هل ستشعل الضاحية الجنوبية من بيروت فتيل المواجهة الأعظم بين ايران وامريكا مجددا؟ وما هي السيناريوهات العسكرية التي نتوقعها بعد تهديدات الجيش الإيراني الصارمة؟ وكيف خدع حزب الله “اسرئيل” واوقعها في المصيدة؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
جميع الأنظار تتركز في الوقت الراهن على الضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية بيروت بعد البيان المشترك الذي أصدره كل من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء ووزير حربه يسرائيل كاتس أعلنا فيه انهما أصدرا أوامر للجيش الإسرائيلي بمهاجمتها وتدميرها كرد على القصف الموجع لقوات “حزب الله” على المستوطنات الإسرائيلية في الجليل الفلسطيني المحتل في الشمال، وكريات شمونة، ورأس الناقورة.
الأمر المؤكد ان هذه التهديدات لن تعطي أُكُلَهَا ، ولن توقف هجمات “حزب الله”، بل ستزيدها كثافة وايلاما، وخسائر بشربة ومعنوية وربما تؤدي الى نسف اتفاق الهدنة في الحرب الإيرانية التي جرى تمديدها لستين يوما من قبل الجانب الأمريكي، وعودة الصواريخ الإيرانية لقصف تل ابيب الكبرى وحيفا وعكا وديمونا، واحكام اغلاق مطار اللد.
صواريخ “حزب لله” ومسيّراته قصفت اليوم مدينة طبريا المحتلة، ومستوطنة كريات شمونة في العمق الإسرائيلي “كرد اولي” على احتلال قوات الاحتلال “الاستعراضي” لقلعة الشقيف الاستراتيجية الخالية من أي قوات للحزب، وكتحذير لما هو قادم من توسيع لقاعدة الأهداف، ولكن الأهم من وجهة نظرنا تصريحان صدرا عن القيادة الإيرانية اليوم:
الأول: جاء على لسان عباس عراقجي وزير الخارجية الذي أكد فيه “ان وقف اطلاق النار بين إيران وامريكا يشمل جميع الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية، واي انتهاك في احداها يعد انتهاكا كاملا للاتفاق، وامريكا وإسرائيل تتحملان المسؤولية”.
الثاني: تصريح قوي للجنرال عبد الفضيل شاكرجي المتحدث باسم الجيش الإيراني الذي أكد فيه “ان الجيش لن يتسامح مطلقا مع استمرار إسرائيل في ارتكاب جرائم في لبنان”.
التطبيق السياسي العملي الأول لهذه التصريحات جاء فوريا، ومن القيادة الإيرانية العليا، بتعليق جميع المباحثات مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتهديدات بقصف الضاحية اللبنانية في العاصمة بيروت.
وقف المفاوضات يعني للوهلة الأولى انهيار كل ما توصلت اليه من “تفاهمات” مع الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، وربما يتطور الموقف الى ما هو أخطر من ذلك، بعودة الصواريخ الإيرانية لقصف تل ابيب الكبرى وحيفا وصفد وباقي المدن الفلسطينية المحتلة، اذا لم تتدخل امريكا فورا وتوقف هذه العدوانات الإسرائيلية في لبنان.
السؤال المروح حاليا هو عما اذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل بسرعة لوقف العدوان الإسرائيلي فورا، واذا فعلت ذلك لإنقاذ نفسها ومصداقيتها واستقلال قرارها (أمريكا) هل ترضخ حكومة نتنياهو لهذا التدخل، وهي التي عارضت التفاهمات الامريكية الإيرانية، وطالبت باستمرار العدوان الأمريكي، ورفضت أي اتفاق او تفاهمات لا تتضمن وقفا شاملا لعمليات التخصيب النووي، وإخراج او تدمير ما يقرب من 460 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب؟
إسرائيل تعيش مأزقا وجوديا بعدوانها على لبنان الذي سيتحول الى حرب استنزاف لن تنتصر فيها، وقد تؤدي الى اقتحام قوات الرضوان النخبوية للحرب للجليل الفلسطيني المحتل، ناهيك عن إطلاق مئات الصواريخ الدقيقة على تل ابيب الكبرى، وحيفا ويافا وعكا.
قيادة “حزب الله” استعدت جيدا لهذه الحرب في الميدان، والعسكرية خاصة، وخدعت دولة الاحتلال بإخفاء قدراتها العسكرية المتطورة جدا، وخاصة المسيّرات الإنقضاضية المفخخة، التي عجزت الرادارات الاسرائيلية عن رصدها، والصواريخ عن اسقاطها.
إسرائيل ستُهزم في جميع الأحوال، فاذا مضت قدما في تهديدها بإقتحام وتدمير الضاحية الجنوبية، فإن هذا قد يفجر الحرب في ايران، ويعرض أمريكا والبوارج وحاملات الطائرات التابعة لها، بل وربما محطات التحلية وتكرير النفط في دول الخليج، ناهيك عن القواعد العسكرية، او ما تبقى منها، وآبار النفط للدمار الشامل.
اما إذا لم تمض قدما في تهديداتها بقصف الضاحية، فإن هذا يعني استسلامها، وخضوعها للإملاءات الامريكية مفتوحة العينين، وانتصار ايران وحلف المقاومة في هذه المواجهة التي أشعلت فتيلها.
إسرائيل عادت الى المصيدة اللبنانية مجددا، ولم تتعلم من دروس غطرستها واخطائها في السابق، بل وكررتها، دون ان تضع في حسابها، وخاصة غزو عام 1982، انها لا تواجه الفدائيين الفلسطينيين وقوات منظمة التحرير واسلحتها الفردية، انما قوات “حزب الله” المجهزة بالصواريخ والمسيّرات، والعقيدة الإسلامية، والأهم من كل ذلك القتال على ارضها.
دولة الاحتلال الإسرائيلي احتلت قلعة الشقيف عام 1982، واقامت حزام أمني على طول الحدود اللبنانية، وانهزمت مرتين، وانسحبت ذليلة مهانة، الأولى عام 2000، والثانية في عدوان تموز عام 2006، ومن المؤكد ان تكرار النهج والاخطاء نفسها، ستؤدي الى النتائج نفسها، والهزيمة الثالثة الأعظم في الطريق بإذن الله.. والأيام بيننا.
