التضليل الانتخابي في مجتمعات المهاجرين: الخوف وحواجز اللغة والذكاء الاصطناعي تهدد المشاركة
الانتشار العربي
حذّر خبراء في رصد المعلومات المضللة من أن الشائعات المتعلقة بالانتخابات والهجرة قد تدفع مواطنين مؤهلين للتصويت إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع، خصوصًا حين تصلهم عبر أفراد العائلة والأصدقاء وشبكات التواصل التي يثقون بها. وأكدوا أن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يضاعف التحدي، من خلال إنتاج صور ومقاطع فيديو مقنعة، وتقديم إجابات عن الانتخابات تختلف دقتها باختلاف اللغة المستخدمة.
جاء ذلك خلال ندوة افتراضية نظمتها مؤسسة «أمريكان كوميونيتي ميديا» (ACoM)، يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعنوان «من تكون له الكلمة الأخيرة؟ التضليل الانتخابي في مجتمعات المهاجرين»، تناولت كيفية انتشار الرسائل الكاذبة والمضللة، وتأثيرها على الثقة بالانتخابات، ودور وسائل الإعلام المجتمعية في مواجهتها.
أدارت الندوة بيلار ماريرو، المحررة المشاركة في المؤسسة، وشارك فيها كاميرون هيكي، الرئيس التنفيذي للمؤتمر الوطني للمواطنة؛ وجينشيا نيو، من مشروع المشاركة الرقمية باللغة الصينية في منظمة «الصينيون من أجل العمل الإيجابي»؛ ولورا زومر، الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمنظمة «فاكتشيكيادو» المتخصصة في تدقيق المعلومات باللغة الإسبانية.
وافتتحت ماريرو اللقاء بالإشارة إلى أن الرسائل المضللة عن التصويت والهجرة تستغل المخاوف القائمة داخل مجتمعات المهاجرين، وقد تربك الناخبين وتثنيهم عن المشاركة، ما يستدعي فهم طرق انتقالها وتوفير معلومات واضحة وموثوقة بلغات الجمهور.
هيكي: أزمة التضليل تمتد إلى الثقة بالديمقراطية
قال كاميرون هيكي إن الشائعات سبقت الهواتف الذكية ومنصات التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن التغيير الأساسي يتمثل في سرعة انتشارها وقدرة الأدوات الحديثة على إنتاج محتوى مضلل بكميات كبيرة وفي وقت قصير.
وأوضح أن رواية كانت تحتاج إلى أسابيع للانتقال شفهيًا أصبحت تصل إلى جمهور واسع فور نشرها، بينما تتيح الأدوات التوليدية صياغة ادعاءات جديدة وإرفاقها بصور أو مقاطع تبدو حقيقية.
وربط هيكي هذه الظاهرة بالاستقطاب وتراجع الاتفاق على الحقائق الأساسية، موضحًا أن استمرار الخلاف حول ما حدث، ومن قال ماذا، ولماذا تُعد معلومة ما صحيحة، يضعف الثقة بالمؤسسات الانتخابية والقضائية والصحية، وقد يمتد إلى علاقة الناس بجيرانهم ومجتمعاتهم.
وميّز بين المعلومات الخاطئة التي تُنشر دون قصد الإضرار، والتضليل المتعمد الذي يُنتج بقصد الخداع. كما تحدث عن نظريات المؤامرة، والمحتوى المنزوع من سياقه، والتأطير المتحيز الذي يستثير المشاعر، وخطاب الكراهية الذي يستهدف المهاجرين.
وشدد على أن اختلاف النوايا لا يلغي تشابه النتائج؛ فقد تؤدي الشائعة في الحالتين إلى تخويف الناس من التصويت أو تغيير قراراتهم استنادًا إلى معلومات غير صحيحة.
اقتصاد الانتباه يساعد الشائعات على الانتشار
شرح هيكي أن المنصات الرقمية تعمل ضمن اقتصاد يكافئ جذب الانتباه، ما يمنح المحتوى المثير للخوف والغضب فرصًا أكبر للانتشار. وتضاف إلى ذلك الحوافز المالية والسياسية التي تدفع بعض الجهات إلى تصنيع ادعاءات أو تضخيمها.
وأشار إلى دور الانحيازات الشخصية، إذ يميل المستخدم إلى تصديق ما ينسجم مع أفكاره المسبقة، وقد يعيد نشره دون تدقيق لأنه يرغب في أن يكون صحيحًا.
وحذّر من اعتبار عدد المتابعين دليلًا على المصداقية، مؤكدًا أن امتلاك شخص أو منصة جمهورًا واسعًا لا يضمن صحة المحتوى المنشور.
ولمساعدة الجمهور على التحقق، عرض منهج «SIFT» الذي طوره الباحث في الثقافة المعلوماتية مايك كولفيلد، ويقوم على التوقف قبل التفاعل، والتحقق من المصدر، والبحث عن تغطية أفضل، ثم تتبع الادعاء أو الصورة إلى مصدرهما الأصلي.
وأوضح أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث قد تكون مفيدة، لكنها لا تعفي المستخدم من مراجعة المصادر؛ فهذه الأنظمة لا تميز دائمًا بصورة موثوقة بين المعلومات الدقيقة والمضللة.
الهجرة وصور التخويف عند مراكز الاقتراع
تناول هيكي روايات تربط التصويت بمخاطر إنفاذ قوانين الهجرة، وقال إن فريقه رصد صورًا مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر عناصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك «آيس» وهم يرهبون ناخبين عند مواقع الاقتراع.
وبحسب عرضه، يجري تداول هذا المحتوى لإثارة الخوف، وقد يختلط لدى المتلقين بمخاوف مرتبطة بإجراءات فعلية لإنفاذ قوانين الهجرة، فيصبح التمييز بين الواقعة والصورة المصطنعة أكثر صعوبة.
وعندما طُلبت منه أمثلة تفصيلية، أوضح أن المواد التوثيقية ليست متاحة أمامه أثناء اللقاء، وعرض ربط الصحفيين بالمحللة المختصة في مؤسسته للاطلاع عليها.
كما أثار مخاوف بشأن استخدام نظام «SAVE» الفيدرالي في مراجعات تتعلق بالمواطنة، محذرًا من أن تأخر تحديث البيانات قد يؤدي إلى التشكيك خطأً في وضع مواطنين حصلوا حديثًا على الجنسية، ثم توظيف هذه الحالات في روايات أوسع عن تصويت غير المواطنين.
ودعا الصحفيين إلى التحقق من الادعاءات المتعلقة بوجود عناصر فيدرالية قرب مراكز الاقتراع عبر المصادر المباشرة، والبحث العكسي عن الصور، وفحص تاريخ النشر وسياقه والحسابات التي تداولته.
وفي رده على سؤال عن مقاطع يُزعم أنها تُظهر أجهزة تصويت تغيّر اختيارات الناخبين، قال إنه لم يراجع الأمثلة الحديثة المشار إليها. لكنه أوضح أن روايات مشابهة تكررت خلال دورات انتخابية سابقة، وأن احتمال وجود خلل في شاشة لمس يستلزم التحقيق، ولا يشكل بذاته دليلًا على تلاعب متعمد بالأصوات.
نيو: انتقال التضليل من «ويتشات» إلى «إكس»
قدمت جينشيا نيو صورة عن بيئة المعلومات باللغة الصينية، موضحة أن منظمة «الصينيون من أجل العمل الإيجابي»، التي تأسست في سان فرانسيسكو عام 1969، تعمل على الدفاع عن الحقوق المدنية وتعزيز المشاركة المجتمعية.
وقالت إن فريقها يجمع بين تدقيق المعلومات وإنتاج محتوى إخباري وتفسيري، إلى جانب إدارة حسابات على «ويتشات»، للوصول إلى الجمهور داخل المنصات التي يستخدمها يوميًا.
وبحسب نيو، رصد الفريق أكثر من 600 مادة مضللة ضمن قاعدة بياناته. وأظهرت متابعته تحولًا في حركة التضليل، مع تزايد دور منصة «إكس» بوصفها نقطة انطلاق لروايات تُنقل لاحقًا إلى مجموعات «ويتشات» و«يوتيوب».
وأوضحت أن نحو 60% من المواد المضللة باللغة الصينية التي يتابعها الفريق تأتي، وفق تقديرها، من محتوى باللغة الإنجليزية، ثم تُترجم أو تُعدّل بإضافة تفسيرات تناسب الجمهور المستهدف.
ومن الأمثلة التي تناولتها مزاعم التأثير الصيني في الانتخابات الأمريكية؛ إذ قالت إن بعض المؤثرين يضخمون هذه الروايات، ثم يقدمون عدم تغطيتها في وسائل إعلام رئيسية باعتباره دليلًا على تواطؤ تلك الوسائل، ما يعمق عزلة الجمهور الذي لا يتابع المصادر الإنجليزية.
اختلاف الأنظمة الانتخابية يتحول إلى مدخل للتضليل
ركزت نيو على استغلال الفروق الثقافية والمؤسسية في نشر مزاعم تصويت غير المواطنين. وأوضحت أن القادمين من بلدان تتطلب إبراز الهوية في معظم المعاملات قد يجدون صعوبة في فهم اختلاف قواعد الانتخابات بين الولايات الأمريكية.
وقالت إن هذا الاختلاف يُستخدم لترويج استنتاج مضلل مفاده أن عدم طلب وثيقة هوية في بعض الحالات يعني أن أي شخص يستطيع التصويت، من دون شرح آليات التسجيل والتحقق والقواعد المعمول بها.
وأضافت أن هذه الرسائل تكتسب أثرًا أشد حين تقترن بالخوف من سلطات الهجرة؛ فقد تتحول الأخبار عن أخطاء إدارية أو مراجعات للسجلات إلى تساؤلات مقلقة لدى المهاجرين والمواطنين المتجنسين بشأن سلامة مشاركتهم.
وأشارت إلى أن فريقها لاحظ خلال عامي 2025 و2026 أثرًا للروايات المعادية للمهاجرين داخل مجتمعات صينية وهندية وفلبينية وفيتنامية، وهو موضوع تقرير قالت إن الفريق يستعد لإصداره بعنوان «منقسمون بفعل التصميم» (Divided by Design).
كما أوضحت أن كثيرًا من الرسائل الحزبية المتداولة تعيد استخدام موضوعات قديمة، بينما يوفر الذكاء الاصطناعي وسائل أسرع لإنتاجها وإعادة تقديمها.
وأثارت نيو أيضًا مشكلة مصادر الإجابات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي باللغة الصينية، قائلة إنها لاحظت في عملها اليومي اختلافًا بين نتائج الأسئلة بالصينية والإنجليزية، ودعت إلى مساءلة الشركات بشأن تنوع مصادرها وإبراز مواد تدقيق المعلومات.
وفي مواجهة الرسائل القائمة على التخويف، شددت على أهمية الاستعانة بأشخاص موثوقين داخل المجتمع، من قيادات محلية وأفراد عائلة وأصدقاء، لأن الثقة القائمة تساعد على إيصال التصحيح وتهدئة المخاوف.
زومر: الاستماع إلى المجتمع جزء أساسي من التحقق
من جهتها، عرضت لورا زومر تجربة «فاكتشيكيادو»، التي وصفتها بأنها منظمة غير ربحية وغير حزبية تعمل على مواجهة المعلومات الخاطئة والمضللة باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة.
وقالت إن شبكتها تضم 151 وسيلة إعلام ومنظمة مجتمعية، وتتعاون مع شركاء في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وإسبانيا لإنتاج مواد تفسيرية وتدقيقات وأدوات للتربية الإعلامية وفهم الذكاء الاصطناعي.
وأكدت أن رصد التضليل لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، لأن كثيرًا من المحادثات يجري داخل مجموعات مغلقة على «واتساب» أو خلال التواصل اليومي، ولا تتوافر أداة واحدة تكشف بصورة شاملة ما يدور فيها.
ولهذا، تعتمد المنظمة على اللقاءات المباشرة والمحادثات الفردية للاستماع إلى أسئلة الناس ومعرفة المعلومات التي تصلهم والمخاوف التي تحتاج إلى إجابات.
فيديوهات سياسية مصطنعة وإجابات متفاوتة بين اللغات
قالت زومر إن دور الذكاء الاصطناعي في المحتوى السياسي خلال انتخابات 2026 أصبح أكثر اتساعًا مقارنة بعام 2024، مع تزايد الفيديوهات المولدة آليًا واعتماد المستخدمين على روبوتات المحادثة للحصول على معلومات انتخابية.
واستشهدت برصد لمشروع «ويسليان ميديا» قالت إنه حدد، حتى أوائل سبتمبر/أيلول، ما لا يقل عن 169 إعلانًا سياسيًا يستخدم الذكاء الاصطناعي، مرتبطًا بإنفاق إعلاني بلغ نحو 80 مليون دولار. وأضافت أن 69% من تلك الإعلانات لم تُفصح للمشاهدين عن استخدام هذه الأدوات.
وأشارت إلى تفاوت القواعد المنظمة للإفصاح بين الولايات، معتبرة أن غياب الشفافية يصعّب على الجمهور تقييم ما يشاهده.
وعرضت نتائج دراسة لمعهد الحوار الاستراتيجي اختبرت ستة روبوتات محادثة باستخدام أسئلة انتخابية متماثلة بالإنجليزية والإسبانية. وبحسب الأرقام التي أوردتها، تضمنت نحو 30% من الإجابات الإنجليزية معلومات غير مكتملة أو قديمة أو خاطئة، مقابل 45% من الإجابات الإسبانية.
ومن الأمثلة التي ذكرتها تقديم روبوت المحادثة التابع لشركة «ميتا» تاريخًا خاطئًا للانتخابات النصفية عند سؤاله بالإسبانية، إذ أشار إلى الرابع من نوفمبر بدلًا من الثالث منه.
وأضافت أن الإجابات الإسبانية تضمنت مصادر أقل مقارنة بالإنجليزية، ما يحد من قدرة المستخدم على مراجعة المعلومات.
كما تحدثت عن بحث تجريه منظمتها يركز على تكساس، ويختبر إجابات الأدوات نفسها عند طرح أسئلة بصياغة محايدة وأخرى ذات توجه سياسي. وقالت إن النتائج الأولية تشير إلى ميل بعض الإجابات إلى مجاراة موقف المستخدم، وهو أمر قد يصبح أكثر خطورة عند تداول ادعاءات عن التزوير أو نتائج الانتخابات.
الإعلام المجتمعي في قلب المواجهة
تلاقت مداخلات المتحدثين حول ضرورة تقديم معلومات انتخابية واضحة بلغات الجمهور، والتحقق من الصور والمقاطع ومصادر الادعاءات قبل نشرها، وبناء علاقات مستمرة مع المجتمعات التي تخدمها وسائل الإعلام.
وأكدت المناقشات أن التصحيح يحتاج إلى فهم المخاوف التي تجعل الشائعة مقنعة، وإلى إيصال المعلومة عبر قنوات وأشخاص يحظون بالثقة.
وفي ختام مداخلتها، دعت زومر المؤسسات الإعلامية إلى الاستفادة من مواد «فاكتشيكيادو» وإعادة نشرها وترجمتها مع الإسناد والتنسيق، لتوسيع وصول المعلومات الموثوقة.
ومع اقتراب الانتخابات، برزت من الندوة رسالة مشتركة: حماية المشاركة تبدأ بمعلومة دقيقة تصل في الوقت المناسب، بلغة يفهمها الناخب، ومن مصدر يستطيع الرجوع إليه والثقة به
