قراءة أولية في حرب الأربعين يوما
معن بشور
معن بشور
قد يرى البعض ان الوقت ما زال مبكراً للتعليق على اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم بين واشنطن وطهران برعاية اسلام اباد ومشاركة عدد من الدول الإسلامية والصديقة التي بذلت قياداتها، وفي المقدمة بكين وموسكو، دوراً هاماً فيها .
وقد يدعو البعض الى التريث بانتظار نتائج الاجتماع الذي سيعقد بين الطرفين، الإيراني والأمريكي، يوم الجمعة القادم في العاصمة الباكستانية .
كما قد يرى البعض ضرورة التريث في التعليق على هذا الاتفاق المبدئي، الذي حمل موافقة الإدارة الامريكية على النقاط العشر التي قدمتها القيادة الإيرانية، لا سيما بعد ان اشهر نتنياهو اعتراضه على هذا اللقاء مرفقاً اعتراضه بمواصلة العدوان على لبنان، تأكيداً لما قلناه منذ اليوم الأول لهذه الحرب الهمجية، بانها حرب نتنياهو التي ينفذها ترامب، والذي سيذكر تاريخ الولايات المتحدة الامريكية انه اسوأ رئيس مر عليها منذ قيامها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر .
ولكني وجدت من الضروري ان أشارك رفاقي واصدقائي قراءة أولية لنتائج حرب الأربعين يوماّ التي هزت العالم، وستساهم بالتأكيد في قيام نظام عالمي جديد متميز عما سميته عام 1992
” فوضى عالمية منظمة ” شهدها العالم منذ الاحتلال الأمريكي لافغانستان والعراق، وتوجّه العدوان الاجرامي على فلسطين، الذي بلغ ذروته منذ “ملحمة طوفان الأقصى” في السابع من اكتوبر عام 2023، والتي رأى مطلقوها الابطال في غزة انها ستحدث زلزالاً على المستوى الدولي .
اما ملاحظاتي فهي :
أولاً : في القراءة الاولية لنتائج هذه الحرب انها أحدثت تغييراً عميقاً في العلاقات الدولية، وانه لم يعد هناك نظاماً احادياً و حتى ثنائياً، بل بات العالم يشهد نظاماً تعددياً تشترك في صياغته دول عظمى ودول إقليمية بات لها دور كبير في العلاقات الدولية .
ثانياً : ان هذه الحرب وضعت الامة العربية والإسلامية في مرتبة الفاعل في الاحداث العالمية لا مجرد منطقة تتلقى تفاعلات خارجية، وتكون تعبيراً مأزوماً عنها .
ثالثاً : ان هذه الحرب قد اثبتت ان منطقتنا العربية والإسلامية قادرة ان تكون شريكة في صناعة مستقبل العالم لا مجرد مرآة تنعكس عليها صورة صراعات الاخرين .
رابعاً : ان الامة العربية و الإسلامية التي اجتمعت دولها و شعوبها على مبادئ سبق ان أعلنتها في خمسينات القرن الماضي في مؤتمرات لقمم عربية وإسلامية ودول عدم الانحياز، اذ ادركت قياداتها الرسمية و الشعبية آنذاك قدرتها على صناعة متغيرات لا تسهم في تحرير امتنا فحسب، بل في تحرير العالم ككل من نفوذ القوى الاستعمارية و الصهيونية على المستوى الإقليمي والدولي .
خامساً : ان حركة الشعوب العربية والإسلامية مؤهلة اذا توفرت لها الرؤى السليمة والبرامج الجامعة والقيادات المخلصة والعلاقات التكاملية بين تياراتها واممها، بل اذا توفرت لها قيادات مدركة للاخطاء التي وقعت بها هذه التيارات، لا سيّما حين انزلقت في فخ الاقصاء المتبادل والصراعات الجانبية.
سادساً : ان فكرة مقاومة أعداء الامة ليست فكرة هامشية في حياتنا، بل انها فكرة مركزية ما اعتمدها شعب من الشعوب الاّ وانتصر، وما ابتعد عنها شعب مكبل بالقيود الاستعمارية الاّ و هزم، وبالتالي فان المقاومة لم اعد مجرد وسيلة لمواجهة الاطماع الاستعمارية، بل باتت فكرة مركزية في برامج امتنا ورؤاها، بل هي الطريق لتحقيق هدف الامة، تماماً كما ان أي تقدم في تحقيق هذه الأهداف، في وحدة الامة وتحررها وتقدمها والعدالة لابنائها والحرية لمواطنيها، هو انتصار للمقاومة التي هي تعبير سامي عن إرادة الشعوب في التحرير والتقدم .
سابعاً : ان جميع القوى المستهدفة من المشروع الاستعماري – الصهيوني مدعوة لمراجعة تجاربها ودراسة الثغرات التي رافقتها، وتجاوز الصراعات المدمرة التي عاشتها، من اجل تشكيل جبهة واسعة ممتدة على طول امتنا العربية والإسلامية، بل متكاملة مع كل قوى التحرر والعدالة في العالم .
ثامناً: ان هذه المعركة التي بدأت على ارض غزة وعموم فلسطين وامتدت لتشمل لبنان و اليمن و العراق، ولتتوج انتصاراً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي أيضا دعوة لكي تتكامل جهود وتضحيات وفعاليات كافة شركاء امتنا العربية والإسلامية على نحو يتجاوز الحساسيات والصراعات التي ما غرقنا مرة فيها
الاّ وهزمنا، وما ارتفعنا يوما فوقها الاّ وانتصرنا .
تاسعاً: ان يأتي هذا الانتصار في شهر نيسان هو تتويج لمعارك وانتصارات وتضحيات وذكريات امتلأت بها أيام هذا الشهر العابق بما يذكّرنا بانتصاراتنا وشهدائنا في فلسطين ولبنان والعراق وسورية وعلى امتداد الامة، التي يجب ان تبقى حية في ذاكرتنا لا كأيام من التاريخ فقط بل كمنارات نحو المستقبل أيضاً .
كاتب لبناني
