نعم.. انها انتفاضة ثالثة ولكن مختلفة في الضفة الغربية.. لماذا انطلقت من نابلس تحديدا وفي توقيت قاتل لدولة الاحتلال؟ وما هو دور الحرب الإيرانية وكتائبها واذرعها في دعمها وتصعيدها؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
المقاومة لم تتوقف مطلقا في معظم مدن وقرى الضفة الغربية ومخيماتها، دفاعا عن عروبة الأرض وكرامتها، وتضامنا مع المقاومين في قطاع غزة الذين يواجهون ببطولة حرب الإبادة والتهجير والتجويع ويقدمون الشهداء يوميا، وما حدث يوم امس الجمعة في قرية “تل” في مدينة نابلس شمال الضفة حيث قتل ضابط وجندي إسرائيلي وإصابة 3 آخرين باشتباكات، عقب استشهاد 4 مقاومين قد يكون مقدمة لانتفاضة مسلحة ثالثة انطلقت من مدينة نابلس جبل النار، وامتدادا لبطولات جنين، وطولكرم ومخيم نور شمس والقائمة الجهادية النضالية طويلة.
المستوطنون الإسرائيليون الذين اقتحموا قرية “تل” اعتقدوا ان هذا الاقتحام سيكون “نزهة”، ولن يتصدى أي احد لإجرامهم في قطع اشجار الزيتون، وتخريب وحرق المنازل كعادتهم، وكم كانوا مخطئين، فهم ورغم 76 عاما من العربدة والاحتلال لا يعرفون الشعب الفلسطيني، وينسون في غمرة غرورهم وغطرستهم اقتحام السابع من أكتوبر “طوفان الأقصى” أحد أكبر الانتصارات العربية الذي يمثل في اقتحام الحدود وكاميراتها واسلاكها المكهربة، والوصول الى معظم مستوطنات الجنوب الفلسطيني المحتل، وقتل ما يقرب من 1,332 إسرائيلي، واسر اكثر من 300، والأخطر من ذلك احتلال هذه المدن والمستوطنات لأكثر من 4 ساعات، والعودة جميعا القطاع ومعهم غنائمهم دون سقوط ولو شهيد واحد.
هذا المشهد تكرر بصورة مصغرة امس في قرية “تل” النابلسية، عندما اقدم شاب أعزل على مهاجمة أحد المستوطنين المهاجمين، وانتزع سلاحه واستخدمه في اطلاق النار عليه وقتله بالإضافة الى مستوطن مسلح آخر في شجاعة اسطورية لا تحدث الا في الافلام والقصص التعبوية الأدبية.
التوقيت على درجة كبيرة من الأهمية، فهذا الصمود البطولي في الدفاع عن النفس والكرامة جاء بعد بضعة أيام من اقتحام 3000 مستوطن إسرائيلي المسجد الأقصى بقيادة ايتمار بن غفير وزير الامن الإسرائيلي، وفتح الملاجئ الإسرائيلية في تل ابيب الكبرى، وإعلان حالة الطوارئ القصوى في صفوف الجيش الإسرائيلي تحسبا لهجوم صاروخي إيراني ردا على التحضيرات الامريكية العسكرية التي لوح بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهجوم الكبير على ايران.
طبعا السلطة “الوطنية” الفلسطينية التي تقع مدينة نابلس وقراها وقبلها مدينتي جنين وطولكرم تحت حمايتها وحكمها وقواتها المسلحة والمدربة أمريكيا واسرائيليا، ويزيد تعدادها عن 60 الفا، لم تقف مكتوفة الايدي، بل سارعت بإصدار بيان قوي اللهجة وغير مسبوق بإدانة العدوان الإسرائيلي بأشد العبارات واقواها.
الضفة الغربية مثل الفيل الكبير الثقيل، ربما بطيئة التحرك، ولكن عندما تتحرك فإنها تدمر كل شيء امامها، ولا يستطيع احد السيطرة عليها، وخاصة الإسرائيليين وجيشهم، ولنا في الانتفاضة المسلحة الثانية التي انطلقت عام الفين واستمرت عدة سنوات الدليل الأكبر على ما نقول.
السلاح بات متوفرا، والرجال الرجال اصحاب الإرادة القوية موجودون أيضا وبكثرة، وبعض هذا السلاح يتم تهريبه من الأردن، وبعضه الآخر يجري تصنيعه محليا، وما قد يشجع على انطلاق الانتفاضة المسلحة، الهزائم الإسرائيلية والأمريكية في الحرب الإيرانية، وفشل عدوان البلدين في تحقيق أي من أهدافه في تغيير النظام الإيراني، وتدمير منشآته وطموحاته النووية.
يذكر ان عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ بدء عملية “طوفان الأقصى” في تشرين اول (أكتوبر) عام 2023 وصل 1,181 فلسطينياً، كما قتل 48 إسرائيليا في عمليات واشتباكات داخل المدن والقرى الفلسطينية والقدس المحتلة، حيث ان أهالي الضفة الغربية لم يتركوا أهالي قطاع غزة الذين يعيشون تحت الإبادة الجماعة الإسرائيلية وحدهم رغم الحصار المفروض عليهم.
حزب الله يتعافى، ويستعيد قواته وصواريخه ومسيّراته، و”انصار الله” في اليمن يغلقون مضيق باب المندب، ويسنون رؤوس صواريخهم استعدادا لقصف تل ابيب وايلات، اما كتائب المقاومة العراقية، مثل سرايا أولياء الدم، وكتائب حزب الله العراق، وقوات النجباء، فتستعد حاليا لاقتحام الحدود الأردنية وربما السورية وصولا الى عمق الأراضي الفلسطينية العربية المقدسة.
الانتفاضة الثالثة التي تستعد للانطلاق في ظل أجواء مقاومة إقليمية مساندة غير مسبوقة قد تكون مفاجأة صادمة لدولة الاحتلال وداعميها، ومحمية بعمق جماهيري مساند، وصواريخ متطورة ودقيقة ومسيّرات تحميها في الجو الفلسطيني المحتل، نحن لا نحلم وانما نستند الى صمود يدخل شهره الخامس مدعوما بالانتصارات.. والأيام بيننا.
