الكونغرس يعيد رسم العلاقة العسكرية مع إسرائيل… من المساعدات إلى الشراكة الاستراتيجية

 الكونغرس يعيد رسم العلاقة العسكرية مع إسرائيل… من المساعدات إلى الشراكة الاستراتيجية

واشنطن – سعيد عريقات-7/8/2026

تحليل إخباري

في تحول قد يعيد صياغة واحدة من أكثر العلاقات العسكرية رسوخاً في السياسة الخارجية الأميركية، يتجه الكونغرس إلى مناقشة مقاربة جديدة للعلاقة الدفاعية مع إسرائيل تقوم على تقليص الاعتماد التدريجي على المساعدات العسكرية السنوية، مقابل توسيع الشراكة في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الانتقادات الشعبية والسياسية لاستمرار تدفق مليارات الدولارات إلى إسرائيل، في ظل الحرب المستمرة على غزة والعمليات العسكرية في لبنان، بما يجعل النقاش يتجاوز حجم التمويل إلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية نفسه، وذلك بحسب ما ذكرت وسائل إعلام أميركية متعددة، مثل نيويورك تايمز، مجلة التايم، ووسائل أخرى.

ورغم أن مذكرة التفاهم الحالية، التي وقعت عام  2015  أبان إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والتي تضمن لإسرائيل 3.8 مليارات دولار سنوياً من المساعدات العسكرية الأميركية حتى عام 2028، لا تزال سارية، فإن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تبلغ قيمته نحو 1.15 تريليون دولار وينتظر مناقشته في مجلس الشيوخ، يتضمن بنوداً قد تمثل أكبر تحول في طبيعة التعاون العسكري بين البلدين منذ عقود.

ولا ينص المشروع على خفض المساعدات القائمة بصورة مباشرة، لكنه يفتح الباب أمام إنشاء شراكة دفاعية وصناعية أكثر اندماجاً، تشمل الأبحاث المشتركة، والتطوير والإنتاج العسكري، وتوسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات الدفاعية المتقدمة. ويرى مؤيدو المشروع أن هذا النموذج يحقق مكاسب للطرفين، إذ يسرّع الابتكار العسكري ويخفض تكاليف تطوير الأنظمة الدفاعية، بينما يرى منتقدوه أنه ينقل العلاقة إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الارتباط العسكري بين البلدين أكثر عمقاً وأقل خضوعاً للرقابة التشريعية.

ويحظى هذا التوجه بدعم واضح من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي دعا علناً إلى إنهاء مرحلة الاعتماد على المساعدات المالية الأميركية، والانتقال إلى نموذج “الشريك الكامل”. كما يحظى المشروع بتأييد لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، التي ترى فيه إطاراً يضمن استدامة التعاون العسكري بعيداً عن الجدل السنوي الذي يرافق إقرار المساعدات في الكونغرس.

وتقترح النسختان اللتان أقرهما مجلسا النواب والشيوخ من مشروع القانون تكليف وزير الدفاع الأميركي بتعيين مسؤول تنفيذي يقود برامج التعاون التكنولوجي مع إسرائيل، إضافة إلى إنشاء مبادرة ثنائية لتسريع البحث العلمي، والمشتريات العسكرية المشتركة، والإنتاج المشترك لمنظومات الدفاع والأسلحة المتقدمة.

وفي الوقت نفسه، يناقش مجلس الشيوخ مشروعاً آخر لتوسيع التعاون الاستخباري مع إسرائيل في مجالات مكافحة الإرهاب، والتهديدات السيبرانية، والدفاع الصاروخي، مع توسيع التنسيق مع الدول الموقعة على “اتفاقات أبراهام”، بما يعكس اتجاهاً نحو بناء منظومة أمنية إقليمية تقودها واشنطن بالشراكة مع إسرائيل.

ويؤكد مؤيدو المشروع أن هذه البنود لا تنشئ قيادة عسكرية مشتركة، ولا تنقل السيطرة على القوات المسلحة لأي من الطرفين، كما أنها لا تشكل تفويضاً تلقائياً لتقديم مساعدات إضافية لإسرائيل، بل تهدف إلى تطوير البنية الصناعية والتكنولوجية المشتركة بين البلدين.

غير أن هذا التفسير لا يبدد المخاوف التي يثيرها المشروع بين عدد متزايد من أعضاء الكونغرس والخبراء في السياسة الخارجية، الذين يرون أن نقل العلاقة من إطار المساعدات المباشرة إلى إطار التعاون المؤسسي قد يجعلها أكثر تعقيداً وأصعب على أي إدارة أو كونغرس مستقبلي في حال أراد إعادة النظر فيها.

وتستند هذه المبادرة إلى مشروع قانون مستقل يحمل اسم “إيوشرز آكت FUTURES Act ” ، قدمه أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ، ويهدف إلى إنشاء مبادرة دائمة للتكنولوجيا الدفاعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارها جزءاً من استراتيجية الحفاظ على التفوق العسكري الأميركي في مواجهة المنافسين الدوليين.

ويأتي ذلك في وقت تمتلك فيه واشنطن بالفعل شبكة واسعة من برامج التعاون العسكري مع إسرائيل، شملت التمويل المشترك لمنظومة “القبة الحديدية”، والإنتاج المشترك لمكوناتها داخل الولايات المتحدة منذ عام 2014، إضافة إلى تطوير منظومة “مقلاع داود” عبر شراكة بين شركات دفاعية أميركية وإسرائيلية.

كما توسع هذا التعاون خلال السنوات الأخيرة ليشمل تنسيقاً عملياتياً في عدد من الملفات العسكرية الحساسة، بما فيها العمليات المشتركة ضد إيران، الأمر الذي عزز القناعة لدى أنصار المشروع بأن العلاقة بين البلدين تجاوزت منذ سنوات مفهوم المساعدات التقليدية، وأصبحت شراكة استراتيجية متكاملة تتطلب إطاراً قانونياً جديداً يعكس هذا الواقع.

غير أن هذا التحول يأتي في لحظة سياسية مختلفة تماماً عن العقود السابقة. فالحرب على غزة، وما رافقها من انتقادات دولية واسعة، دفعت عدداً متزايداً من المشرعين، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، إلى إعادة النظر في جدوى استمرار الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، بينما بدأت أصوات داخل التيار الجمهوري المرتبط بشعار “أميركا أولاً” تتساءل عن كلفة الالتزامات العسكرية الخارجية، خصوصاً بعد تصاعد الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب مع إيران.

ويكتسب هذا التحول زخماً إضافياً بفعل المواقف التي أعلنها نتنياهو خلال الأشهر الماضية، إذ دعا صراحة إلى إنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية، معتبراً أن الوقت قد حان للانتقال من صفة “متلقي المساعدات” إلى “الشريك الاستراتيجي”. وكرر هذا الموقف في أكثر من مناسبة، فيما كشف السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي أن الإدارة الأميركية تبحث بالفعل مع المسؤولين الإسرائيليين إطاراً جديداً للتعاون الأمني يحل محل مذكرة التفاهم الحالية بعد انتهاء العمل بها عام 2028، على أن يقوم أساساً على الشراكة التجارية والصناعية والعسكرية، بدلاً من التمويل المباشر.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه الكونغرس انقساماً متزايداً بشأن مستقبل الدعم العسكري لإسرائيل. فقد أعلن 27 نائباً ديمقراطياً رفضهم تخصيص 3.3 مليارات دولار إضافية كمساعدات عسكرية مباشرة، بينما أيد أكثر من مائة نائب تعديلاً لإلغاء هذا التمويل، رغم سقوطه في التصويت النهائي. وفي المقابل، بدأت أصوات جمهورية، خصوصاً من أنصار شعار “أميركا أولاً”، تدعو إلى تقليص المساعدات الخارجية عموماً، معتبرة أن الأولوية ينبغي أن تكون للإنفاق داخل الولايات المتحدة، لا لتمويل الحروب والصراعات الخارجية.

ورغم أن مشروع الشراكة الدفاعية يقدم باعتباره بديلاً أكثر كفاءة من المساعدات التقليدية، فإن معارضيه يرون أنه قد يؤدي عملياً إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي داخل مؤسسات الأمن القومي الأميركية. ويستند هؤلاء إلى تجارب سابقة، أبرزها التعاون في برامج الدفاع الصاروخي، حيث تمكنت إسرائيل من التأثير في قرارات أميركية تخص استخدام منظومات مشتركة، بما في ذلك اعتراضها على نقل بطاريات “القبة الحديدية” المملوكة للولايات المتحدة إلى أوكرانيا، خشية وصول التكنولوجيا إلى روسيا ومنها إلى إيران.

ويعد السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن (ولاية ميريلاند) من أبرز المنتقدين لهذا التوجه، إذ حذر من أن دمج التكنولوجيا الإسرائيلية بصورة أعمق في منظومات التسليح الأميركية قد يمنح الحكومات الإسرائيلية المستقبلية قدرة أكبر على التأثير في قرارات البنتاغون، ويقيد حرية الحركة الأميركية إذا ما تباينت مصالح البلدين مستقبلاً. كما يرى أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل تحولت، خلال السنوات الأخيرة، إلى عبء سياسي وأخلاقي على الولايات المتحدة، في ضوء ما يعتبره تراجعاً في انسجام السياسات الإسرائيلية مع المصالح والقيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.

ولم يقتصر الاعتراض على فان هولن، إذ وقع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم بيرني ساندرز، رسالة تعارض البنود التي تلزم بتوسيع التعاون الدفاعي والاستخباري مع حكومة نتنياهو، معتبرين أن توقيتها يثير القلق في ظل استمرار الحرب على غزة، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، وما يرونه من تعارض بين سياسات الحكومة الإسرائيلية والمصالح الأميركية.

كما وجهت النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز انتقادات حادة للمشروع، محذرة من أن دمج أجزاء من البنية العسكرية الأميركية مع الجيش الإسرائيلي يمثل، من وجهة نظرها، تهديداً للسيادة الأميركية، وهو توصيف رفضه مؤيدو المشروع، مؤكدين أن المبادرة لا تنشئ جيشاً مشتركاً، وإنما توسع الاستثمار والتطوير الصناعي والتكنولوجي بين البلدين.

ورغم هذه الاعتراضات، رفضت لجنة القواعد في مجلس النواب مرتين السماح بالتصويت على تعديل مشترك قدمه النائب الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا لحذف هذه البنود من مشروع القانون، قبل أن يقر مجلس النواب المشروع متضمناً النصوص الخاصة بالشراكة الدفاعية. إلا أن مصير المشروع لا يزال معلقاً في مجلس الشيوخ، حيث يواجه معارضة ديمقراطية واسعة قد تؤخر إقراره أو تفرض تعديلات جوهرية عليه.

تكشف هذه التطورات أن النقاش الدائر في واشنطن لم يعد يتمحور حول قيمة المساعدات العسكرية لإسرائيل، بل حول الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان استمرار العلاقة الاستراتيجية بمعزل عن التقلبات السياسية. فالانتقال من نموذج “المساعدات” إلى نموذج “الشراكة” يعني عملياً تحويل العلاقة من بند مالي يخضع لتصويت الكونغرس كل عام إلى ارتباط مؤسسي طويل الأجل داخل البنتاغون والصناعات الدفاعية. وبذلك يصبح تقليص التعاون مستقبلاً أكثر صعوبة، حتى لو تبدلت موازين القوى السياسية أو تغير المزاج الشعبي تجاه إسرائيل.

ويعكس المشروع أيضاً إدراكاً متزايداً لدى أنصار إسرائيل بأن البيئة السياسية الأميركية لم تعد كما كانت قبل عقدين. فقد أدت الحرب على غزة وما رافقها من انتقادات دولية إلى تآكل التأييد التقليدي غير المشروط داخل الحزب الديمقراطي، بينما بدأت أصوات جمهورية تتساءل عن كلفة الانخراط العسكري الخارجي. ومن هنا، يبدو أن إعادة هيكلة العلاقة الدفاعية تمثل محاولة استباقية لتحصينها ضد التحولات السياسية المقبلة، بحيث تصبح جزءاً من البنية المؤسسية الدائمة للأمن القومي الأميركي، وليس مجرد قرار تمويلي قابل للمراجعة.

ويثير دمج التكنولوجيا الإسرائيلية في برامج البنتاغون أسئلة تتجاوز الجوانب التقنية، لتصل إلى جوهر استقلالية القرار الدفاعي الأميركي. فكلما توسعت برامج الإنتاج المشترك وسلاسل الإمداد المتبادلة، ازدادت كلفة الانفصال بين الطرفين إذا ما نشأت خلافات استراتيجية في المستقبل. ويخشى منتقدو المشروع أن يؤدي هذا الواقع إلى خلق اعتماد متبادل يمنح إسرائيل نفوذاً غير مباشر في صياغة بعض الخيارات العسكرية الأميركية، ويحد من قدرة الإدارات المقبلة على إعادة رسم أولوياتها الدفاعية بحرية كاملة.

وإذا أُقرت هذه التشريعات بصيغتها الحالية، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية تختلف جذرياً عن النموذج الذي ساد منذ سبعينيات القرن الماضي. فبدلاً من علاقة تقوم على المساعدات السنوية، ستنشأ شراكة صناعية وتكنولوجية وأمنية يصعب تفكيكها، لأنها ستصبح متداخلة مع مصالح شركات الدفاع، ومراكز الأبحاث، والبرامج العسكرية المشتركة. ولهذا يرى معارضو المشروع أن المسألة لا تتعلق بإعادة تنظيم التعاون العسكري فحسب، بل بإعادة تعريفه بطريقة قد تجعل أي مراجعة مستقبلية للعلاقة أكثر تعقيداً سياسياً واستراتيجياً.

وبينما لا يزال مشروع القانون يواجه اختباراً صعباً في مجلس الشيوخ، فإن مجرد طرحه يكشف عن تحول نوعي في التفكير داخل واشنطن. فبدلاً من الجدل التقليدي حول حجم المساعدات لإسرائيل، باتت المعركة تدور حول شكل العلاقة نفسها، وما إذا كانت ستظل خاضعة للرقابة السياسية والمالية الدورية، أم ستتحول إلى شراكة مؤسسية دائمة تتجاوز الحكومات والإدارات المتعاقبة. وإذا تحقق هذا التحول، فإن العلاقات العسكرية بين واشنطن وتل أبيب ستدخل مرحلة أكثر عمقاً واستدامة، لكنها ستكون أيضاً أكثر إثارة للجدل، سواء داخل الكونغرس أو في الرأي العام الأميركي، الذي يشهد تغيراً متسارعاً في نظرته إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *