نائب الرئيس فانس يضع نتنياهو في الزاوية: لقاء “صريح” يكشف شرخ الثقة واستنزاف النفوذ الإسرائيلي في واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 31/7/2026
في لقاء ثنائي خلا من المجاملات الدبلوماسية المعتادة، جلس نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الثلاثاء في واشنطن لمواجهة خلافاتهما المتراكمة وجهاً لوجه. وبينما حاولت التصريحات الرسمية تجميل الصورة بعبارات “مثمر وودي”، أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون لموقع “أكسيوس” أن الجلسة اتسمت بطابع “مباشر وصريح”، وهو توصيف دبلوماسي يكاد يكون تحذيراً مبطناً لنزيف الثقة المتفاقم. لم يعد خافياً أن فانس، الذي يمثل تياراً صاعداً في الحزب الجمهوري ينظر بتشكك عميق لسياسات إسرائيل، قد تحول إلى خصم داخلي لنتنياهو داخل إدارة ترامب.
وتعود جذور التوتر إلى مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، التي قاد فانس جهود الدفاع عنها كبديل دبلوماسي يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي دون التورط في حرب مفتوحة. نتنياهو، الذي رأى في الاتفاق تهديداً لعقيدته القائمة على تغيير النظام في طهران، عارضه بشدة لكنه آثر الصمت ظناً منه أن المذكرة ستنهار ذاتياً، وهو ما حدث فعلاً بعد أسابيع. لكن الأدهى أن فانس شعر بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي حشد أتباعه والإعلام المحسوب عليه في الولايات المتحدة وإسرائيل لضربه سياسياً. الحلقة الأكثر دلالة كانت تحذير فانس العلني في يونيو: “لو كنت في الحكومة الإسرائيلية لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم”، تلاه كشفه المزلزل عن علاقات شخصية مشبوهة بين جيفري إبستين و”أعلى مستويات الاستخبارات الإسرائيلية”، مما ضاعف الإحراج الاستراتيجي لحليف يزداد اعتماده على واشنطن.
وبحسب الخبراء، لم يعد بإمكان نتنياهو الرهان على انصياع الحزب الجمهوري لإملاءاته كما في السابق. صعود شخصيات مثل فانس يعكس تياراً محافظاً يرفض تحمّل تكاليف أمنية لا متناهية لإسرائيل، ويراها عبئاً مكشوفاً بعد فشل توقعات نتنياهو المتفائلة. عندما يخبر نائب الرئيس رئيسَ وزراء إسرائيل صراحة أن تقديراته الاستخباراتية عن انتفاضة شعبية في إيران كانت خاطئة، فهو يطعن في مصداقية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ككل، ويُسقط القناع عن حليف لم يعد يُستمع إليه بوصفه شريكاً استراتيجياً موثوقاً، بل بوصفه مُقامراً يضلل واشنطن ليورطها في حروبه الخاصة.
كما تفضح هذه المواجهة الرغبة الإسرائيلية العميقة في استمرار الصراع كأداة للوجود السياسي. معارضة نتنياهو للدبلوماسية مع إيران لا تنبع من حرص أمني، بل من إدراكه أن أي تهدئة تنتزع منه ذريعة “الخطر الوجودي” التي يلوّح بها لشرعنة احتلاله وتهربه من الاستحقاقات الداخلية. فانس، بإصراره على أن هدف ترامب هو منع القنبلة النووية دون التورط في حملة عسكرية لا نهائية، يضرب لب الفلسفة النتنياهاوية: استعمال واشنطن كدرع بشري لطموحات لا علاقة لها بالمصالح الأميركية، بل ببقاء ائتلاف يميني هش في السلطة.
وتتجاوز المعركة حدود الدبلوماسية لتكشف أدوات النفوذ الإسرائيلي غير المرئية. عندما يتهم نائب الرئيس الأميركي دولة حليفة بإدارة “حملة تأثير” عبر الإعلام الموالى لدفع واشنطن نحو الحرب، فهو يفضح ممارسة منهجية تعاملت معها الإدارات السابقة بصمت. ربط ذلك بشبكة إبستين يحمل إيحاءات خطيرة بتشابكات استخباراتية تخترق المجتمع الأميركي، مما يجعل السؤال مشروعاً: هل تحول الحليف إلى قوة اختراق منظمة تمارس الابتزاز الناعم لحرف السياسة الخارجية الأميركية بعيداً عن مصلحتها القومية؟ الصمت الإسرائيلي المطبق حيال هذا الاتهام يزيده رجحاناً.
وتجري إعادة صياغة العلاقة الآن ببراغماتية متجردة من العواطف. صحيح أن اللقاء لم يكن تصادمياً، لكن كونه مجرد “مثمر” ينطوي على إدراك متبادل بتغير موازين القوة: فانس لا يحتاج إلى استرضاء نتنياهو لأسباب انتخابية أو إيديولوجية، بينما يدرك نتنياهو أن انهيار الغطاء الأميركي يعني انكشاف الاحتلال أمام ضغط عالمي متصاعد. التطمينات العلنية لا تخفي حقيقة أن الشراكة دخلت مرحلة المساومة القاسية، حيث لم تعد إسرائيل تستطيع افتراض الولاء الأميركي مسبقاً، بل أصبحت مضطرة لإثبات أن بقاءها الاستراتيجي ليس مرتهناً بدماء الآخرين.
