محاكماتٌ تحت التهديد وتطبيعٌ مع الكيان: ماذا يجري لمُعارضي التطبيع ورافضي عدوان إيران بالبحرين؟ ما علاقة الرئيس الإسرائيليّ وإشعاله الغضب.. أكثر من 80 بالمائة يُعارِضون التطبيع
تتواصل في البحرين محاكمة 41 رجل دينٍ شيعيٍّ، وسط تقاريرٍ عن انتهاكاتٍ رافقت احتجازهم، من بينها الضرب والتهديد والإكراه على توقيع إفاداتٍ واعترافاتٍ يُقال إنّ بعضها انتُزع تحت الضغط. وفي وقت تتكّشف فيه تفاصيل المحاكمات، جاء الاتصال الهاتفيّ الذي أجراه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة مع الرئيس الإسرائيليّ إسحاق هرتسوغ في 26 تموز (يوليو) الماضي، ليصبّ مزيدًا من الزيت على نار الغضب بين البحرينيين الرافضين للتطبيع مع إسرائيل.
وأعلن هرتسوغ أنّه أجرى اتصالًا مع ملك البحرين، تناول أهمية اتفاقيات إبراهيم ودورها في تعزيز السلام والاستقرار والتعاون الإقليميّ، موضحًا
أنّ الجانبين بحثا سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، وأكّدا أهمية مواصلة الحوار والتعاون بما يخدم أمن المنطقة وازدهارها، في ظل التحديات الإقليمية الراهنة. كما شدد على أنّ اتفاقيات إبراهيم تمثل، من وجهة نظره، ركيزةً مهمةً لتعزيز الشراكات وبناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا في الشرق الأوسط.
ومنذ توقيع اتفاق التطبيع البحرينيّ–الإسرائيليّ عام 2020، واجهت التحركات الشعبيّة الرافضة للتطبيع قيودًا أمنيّةً. وتفيد تقارير حقوقية بأنّ السلطات اعتقلت أوْ استدعت منظمي بعض الاحتجاجات المناهضة للتطبيع، وأجبرت بعض المشاركين على التعهد بعدم المشاركة في فعالياتٍ مستقبليّةٍ.
كما أنّه بعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تصاعدت الاحتجاجات البحرينيّة المؤيّدة للفلسطينيين والرافضة للتطبيع، وتشير تقارير حقوقية إلى أنّ السلطات لم تستثنِ هذا الملف من سياسة القمع، إذ تعرض أشخاص عبّروا عن مواقف مؤيدةٍ للفلسطينيين ومعارضة للتطبيع للاستدعاء والاعتقال والملاحقة القضائية، كما جرى تفريق بعض التجمعات السلميّة.
ومن أبرز الحالات إبراهيم شريف، القياديّ السياسيّ البحرينيّ المعروف والأمين العام السابق لجمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد”. فقد اعتقلته السلطات في كانون الأول (ديسمبر) 2023 بسبب منشورٍ على منصة (إكس) عبّر فيه عن معارضته لتطبيع البحرين مع إسرائيل ورفض مشاركة بلاده في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد جماعة (أنصار الله) في اليمن.
ولم تتوقف ملاحقة شريف عند ذلك. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 اعتقلته السلطات مجددًا بعد عودته من بيروت، على خلفية تصريحاتٍ أدلى بها حول دعم الفلسطينيين. وفي كانون الثاني (يناير) 2026 صدر بحقّه حكمٌ بالسجن ستة أشهر وغرامةً ماليةً على خلفية مقابلة أجراها في بيروت وانتقد فيها مواقف دولٍ عربيّةٍ ودعا إلى مزيد من الدعم للفلسطينيين. واعتبرت وكالة (أسوشيتد برس) القضية جزءًا من سلسلةٍ طويلةٍ من الملاحقات التي تعرض لها بسبب مواقفه السياسيّة.
وكشفت التقارير الحقوقيّة عن أبريل–يونيو 2025 استمرار التضييق على النشاط المناهض للتطبيع. فقد شهدت مناطق بحرينيّة تجمعاتٍ تؤكّد رفض التطبيع مع إسرائيل وتدعم القضية الفلسطينيّة، بينها تجمعات أمام مقر الجمعية البحرينيّة لمقاومة التطبيع.
وقالت منظمة (سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان) إنّها وثقت خلال يونيو 2025 وحده 19 استدعاءً و15 عملية اعتقالٍ، معظمها بعد استدعاءات للتحقيق، في سياق ما وصفته بتصاعد الحراك الشعبيّ ضدّ التطبيع ودعم الفلسطينيين. وكان بين المستدعين 12 قاصرًا.
وهذه النقطة مهمة جدًا، لأنّ القضية لم تعد تقتصر على اعتقال شخصٍ بسبب تصريحٍ مباشرٍ ضدّ إسرائيل أوْ اتفاق التطبيع، وإنّما أصبحت الاحتجاجات المؤيدة لغزة والتعبير السياسيّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ جزءًا من المجال الذي تتحرك فيه الأجهزة الأمنيّة.
منذ اندلاع بدء العدوان الأمريكيّ-الإسرائيليّ ضدّ إيران في شباط (فبراير) 2026، اتخذ القمع في البحرين منحىً أوسع بكثير. فقد أعلنت السلطات حظر الاحتجاجات، ثم بدأت حملة اعتقالات شملت أشخاصًا بسبب منشوراتٍ على وسائل التواصل أوْ مشاركتهم في احتجاجاتٍ أوْ تعبيرهم عن مواقف سياسيّةٍ مرتبطةٍ بالحرب.
وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إنّ السلطات البحرينية اعتقلت مئات الأشخاص خلال الفترة من الفاتح من آذار إلى 21 نيسان 2026، وفق توثيق منظمة مجتمعٍ مدنيٍّ في البحرين.
وجديرٌ ذكره أنّ هذه الحملة الأخيرة ليست حملةً ضدّ مناهضي التطبيع وحدهم، ذلك أنّ السلطات قدّمتها باعتبارها مرتبطة بالأمن القوميّ والحرب والاتهامات بالتعاطف مع إيران أو التجسس.
وبحسب خبراءٍ ومحللين في الغرب تُواجِه البحرين معادلةً شديدة الحساسية: الحكومة ماضيةٌ في علاقاتها الرسميّة مع إسرائيل، في حين أنّ جزءًا مهمًا من المجتمع البحرينيّ، وفق استطلاعاتٍ وتقارير مختلفةٍ، يعارض التطبيع بشدةٍ، خصوصًا بعد حرب غزة. وكشفت دراسةٌ لمعهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ النقاب عن أنّ استطلاعًا أجريَ عام 2022 وجد أنّ نحو عشرين بالمائة فقط من البحرينيين أيّدوا التطبيع، مع ترجيح أنْ تكون النسبة قد انخفضت بعد حرب غزة.
ختامًا، في تحذيرٍ شديد اللهجة، قال المرجع الدينيّ البحرينيّ آية الله عيسى قاسم إنّ “مصير المذهب الشيعيّ في البحرين وعلمائه وخطبائه وكتّابه ومعلميه وعموم مبلّغيه هو تحت التهديد الوجوديّ الشديد”، معتبرًا أنّ التضييق على المواطنين يأتي في سياق اتهامات لهم بالتعاطف مع إيران.
