كي لا يتحوّل مجلس ترامب للسلام إلى مجرّد “حامل أختام الملك”
حسن نافعة
يعقد “مجلس السلام” أولى اجتماعاته اليوم الخميس في العاصمة الأميركية. وحتى كتابة هذه السطور، لم يكن قد تمّ الإعلان رسمياً عن جدول أعمال هذا الاجتماع، ولا عن أسماء الدول التي وجّهت إليها الدعوة، ولا عن مستوى تمثيل الدول التي وافقت على المشاركة فيه، ما يعني أننا إزاء هيئة يلفّها الغموض ومحاطة بالألغاز! فلا أحد يعرف بالضبط طبيعة هذا المجلس، وما إذا كانت العضوية فيه تقتصر على الدول أم تضمّ أيضاً شخصيات عامّة ليست لها صفة رسمية، بل إنّ صلاحياته نفسها تبدو مطّاطة وتفتقر إلى الدقّة.
فلم نسمع عن هذا المجلس إلّا في سياق “خطة ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة”، التي اعتمدها مجلس الأمن بموجب القرار 2803، والتي تشير إلى “مجلس سلام” برئاسة ترامب يشرف على تنفيذها. غير أنّ “مجلس السلام” الذي دعا ترامب عدداً من الدول للتوقيع على ميثاقه في مؤتمر دافوس الذي انعقد في بداية هذا العام يختلف عن “مجلس السلام” المشار إليه في قرار مجلس الأمن.
فالقرار 2803 يشير إلى “مجلس السلام” باعتباره “هيئة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تتولّى وضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة تنمية غزة وفقاً للخطة الشاملة (خطة ترامب)، وبما يتسق مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة، ريثما تستكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي”، ما يعني أنه كيان مؤقت، وليس منظّمة دولية دائمة، وأنّ صلاحياته تقتصر على وقف الحرب في قطاع غزة وفتح الطريق لتسوية القضية الفلسطينية في نهاية مرحلة انتقالية.
أما الميثاق الذي تمّ التوقيع عليه في دافوس فينصّ على أنّ: “مجلس السلام منظّمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهدّدة بالنزاعات”، من دون أن يشير إلى غزة ولو بكلمة واحدة، ما يعني أنه قابل للتعامل مع الأزمات الدولية كافة التي يرى ترامب إدراجها في جدول أعماله، بما في ذلك غزة والقضية الفلسطينية بطبيعة الحال، ما ينطوي على خلط خطير ومتعمّد للأوراق ويشكّل تجاوزاً، وربما انتهاكاً واضحاً للقرار الأممي.
لذا يحقّ لنا أن نطرح التساؤل حول المجلس الذي سيعقد اجتماعه اليوم في واشنطن، وما إذا كان هو المجلس الذي تمّ التوقيع على ميثاقه في دافوس أم المجلس المنصوص عليه في خطة ترامب وفي قرار مجلس الأمن رقم 2803؟
لدواعي التحليل، نفترض جدلاً أنّ المجلس الذي سيجتمع اليوم في واشنطن هو نفسه المجلس المفوّض أممياً بالإشراف على تنفيذ خطة ترامب، ومن ثمّ يفترض أن يكون الموضوع الوحيد المدرج على جدول أعماله هو رسم خارطة طريق تضمن تنفيذ هذه الخطة بجميع بنودها. ولأنها خطة بدأت بالتوافق على وقف إطلاق النار ويفترض أن تنتهي بفتح آفاق تتيح للشعب الفلسطيني تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، كان من الممكن رسم خارطة طريق تفضي إلى تنفيذها ككلّ متكامل، إذا ما توافر حسن النية، عبر تقسيمها إلى مراحل زمنية متعاقبة، يمكن تصوّرها على النحو الآتي:
1-مرحلة أولى لتبادل الأسرى والمحتجزين، تبدأ بدخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وتنتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخط الأصفر، مروراً بفتح معبر رفح في الاتجاهين.
2-مرحلة ثانية لتمكين “اللجنة الفلسطينية للإدارة المدنية للقطاع” من ممارسة مهامها، تبدأ بدخول “قوة الاستقرار الدولية” إلى القطاع، وتنتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية من بقية الأرض المحتلة في القطاع.
3-مرحلة ثالثة لوضع الشعب الفلسطيني على الطريق المفضي لتقرير المصير، تبدأ بوضع خطة إعمار القطاع موضع التنفيذ، وتنتهي بإقرار الإصلاحات المطلوبة من السلطة الفلسطينية.
4-مرحلة رابعة تمهّد لإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، تبدأ بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية حرّة، تحت إشراف دولي وبالتعاون مع قوة الاستقرار الدولية، وتنتهي بتسليم حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى لكامل أسلحتها وعتادها لحكومة فلسطينية منتخبة.
ولأنّ حسن النية لم يتوافر قطّ منذ دخول وقف النار في القطاع حيّز التنفيذ، خصوصاً من جانب كلّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية، لم تجرِ الأمور وفق أيّ نهج منطقي أو مستقيم، وذلك لسببين:
الأول: رفض الحكومة الإسرائيلية القاطع إقامة دولة فلسطينية على أيّ جزء من فلسطين التاريخية، لأنها لا تعترف بأنّ الضفة الغربية وغزة أراضٍ محتلة، وترى أنها جزء من “الأرض الموعودة”، ما يفسّر سلسلة القرارات التي اتخذتها هذه الحكومة خلال الأسابيع الأخيرة، والتي استهدفت إحكام سيطرتها التدريجية المباشرة على كامل أراضي الضفة، تمهيداً لضمّها نهائياً، كان آخرها قرار إعلان مساحات شاسعة من الأراضي الواقعة ضمن المنطقة جيم أراضي مملوكة لـ “الدولة” الإسرائيلية.
فإذا أضفنا إلى ما تقدّم أنّ نتنياهو لم يلتزم ولو لدقيقة واحدة بقرار وقف إطلاق النار، ويشترط نزع سلاح جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك التدمير الكامل لجميع الأنفاق قبل البدء في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بل ويرفض مشاركة كلّ من تركيا وقطر في قوة الاستقرار الدولية، لتبيّن لنا بوضوح تامّ أنّ الحكومة الحالية في “إسرائيل” لم توافق على خطة ترامب إلّا باعتبارها وسيلة لاستعادة جميع الأسرى الأحياء والأموات، وهو ما لم تتمكّن من تحقيقه بقوة السلاح، وبأنها مصمّمة على عدم التنفيذ الكامل لخطة ترامب بمختلف بنودها، ما قد يؤدّي إلى إفشالها في نهاية المطاف.
والثاني: الانحياز الأميركي المطلق لهذه الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة، ما يفسّر تغاضيها عن كلّ الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها، بدءاً بمواصلة أعمال القصف والاغتيال والمطاردة، مروراً بعدم السماح بدخول المساعدات الإنسانية بالكميّات المتفق عليها، ورفض فتح معبر رفح في الاتجاهين، وانتهاء بترسيخ الوجود العسكري الإسرائيلي على ما يقرب من 53% من إجمالي مساحة القطاع، والإعلان عن أنّ الخط الأصفر أصبح حدوداً جديدة ودائمة، وكلّها شواهد على أنّ ترامب لم يكن شديد الحرص على تنفيذ خطته بجميع بنودها، خصوصاً ما يتعلّق منها بتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ولأنه قام خلال ولايته الأولى بنقل السفارة الأميركية إلى القدس التي اعترف بها عاصمة موحّدة وأبديّة لـ “إسرائيل” واعترف لـ “إسرائيل” بالسيادة على الجولان، وبعد عودته إلى البيت الأبيض من جديد لم يكفّ أبداً عن مدّ “إسرائيل” بكلّ ما تحتاجه من عتاد وأموال للمواصلة حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بل ذهب إلى حدّ الاشتراك معها مباشرة في شنّ الحرب على إيران لتدمير منشآتها النووية ولإسقاط نظامها السياسي إن أمكن، فليس من المتصوّر عقلاً أن تكون لدى ترامب الرغبة أو القدرة على القيام بدور الوسيط النزيه.
وبالتالي فليس من المستبعد أبداً أن يكون الهدف الحقيقي من الخطة التي طرحها لوقف إطلاق النار في غزة هو استغلال وتوظيف آلياتها المتنوّعة، خصوصاً “مجلس السلام”، لتسهيل التوصّل إلى “صفقة قرن جديدة” تتيح لـ “إسرائيل” فرض تسوية بشروطها على الشعب الفلسطيني، وبموافقة جماعية من الدول العربية والإسلامية المشاركة في عضوية هذا المجلس، وهو ما يتعيّن الانتباه إليه والحذر منه.
تشير الأنباء المتداولة إعلامياً إلى أنه من المتوقّع أن يشارك في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي سيعقد اليوم في واشنطن عدد لا يستهان به من الدول العربية والإسلامية، منها باكستان وإندونيسيا وتركيا ومصر والسعودية والأردن وقطر وغيرها. ولأنها دول وازنة، يمكنها التأثير بقوة على مسار الأحداث المقبلة في المنطقة إن هي تمكّنت من توحيد صفوفها تجاه ثلاث قضايا رئيسية:
الأولى: تتعلّق بالحرب التي قد تشنّ على إيران خلال الأسابيع المقبلة، سواء من جانب الولايات المتحدة منفردة أو من جانب “إسرائيل” منفردة أو من خلال عملية عسكرية مشتركة ينسقانها معاً. فعلى الدول العربية والإسلامية المشاركة في هذا الاجتماع أن تعبّر بوضوح تامّ عن معارضتها التامّة لهذه الحرب، وأن تلتزم جماعياً بعدم تقديم أية تسهيلات عسكرية في حال اندلاعها، بما في ذلك جميع أنواع التسهيلات الاستخباراتية واللوجستية. ذلك أنّ شنّ الحرب على إيران، خصوصاً في المرحلة الحالية، سيؤدّي إلى فوضى هائلة في كلّ أنحاء المنطقة لن تستفيد منها سوى “إسرائيل” التي ستصبح بعدها في وضع يمكّنها من تحقيق طموحاتها في الهيمنة على المنطقة ككلّ.
الثانية: تتعلّق بضرورة الربط العضوي بين نزع سلاح المقاومة وإقامة الدولة الفلسطينية. فلا تسليم لسلاح فلسطيني مقاوم إلا لسلطة فلسطينية منتخبة، وبعد اعتراف أميركي وإسرائيلي لا لبس فيه بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفي إقامة دولته المستقلة على كامل أرضه المحتلة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية.
الثالثة: تتعلّق بمشاركة الدول العربية والإسلامية في “قوة الاستقرار الدولية”، فلا ينبغي لها أن تقبل بالمشاركة فيها إلا إذا أعلنت “إسرائيل” التزامها المسبق بالانسحاب الكامل من القطاع فور دخول هذه القوة التي يجب أن تقتصر صلاحيتها على الإشراف على الانسحاب الإسرائيلي والمحافظة على أمن السكان المدنيين وتمكين اللجنة الفلسطينية من أداء عملها كحكومة مدنية.
إذا لم تنجح الدول العربية والإسلامية المشاركة في اجتماع واشنطن اليوم في التعبير الصحيح عن هذه المواقف وإقناع بقية الدول الأعضاء في مجلس السلام بأهميتها وعدالتها، فسيتحوّل هذا المجلس إلى مجرّد حامل أختام يستخدم للتصديق على قرارات فردية للملك ترامب، لن تؤدّي إلّا إلى تصفية القضية الفلسطينية.
