بايدن ونتنياهو: غضب متأخر لم يتحول إلى قطيعة في حرب غزة
سعيد عريقات
رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-5/10/2026
تحليل إخباري
تكشف شهادة بريت ماكغورك، كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لشؤون الشرق الأوسط، عن واحدة من أكثر اللحظات توتراً في علاقة بايدن برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال حرب غزة، حين بدا الرئيس على وشك اتخاذ قرار بوقف تدفق الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل. لكن هذه اللحظة، على شدتها، تكشف في الوقت نفسه حدود سياسة بايدن أكثر مما تثبت قدرته على فرض إرادته على نتنياهو. فقد كان الغضب موجوداً، والتهديد بقطع المساعدات مطروحاً، لكن الدعم العسكري والسياسي استمر، بينما واصلت إسرائيل حربها رغم الخسائر المدنية الهائلة والكارثة الإنسانية في غزة.
وترد تفاصيل هذه اللحظة في كتاب ماكغورك الجديد “الحافة”، وفي مقابلة أجريت معه، وتقدم رواية من داخل البيت الأبيض عن الأشهر الخمسة عشر التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023، وكيف حاول بايدن إدارة حرب تحولت سريعاً إلى أكبر أزمة سياسية وأخلاقية في رئاسته.
غضب بايدن أمام نتنياهو
بحسب ماكغورك، وصل بايدن في ربيع 2024 إلى حالة من الغضب الشديد تجاه نتنياهو، خصوصاً بعد ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتعطيل إدخال المساعدات الإنسانية وتعثر مفاوضات وقف الحرب وتبادل الأسرى.
وكانت نقطة الانفجار هجوماً إسرائيلياً في الأول من نيسان على قافلة تابعة لمنظمة “المطبخ المركزي العالمي”، أدى إلى مقتل سبعة من العاملين في مجال الإغاثة. وبعد ثلاثة أيام، دخل بايدن إلى اتصال مع نتنياهو وهو، بحسب شهادة مستشاره، على وشك القول له إن العلاقة انتهت وإن الولايات المتحدة قد توقف دعمها العسكري.
ونقل ماكغورك عن بايدن قوله لنتنياهو بلهجة غاضبة: “ماذا تفعل بحق الجحيم؟ هل تظن أنني بابا نويل؟ لا يوجد بابا نويل في إسرائيل”. ثم أوضح له أنه يستطيع وقف المساعدات العسكرية “بنقرة من إصبعه”.
لكن المشكلة لم تكن في قدرة بايدن على الغضب، وإنما في عدم تحويل ذلك الغضب إلى سياسة رادعة. فحتى في اللحظة التي كان فيها الرئيس يهدد بقطع السلاح، ظل مستشاره للأمن القومي ويليام بيرنز يرى أن استمرار دعم إسرائيل ضروري لإتمام صفقة الأسرى، بينما كان بايدن نفسه يخشى أن يؤدي الضغط الكامل على نتنياهو إلى تعريض الرهائن المحتجزين في غزة للخطر.
إيران تنقذ نتنياهو
المفارقة الأكثر دلالة جاءت بعد أيام قليلة، عندما شنت إيران هجوماً واسعاً بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. وفجأة، وجد بايدن نفسه في موقع الدفاع عن إسرائيل، بعد أن كان قبل أيام فقط يفكر في وقف إمداداتها العسكرية.
وبمشاركة القوات الأميركية والإسرائيلية وشركاء عرب، أُسقطت الغالبية العظمى من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وفي أعقاب الهجوم، حاول بايدن منع نتنياهو من شن رد إسرائيلي واسع يمكن أن يفتح حرباً إقليمية.
وقال بايدن، بحسب ماكغورك، بعدما ساعدت الولايات المتحدة في حماية إسرائيل: “لقد أنقذت مؤخرته للتو”، ثم طلب من مستشاريه الاتصال بنتنياهو. وفي النهاية استخدم صياغة أكثر دبلوماسية: “خذوا الانتصار”.
هذه اللحظة تختصر مأزق بايدن: كان يرى بوضوح مخاطر نتنياهو، لكنه لم يكن مستعداً للذهاب إلى النهاية المنطقية لهذا الاستنتاج. ظل التحالف مع إسرائيل أولوية ثابتة، حتى عندما أصبحت تصرفات الحكومة الإسرائيلية نفسها تهدد المصالح الأميركية في المنطقة.
خطوة محدودة وقرار غير مكتمل
صحيح أن بايدن أوقف في مرحلة لاحقة شحنة من القنابل الثقيلة لإسرائيل، تحت ضغط الخسائر المدنية والانتقادات المتزايدة، لكن الخطوة ظلت محدودة. ووفق رواية ماكغورك، رأى بعض مساعدي بايدن ضرورة اتخاذ إجراءات أقوى، بينما اعتبر هو أن وقف بعض الأسلحة قد يجعل حركة حماس أكثر اعتقاداً بإمكان تحقيق النصر، وبالتالي أقل استعداداً لقبول اتفاق.
غير أن هذا المنطق يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: إذا كانت الولايات المتحدة تملك النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي على إسرائيل، فلماذا لم تستخدمه بوضوح لإنهاء الحرب عندما اتضح حجم الكارثة الإنسانية؟
لقد بدا بايدن عالقاً بين اعتبارات متناقضة: يريد وقف الحرب، لكنه لا يريد الضغط على إسرائيل إلى الحد الذي يؤدي إلى قطيعة؛ يريد إدخال المساعدات، لكنه لا يريد استخدام المساعدات العسكرية كورقة ضغط حاسمة؛ يريد حماية المدنيين، لكنه يرفض تحميل الحكومة الإسرائيلية تبعات سياسية تتناسب مع حجم الانتهاكات.
سياسة أسيرة العلاقة مع إسرائيل
كان بايدن يعرف نتنياهو منذ عقود، وكان طوال حياته السياسية واحداً من أكثر الديمقراطيين الأميركيين دعماً لإسرائيل. لكن حرب غزة كشفت أن هذا الدعم التاريخي أصبح عبئاً سياسياً على الرئيس، خصوصاً مع تصاعد المعارضة داخل الحزب الديمقراطي نفسه.
فقد واجه بايدن انتقادات حادة من اليسار بسبب عجزه عن كبح نتنياهو، وفي الوقت نفسه تعرض لضغوط من الجماعات المؤيدة لإسرائيل كلما حاول ممارسة قدر من الضغط. والنتيجة كانت سياسة وسطية لم ترضِ أي طرف، لكنها عملياً أبقت إسرائيل قادرة على مواصلة الحرب.
ومن اللافت أن ماكغورك لا يقدم نقداً حقيقياً لبايدن، بل يصوره قائداً قوياً ومشاركاً ومطلعاً على تفاصيل الأزمة. لكنه، من دون أن يقصد، يقدم مادة تسمح بقراءة مختلفة: بايدن لم يكن عاجزاً عن فهم ما كان يحدث، بل كان عاجزاً أو غير راغب في استخدام النفوذ الأميركي المتاح لديه بصورة كاملة.
اتفاق جاء متأخراً
استمرت مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى أشهراً طويلة، حتى بات الوصول إلى اتفاق يبدو كفتح باب يقود إلى سلسلة أخرى من الأبواب المغلقة. وفي نهاية المطاف، ساهمت إدارة الرئيس دونالد ترمب المقبلة ومبعوثه ستيف ويتكوف في دفع الأطراف إلى قبول الاتفاق الذي كان بايدن قد عمل على صياغته خلال الأشهر السابقة.
ويقول ماكغورك إن الاتفاق لم يكن ليتم من دون ترمب وويتكوف، لكنه في الوقت نفسه لم يكن ليتم من دون الإطار الذي وضعه بايدن.
وهنا تكمن المفارقة السياسية: بايدن أمضى معظم ولايته الأخيرة يحاول احتواء حرب كان يرفض إنهاءها بالقوة السياسية اللازمة، ثم جاء ترمب في الأيام الأخيرة ليستخدم التهديد والضغط بصورة أكثر مباشرة للوصول إلى ما عجزت إدارة بايدن عن فرضه طوال أشهر.
تكشف شهادة ماكغورك أن مشكلة بايدن لم تكن غياب الغضب تجاه نتنياهو، بل غياب الإرادة السياسية لتحويل الغضب إلى ضغط حقيقي. كان الرئيس يرى الخسائر المدنية، ويعرف أن نتنياهو يماطل، ويدرك أن المساعدات العسكرية الأميركية تمنح واشنطن نفوذاً هائلاً، لكنه ظل متردداً في استخدام هذا النفوذ. لذلك تحولت تهديداته إلى رسائل، وتحولت تحذيراته إلى مناشدات، بينما استمرت الحرب. غضب بايدن من نتنياهو كان حقيقياً، لكنه بقي غضباً محكوماً بسقف العلاقة الأميركية الإسرائيلية، ولم يتحول إلى قرار سياسي قادر على وقف المأساة.
والأكثر قسوة في إرث بايدن أن الوقائع الواردة في رواية مستشاره تنقض جزئياً الصورة التي حاولت إدارته تقديمها عن نفسها كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين. لم يكن بايدن وسيطاً محايداً؛ كان الطرف الذي يوفر لإسرائيل السلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي، ثم يطلب منها استخدام هذا السلاح بطريقة أكثر انضباطاً. وحين فشلت المناشدات، لم يصل الضغط إلى مستوى يغيّر السلوك الإسرائيلي. وهكذا أصبح بايدن شريكاً في المعضلة التي كان يحاول إدارتها، لا مجرد رئيس أميركي يحاول احتواء أزمة صنعها آخرون.
وقد يكون أهم ما تكشفه هذه الرواية أن بايدن امتلك في لحظة معينة فرصة حقيقية لتغيير مسار الحرب، لكنه لم يستثمرها. كان يستطيع ربط استمرار المساعدات بشروط واضحة، أو وقف شحنات إضافية، أو استخدام نفوذ واشنطن لفرض وقف لإطلاق النار، لكنه ظل أسير الخوف من كلفة مواجهة نتنياهو. والأسوأ أن هذا التردد لم يمنع استمرار الحرب فحسب، بل أضعف صورة الولايات المتحدة عالمياً، وعمّق الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، وأفقد واشنطن جزءاً من قدرتها على الادعاء بأنها قوة تدافع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
