بين ضغوط الشارع الأميركي وآمال الدبلوماسية… استطلاع جديد يعزز فرص إنهاء الحرب مع إيران

 بين ضغوط الشارع الأميركي وآمال الدبلوماسية… استطلاع جديد يعزز فرص إنهاء الحرب مع إيران

ترامب

واشنطن –سعيد عريقات – 4/8/2026

بينما يترقب العالم ما إذا كانت الساعات المقبلة ستشهد اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران يضع حداً للحرب، ويبعد المنطقة والعالم عن حافة مواجهة أوسع تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، جاءت نتائج أحدث استطلاع للرأي أجرته جامعة ميريلاند ، لتكشف عن تحول لافت في المزاج الشعبي الأميركي باتجاه إنهاء الصراع عبر الدبلوماسية. فقد أظهر الاستطلاع اتساع الأغلبية المطالبة بوقف الحرب فوراً، وارتفاعاً غير مسبوق في عدد الأميركيين الذين يرون أن على واشنطن تحمل مسؤولية تعويض إيران عن أضرار الحرب، إلى جانب تراجع التأييد لاستخدام القوة لمنع برنامجها النووي، واعتقاد غالبية المستطلعة آراؤهم بأن الحرب ألحقت ضرراً بالمصالح الأميركية. وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بعدما أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، أن فرص التوصل إلى اتفاق مع طهران خلال اليومين المقبلين تبدو قائمة، بما يعزز الآمال في انتقال الأزمة من ساحات المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض.

ويعكس هذا التزامن بين الحراك الدبلوماسي والتحول في الرأي العام الأميركي مشهداً سياسياً مختلفاً عما ساد خلال الأشهر الماضية. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، تبدو الإدارة الأميركية أكثر إدراكاً بأن استمرار الحرب يحمل كلفة سياسية واقتصادية متزايدة، ليس فقط على المستوى الدولي، وإنما داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تتزايد الأصوات المطالبة بإنهاء النزاع قبل أن يتحول إلى عبء انتخابي واستراتيجي يصعب احتواؤه.

وأظهر استطلاع مركز القضايا الحرجة بجامعة ميريلاند، تحت إشراف رئيس المركز ، الدكتور شبلي تلحمي (الفلسطيني الأصل)،  أجري على مرحلتين بين 17 و26 تموز ، أن الحديث المتزايد عن احتمال توسيع العمليات العسكرية لم يؤد إلى حشد الأميركيين خلف خيار الحرب، بل جاءت النتيجة معاكسة تماماً. فقد ارتفعت نسبة الذين يطالبون بإنهاء الحرب فوراً واللجوء إلى الدبلوماسية من 52 إلى 57 في المئة خلال أقل من أسبوع، بما في ذلك ارتفاع ملحوظ داخل صفوف الجمهوريين أنفسهم، في حين وصل التأييد لهذا الخيار بين الديمقراطيين إلى أكثر من أربعة أخماس المستطلعة آراؤهم.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الرأي العام الأميركي بدأ يفصل بين دعم الأمن القومي وبين الانخراط في حروب مفتوحة لا تبدو لها نهاية واضحة. فكلما ارتفعت احتمالات التصعيد، ازدادت المخاوف من انعكاساته الاقتصادية والأمنية، وهو ما يفسر تراجع الحماسة الشعبية لأي مواجهة جديدة مع إيران، رغم استمرار الخطاب السياسي المتشدد لدى بعض الأوساط في واشنطن.

ومن أكثر النتائج إثارة للانتباه الارتفاع الملحوظ في نسبة الأميركيين الذين يرون أن الولايات المتحدة ينبغي أن تتحمل مسؤولية تعويض إيران عن الأضرار التي خلفتها الحرب. فقد ارتفعت نسبة المؤيدين لهذا الطرح إلى 36 في المئة، فيما وصلت داخل الحزب الديمقراطي إلى 58 في المئة، وهو تطور كان من الصعب تصوره قبل أشهر قليلة. ورغم أن تبني مثل هذا الخيار رسمياً يبدو مستبعداً في الظروف السياسية الحالية، فإن مجرد اتساع دائرة المؤيدين له يعكس تغيراً في نظرة شريحة واسعة من الأميركيين إلى الحرب، وإلى مسؤولية واشنطن عن نتائجها.

وفي الملف النووي، لم تنجح المخاوف التقليدية من البرنامج النووي الإيراني في إعادة تعبئة التأييد الشعبي للخيار العسكري. فقد أظهر الاستطلاع أن ربع الأميركيين فقط يؤيدون استخدام القوة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما فضلت نسبة أكبر اعتماد الوسائل الدبلوماسية، أو الذهاب نحو رؤية أشمل تقوم على جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، بما يشمل إيران وإسرائيل معاً. ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن معالجة الملف النووي بصورة انتقائية لم تعد تلقى القبول نفسه لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.

كما تكشف نتائج الاستطلاع عن أزمة ثقة في جدوى الحرب نفسها. فلم يعتبر سوى 16 في المئة من الأميركيين أن الولايات المتحدة تحقق انتصاراً، بينما رأى 40 في المئة أن أياً من الطرفين لا يحقق مكاسب حقيقية، في حين اعتبر 59 في المئة أن الحرب أضرت بالمصالح الأميركية أكثر مما أفادتها. وتعني هذه الأرقام أن الإدارة الأميركية تواجه بيئة داخلية أقل استعداداً لتقبل استمرار العمليات العسكرية، خاصة إذا استمرت تداعياتها الاقتصادية على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.

ولم يقتصر التشكيك على النتائج العسكرية، بل امتد إلى الأساس القانوني للحرب، إذ رأى عدد أكبر من المشاركين أنها تخالف القانون الأميركي، بينما اعتبر كثيرون أنها لا تتوافق أيضاً مع القانون الدولي. ويمنح ذلك زخماً إضافياً للأصوات المطالبة بإعادة الملف إلى مسار التفاوض، باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر قبولاً لدى الجمهور.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات وزير الخزانة الأميركي حول إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال يومين أكثر من مجرد رسالة تفاؤل. فهي تعكس إدراكاً داخل الإدارة بأن اللحظة الحالية قد تكون مناسبة لالتقاط فرصة سياسية قبل أن تتغير المعادلات مجدداً. كما أن أي اتفاق، حتى وإن كان مرحلياً، قد يحقق للإدارة هدفين متوازيين: خفض التوتر في الخليج، وتهدئة الضغوط الداخلية التي تكشفها استطلاعات الرأي بصورة متزايدة.

وتشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة مسارات محتملة خلال الأيام المقبلة. أولها، نجاح الوساطات في التوصل إلى اتفاق أولي يعيد تثبيت التهدئة ويفتح الباب أمام مفاوضات أوسع بشأن الملفات الأمنية والنووية. وثانيها، التوصل إلى تفاهم محدود يقتصر على أمن الملاحة وخفض التصعيد، مع تأجيل القضايا الخلافية الكبرى إلى مرحلة لاحقة. أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تعثر الاتصالات وعودة التصعيد العسكري، وهو احتمال يبقى قائماً رغم تراجع التأييد الشعبي للحرب، إذا ما اصطدمت المفاوضات بعقبات تتعلق بالعقوبات أو بالضمانات الأمنية.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى نتائج استطلاع جامعة ميريلاند باعتبارها مجرد أرقام تعكس مزاج الناخب الأميركي، بل بوصفها مؤشراً سياسياً قد يؤثر في حسابات صناع القرار في واشنطن. فالإدارات الأميركية، مهما بدت متمسكة بخياراتها الإستراتيجية، لا تستطيع تجاهل رأي عام يزداد اقتناعاً بأن الحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتضعف المكانة الدولية، ولا تحقق الأهداف المعلنة. وإذا صدقت التوقعات بإعلان تفاهم أميركي-إيراني خلال الأيام المقبلة، فإن هذا التحول الشعبي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في ترجيح كفة الدبلوماسية على حساب التصعيد. أما إذا أخفقت المفاوضات، فإن نتائج الاستطلاع توحي بأن أي عودة إلى المواجهة العسكرية ستجري في ظل معارضة داخلية أشد مما كانت عليه في بداية الحرب، وهو ما قد يفرض قيوداً سياسية متزايدة على أي قرار بالتصعيد مستقبلاً.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *