بين التصعيد والتفاوض: حرب واشنطن وطهران تدخل مرحلة الاستنزاف السياسي والاقتصادي

 بين التصعيد والتفاوض: حرب واشنطن وطهران تدخل مرحلة الاستنزاف السياسي والاقتصادي

واشنطن – سعيد عريقات-8/5/2026

تحليل إخباري

على الرغم من تبادل بعض الضربات بين القوات الأميركية وإيران يوم الخميس، أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث تصريحاته عقب إعلانه استهداف زوارق بحرية إيرانية حمّلها مسؤولية مهاجمة سفينة حربية أميركية، على أن باب التفاوض مع طهران لا يزال مفتوحاً، مؤكداً في الوقت نفسه أن واشنطن “لن تتردد في الرد بقوة على أي تهديد للمصالح الأميركية”. هذا الجمع بين لغة التصعيد وخطاب التفاوض بات يلخص طبيعة المواجهة الحالية بين واشنطن وطهران، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع المساعي الدبلوماسية في مشهد يعكس تعقيد الحرب التي دخلت شهرها الثالث دون أفق واضح للحسم.

ومع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شهرها الثالث، تبدو المنطقة عالقة بين مسارين متناقضين: تصعيد عسكري مفتوح يهدد استقرار الخليج والاقتصاد العالمي، ومحاولات دبلوماسية متعثرة تسعى لمنع الانفجار الكبير. وبينما تتحدث إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن “تقدم كبير” في المفاوضات مع طهران، تستمر في الوقت نفسه بتعزيز وجودها العسكري وفرض الضغوط الاقتصادية والبحرية على إيران، ما يكشف أن واشنطن لا تزال تتعامل مع التفاوض باعتباره أداة ضغط أكثر منه مساراً متكافئاً للتسوية السياسية.

في هذا السياق، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران تراجع الرد الأميركي على المبادرة الإيرانية المؤلفة من أربعة عشر بنداً، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل عبر الوسيط الباكستاني. كما تحدثت تسريبات دبلوماسية عن دخول سلطنة عمان وقطر على خط الوساطة، في محاولة لتقريب وجهات النظر حول ملفات شديدة الحساسية، تشمل العقوبات الاقتصادية وحرية الملاحة ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. ويعكس هذا الحراك إدراكاً إقليمياً ودولياً بأن استمرار المواجهة بات يشكل تهديداً يتجاوز حدود الخليج ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.

لكن خطاب ترمب بقي الأكثر تعبيراً عن الارتباك داخل الإدارة الأميركية. فالرئيس الأميركي تحدث عن “محادثات جيدة جداً” مع إيران، قبل أن يهدد مجدداً بشن ضربات “أوسع وأكثر كثافة” إذا تراجعت طهران عن تقديم ما وصفه بالتنازلات. هذا التناقض يعكس الانقسام داخل واشنطن بين تيار يخشى تداعيات حرب طويلة ومكلفة، وآخر يعتقد أن الضغط العسكري والاقتصادي قد يفرض على إيران تراجعاً استراتيجياً واسعاً. غير أن التجربة خلال الأشهر الماضية أظهرت أن سياسة “الضغط الأقصى” لم تؤدِ إلى كسر الموقف الإيراني، بل دفعت طهران إلى استخدام أوراق القوة التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

فإيران، رغم العقوبات والضربات العسكرية، نجحت في استغلال موقعها الجغرافي لتحويل المضيق إلى نقطة ضغط دولية حساسة. ومع أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، إلا أن الأزمة كشفت حدود هذا التفوق عندما يتعلق الأمر بممر بحري يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. ولذلك جاء قرار واشنطن تعليق عمليات بحرية كانت تهدف إلى حماية الملاحة في المضيق مؤشراً على إدراك أميركي متزايد بأن أي مواجهة مفتوحة قد تتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.

ورغم حديث الإدارة الأميركية عن “تقدم مهم” في المحادثات، استمرت التوترات الميدانية. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن مقاتلة من طراز “إف/إيه-18 سوبر هورنت” عطلت ناقلة نفط إيرانية حاولت تجاوز الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، فيما نفت طهران مسؤوليتها عن الانفجار الذي أصاب سفينة شحن كورية جنوبية في مضيق هرمز، لكنها عادت وحذرت من عبور السفن “دون إذن إيراني”. هذه الوقائع تعكس استمرار سياسة حافة الهاوية، حيث يحاول كل طرف تجنب الحرب الشاملة مع الاستمرار في فرض وقائع ميدانية تعزز موقعه التفاوضي.

ومن بين التطورات اللافتة خلال الأسابيع الأخيرة، ما كشفته تقارير عن رفض السعودية السماح باستخدام قواعدها العسكرية ومجالها الجوي في عملية أميركية كانت تهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز. إلا أن التعامل مع هذا الموقف بوصفه تحولاً استراتيجياً جذرياً قد يكون مبالغاً فيه. فالسعودية، مثل بقية دول الخليج، تتحرك أساساً انطلاقاً من حسابات براغماتية تتعلق بحماية استقرارها الداخلي وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، خاصة في ظل إدراكها لحجم الكلفة الاقتصادية والأمنية لأي حرب واسعة في الخليج.

كما أن الموقف السعودي لا يعني بالضرورة ابتعاداً عن الشراكة الأمنية مع واشنطن، بقدر ما يعكس محاولة لإدارة التوازنات الإقليمية بحذر أكبر. فالرياض تدرك أن الاعتماد الكامل على القوة العسكرية الأميركية لم يعد يضمن الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه لا تملك مصلحة في انهيار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. لذلك يبدو السلوك السعودي أقرب إلى سياسة احتواء المخاطر وتجنب التصعيد، لا إلى إعادة صياغة جذرية للنظام الإقليمي كما تحاول بعض القراءات تصويره.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل من أكثر الأطراف خشية من أي انفراج محتمل بين واشنطن وطهران. فالحكومة الإسرائيلية ترى أن أي اتفاق قد يؤدي إلى تخفيف الضغوط عن إيران، ويعيد توجيه الاهتمام الدولي نحو الحرب في غزة والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومنذ سنوات، سعت تل أبيب إلى ترسيخ صورة إيران باعتبارها الخطر المركزي في المنطقة، مستفيدة من هذا المناخ لتبرير سياساتها الأمنية والتوسعية.

الأزمة الحالية كشفت أيضاً هشاشة الاقتصاد العالمي أمام التوترات الجيوسياسية في الخليج. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط والتأمين البحري والشحن إلى اضطرابات في الأسواق الدولية، فيما بدأت شركات كبرى بإعادة النظر في مسارات التجارة والطاقة. ومع تباطؤ الاقتصاد العالمي واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو واشنطن أكثر إدراكاً اليوم أن استمرار الحرب مع إيران قد يتحول من أداة ضغط سياسي إلى عبء اقتصادي واستراتيجي يصعب التحكم بنتائجه، ليس فقط على الشرق الأوسط، بل على النظام الدولي.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *