الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية(الحلقة الخامسة والعشرون)
د.مسعد عربيد
مسعد عربيد
- متابعة: دور الصهيونية المسيحية في تحول الصهيونية من “فكرة دينية” … إلى “مشروع استعماري – استيطاني”
- تلاقي البروتستانتية مع الإمبريالية (الجزء الثاني)
البروتستانتية ودعم الإمبريالية
رب قائل: وما علاقة هذا بالصهيونية المسيحية؟
الرأسمالية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عمره خمسة قرون يسعى إلى تحقيق الربح وتراكم رأس المال. أمّا الإمبريالية فتمثّل مرحلة متقدمة من تطور هذا النظام في نهاية القرن التاسع عشر، تتميز بتوسع الدول والشركات الكبرى نفوذها الاقتصادي والسياسي خارج حدودها، وهيمنة الاحتكارات ورأس المال المالي وتصدير رؤوس الأموال، والتنافس على النفوذ. وهو بعينه ما فعلته الإمبريالية، لا سيما بريطانيا: 1) نهب الموارد الأولية من المستعمرات لتوفير ما تحتاجه الصناعة مثل النفط والمعادن وغيرها، 2) الوصول إلى أسواق جديدة، و3) استغلال الأيدي العاملة الرخيصة في البلدان المستعمَرة، بهدف تخفيض كلفة الإنتاج وزيادة أرباح الشركات الرأسمالية.
فبريطانيا، على سبيل المثال – وهي التي قادت الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر والتحول الكبير من اقتصاد زراعي إلى عملاق صناعي – كانت بحاجة إلى مواد خام رخيصة لثورتها الصناعية، وإلى أسواق لبيع منتجاتها. وهنا وفّر التوسع الاستعماري كلا الأمرين، ومن هنا ارتبط التصنيع البريطاني والتطور الرأسمالي فيها بالتوسع الاستعماري.
خلاصة القول، إذا كانت الإمبريالية مرحلة متقدمة من التطور الرأسمالي، فإن هذا يقودنا إلى استنتاج بالغ الأهمية وهو: إن البروتستانتية دعمت الرأسمالية وقيمها وتطورها، ودعمت الإمبريالية كمرحلة متقدمة من هذا النظام. وهنا تكتسب فلسطين موقعًا هامًا في الإستراتيجية البريطانية، ليس فقط بفضل موقعها الإستراتيجي على الطريق المؤدي إلى الهند وغيرها من المستعمرات البريطانية، بل لأن المشروع الصهيوني الهادف لإقامة يهودية، يشكّل أداة وقاعدة لحماية مصالحها الإمبريالية.
تحالف البروتستانتية والإمبريالية
أدّت البروتستانتية، في تحالفها ودعمها للإمبريالية، أدواراً متعددة أهمها تبرير سياسات الهيمنة الاستعمارية.
– فعلى المستوى الداخلي، أسهمت في إحداث تغيرات جذرية في مؤسسات الدول الاستعمارية ومجتمعاتها، حيث ساهم رجال الدين والأنشطة الكنسية والمدارس في ترسيخ نظام اجتماعي استعماري، كما حصل في بعض المناطق مثل أمريكا الشمالية البريطانية وأيرلندا وأجزاء من الإمبراطورية البريطانية.
– كما أن البروتستانتية، من الناحية العملية، شكّلت وسيلة لخدمة المصالح الإمبريالية ونقل التأثير السياسي والاقتصادي والثقافي الأوروبي من خلال البعثات التبشيرية والتعليمية والخدمات الاجتماعية والطبية في المستعمرات، كما حدث في بلدان المشرق العربي وخاصة فلسطين.
تحت غطاء الدين:
منح الشرعية الدينية والأخلاقية للمشاريع الاستعمارية
منذ انتشار الحركات البروتستانتية، لا سيما في هولندا وبريطانيا، صوّرت الحكومات الاستعمارية أن التوسع الإمبريالي والبعثات التبشيرية مسؤولية دينية وروحية في نشر المسيحية والحضارة. وهنا، قدمت الكنائس تبريرًا وشرعيةً دينية وأخلاقية للاستعمار، حيث اقترنت مشاريع التنصير (نشر المسيحية) و”التحضير” (نشر الحضارة) بالتوسع الاستعماري. فادّعى المبشرون أنهم جاءوا إلى البلدان المستعَمرة سعيًا وراء نشر المسيحية بين السكان الأصلانيين، ونشر التعليم والثقافة والخدمات الصحية، ولكنهم في حقيقة الأمر بشّروا بالقيم والأعراف الاجتماعية والمعايير الثقافية الأوروبية بينهم، فقاموا بإنشاء كنائس ومدارس ومطابع ومستشفيات وعيادات وأنظمة تعليمية غربية، ما أسهم في التحول الثقافي وتغريب westernization المجتمعات المستعمَرة وسهّل السيطرة الاستعمارية.
وما نشهده في عالمنا اليوم من تبني العديد من الشعوب المستعمَرة للديانة المسيحية هو من نتائج أنشطة البعثات التبشيرية. فمنذ القرن الثامن عشر أخذت المنظمات التبشيرية البروتستانتية بالنشاط والعمل في العديد من بلدان أفريقيا وآسيا والأميركتين، ولكنها اكتسبت أهمية خاصة في فلسطين والمشرق العربي خلال القرن التاسع عشر، حيث أسس المبشرون كنائس ومدارس ومستشفيات ومطابع وجمعيات لدراسة الكتاب المقدس والتبشير بالمعتقدات المسيحية، وغيرها من الأنشطة. وكثيرًا ما كانت هذه الكنائس والجمعيات مرتبطة هيكلياً بالحكومة، وتتلقى دعمها المادي واللوجستي.
تفوق الرجل الأبيض والرسالة الحضارية
خلال القرن التاسع عشر، ربط بعض المفكرين البروتستانت بين المسيحية من جهة، والأفكار الأوروبية المتعلقة بالتسلسل الهرمي العِرقي والثقافي، من جهة أخرى. فسادت بين الحكومات الإمبريالية والمبشرين البروتستانت أيديولوجيا “الرسالة الحضارية أو التحضر”، والتي تقوم على فكرة أن الأوروبيين، بوصفهم أكثر تقدمًا ورقيًا، يتحملون مسؤولية تغيير المجتمعات التي يعتبرونها أقل “تحضراً”، والأخذ بيد الشعوب المستعمَرة “المتخلفة” على درب التقدم الحضاري.
من هذا المنطلق، استخدم المبشرون نشر المسيحية والتعليم والانخراط في الحياة العامة والأسرية للمجتمعات المستعمَرة، والتداخل مع سياسات الدول الاستعمارية كنماذج يجب فرضها على هذه الشعوب، ناهيك عن تبني بعض المؤسسات والأفراد البروتستانت لأفكار وأيديولوجيا التفوق العرقي والحضاري الأوروبي ووضعه في خدمة وتعزيز التوسع الإمبريالي.
هكذا أصبحت عملية التحول إلى المسيحية جزءً من المشروع الإمبريالي، وهكذا تم ربط “التحول الديني” واعتناق البروتستانتية بالمشاريع الاستعمارية وسياسات الهيمنة الإمبريالية، الاقتصادية والسياسية والثقافية.
جدير بالملاحظة في هذا السياق، التأثير المباشر لهذه الأيديولوجيا على فلسطين. فالغرب لا يزال يعمل بلا كلل على رسم صورته وتقديم نفسه بوصفه حامي الحضارة والضمير الإنساني والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، متناسيًا جرائمه الاستعمارية في فلسطين وغيرها من بقاع العالم. وقد شكّلت حرب الإبادة الصهيونية في غزّة والضفة الغربية، التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، تعريةً لهذه الأكاذيب وتحديًا يثير تساؤل:
كيف شارك الغرب ونخبه في هذه الإبادة ومنح “الشرعية” الأخلاقية والسياسية للكيان الصهيوني؟
وهل كان سبب هذه المشاركة والتواطؤ هو حماية الكيان وحماية المصالح الإمبريالية الغربية وحسب، أم أنه في خلفية هذا الموقف السياسي تكمن عقلية تفوق الرجل الأبيض وعنصريته؟
المصالح الاقتصادية والسياسية
صحيح أن الحكومات والشركات والجيوش الأوروبية سعت وراء مصالحها السياسية والاقتصادية، وصحيح أيضًا أن العمل التبشيري لم يكن بالضرورة سبباً مباشرًا في نشوء الرأسمالية والإمبريالية، ولكن المبشرين عملوا جنباً إلى جنب مع المؤسسات الإمبريالية الغربية ودعموا سياساتها، وقدموا لها الخدمات الاستخباراتية والثقافية والجغرافية والاقتصادية والسياسية بفضل تداخلها مع المجتمعات المستعمَرة التي عملوا فيها. كما أنه ليس سرًا أن هذه المنظمات استفادت بالمقابل من علاقتها مع الحكومات الاستعمارية وتلقت منها كافة أشكال الدعم المالي واللوجستي.
الانتقاد البروتستانتي للاستعمار
نختم هذا الفصل حول دعم البروتستانتية للإمبريالية، بالقول إن هذا لا يعني أن كافة البروتستانتيين، إفرادًا ومؤسسات، دعموا الحكومات الاستعمارية وساعدوها في مساعيها التوسعية، فقد كان بينهم مَنْ انتقد وعارض الاستعمار والتمييز العرقي والعبودية وجرائم العنف والانتهاكات التي ارتكبتها الحكومات الاستعمارية بحق الشعوب المستعمَرة. كما أن بعض هؤلاء تبنى مواقف متباينة بشأن الاستعمار تفاوتت باختلاف المكان والحقبة التاريخية. فعلى سبيل المثال، لعبت حركات إلغاء العبودية البروتستانتية في بريطانيا والولايات المتحدة أدوارًا مهمة في الحملات المناهضة لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.
