتسب التطورات أهمية تتجاوز الساحة اليمنية، نظراً إلى موقع البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً للتجارة العالمية وخطاً بديلاً للشحن البحري في ظل المخاطر التي تواجه الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث تتعرض سفن لهجمات مرتبطة بالحرب مع إيران.
وقد تمنح المكاسب الحوثية على الساحل الجماعة قدرة أكبر على مراقبة حركة السفن واستهدافها، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول اليمن إلى جبهة بحرية إضافية في صراع إقليمي تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية.
وكان الحوثيون قد قالوا إن استهدافهم للسفن السعودية يأتي في إطار حصار مضاد رداً على إجراءات مفروضة عليهم. لكن سجل الجماعة في استهداف سفن أخرى منذ اندلاع الحرب في غزة، تحت شعار التضامن مع الفلسطينيين، يعزز المخاوف من اتساع نطاق عملياتها. وكانت حملة قصف أميركية سابقة قد حدّت بشدة من هجماتها البحرية.
وفي المقابل، اتهم الحوثيون السعودية، السبت، باستهداف مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرتهم، من دون صدور تعليق فوري من الجماعة بشأن الهجوم الأخير على مطار الرياض.
نقص في الصواريخ الاعتراضية
وتواجه السعودية، وفق مسؤولين إقليميين نقلت عنهم وكالة أسوشيتد برس الشهر الماضي، تحدياً إضافياً يتمثل في تراجع مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في التصدي للهجمات. وقال المسؤولون إن الرياض طلبت من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر تقديم دعم للدفاعات الجوية في المنطقة.
وأشار أحدهم إلى أن الولايات المتحدة نفسها شهدت تراجعاً في مخزونها من الذخائر الاعتراضية خلال الحرب مع إيران، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الحلفاء على مواصلة عمليات الدفاع الجوي إذا استمرت الهجمات بوتيرتها الحالية.
وكان مسؤولون قد أفادوا بأن المساعدة الأميركية للعمليات السعودية شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، والمشاركة في التخطيط للهجوم الأخير ضد الحوثيين. لكن الانتقال من هذا الدعم إلى المشاركة المباشرة في القصف سيشكل تحولاً مهماً في طبيعة الانخراط الأميركي في اليمن، وقد يفتح الباب أمام ردود فعل انتقامية تتجاوز حدود المملكة.
وفي محاولة لاحتواء التصعيد، قالت السعودية إن وزير خارجيتها ونظيره العُماني بحثا هاتفياً أهمية دعم الحلول الدبلوماسية لخفض التوترات الإقليمية. وتؤدي سلطنة عُمان دور الوسيط في عدد من الملفات الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها مع أطراف متنافسة، بينها إيران.
كما حذرت السلطات السعودية المواطنين من تصوير أو نشر أو تداول معلومات تتعلق بعمليات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة ومواقع سقوطها، مؤكدة أن مخالفة التعليمات تعرض مرتكبيها للمساءلة القانونية.
وكان الحوثيون قد وجهوا، خلال الأسبوع، تحذيراً وصفوه بأنه الأخير لشركات الطيران العالمية، بشأن عواقب تشغيل الرحلات في المجال الجوي السعودي، الذي اعتبروه جزءاً من مسرح عملياتهم العسكرية.
خطر تحول الدعم إلى حرب مفتوحة
ولا تمثل دراسة ترمب الانضمام إلى الضربات السعودية مجرد استجابة لهجوم على منشأة مدنية، بل تطرح سؤالاً استراتيجياً بشأن حدود التدخل الأميركي في حرب تتسع جبهاتها بالتوازي مع المواجهة مع إيران. فالمشاركة المباشرة قد تعزز قدرة الرياض على ردع الحوثيين، لكنها قد تدفع الجماعة إلى توسيع هجماتها على المطارات والمنشآت النفطية والمصالح الأميركية. والأخطر أن واشنطن قد تجد نفسها أمام التزام عسكري متزايد، من دون ضمان تحقيق أهداف سياسية واضحة، أو منع انتقال المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى.
أمن الطاقة والطيران تحت الضغط
ويكشف استهداف مطار الرياض أن التداعيات الاقتصادية للحرب لم تعد محصورة في أسواق النفط أو طرق الملاحة البحرية، بل امتدت إلى حركة الطيران المدني ومراكز النقل الحيوية. فتعليق الرحلات وإلغاء مئات منها يهددان حركة المسافرين والأعمال، فيما يزيد استهداف المنشآت النفطية حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب جديد في الإمدادات. وإذا استمرت الهجمات، فقد تواجه دول المنطقة ارتفاعاً في تكاليف التأمين والنقل، وتراجعاً في ثقة شركات الطيران والمستثمرين. وهكذا تتحول القدرة على حماية البنية التحتية إلى عنصر أساسي في الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
الدبلوماسية الغائبة واتساع دائرة المخاطر
وعلى الرغم من التصعيد العسكري، فإن الاتصال السعودي العُماني الداعي إلى الحلول الدبلوماسية يشير إلى إدراك إقليمي بأن القوة وحدها قد لا تكفي لاحتواء الأزمة. فالهجمات المتبادلة، وتراجع مخزونات الدفاع الجوي، وتهديد الملاحة والطيران، كلها عوامل ترفع كلفة استمرار الحرب على مختلف الأطراف. غير أن نجاح الوساطة يتطلب معالجة أسباب التصعيد، لا الاكتفاء بوقف مؤقت للهجمات. كما يحتاج إلى قنوات اتصال فعالة تضمن حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتمنع استخدام اليمن منصة لتوسيع الحرب الإيرانية إلى مواجهة إقليمية أشمل.
وبينما يدرس ترمب خياراته العسكرية، تبقى النتيجة مرهونة بمدى قدرة واشنطن والرياض وشركائهما على الموازنة بين الردع وتجنب التصعيد. فقرار الانضمام إلى الضربات قد يغير مسار المواجهة، لكنه لن يضمن وحده إنهاء التهديد الحوثي، ما لم يقترن بتحرك سياسي أوسع يعالج جذور الصراع ويحول دون تحول اليمن إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
