غياب القائد الفعلي

 غياب القائد الفعلي

عماد العيسى

عماد العيسى – إعلامي وكاتب فلسطيني

مما لا شا فيه أن هناك مشكلة فعلية يعيشها الواقع الفلسطيني اليوم، وهي ليست مشكلة عابرة، يمكن تجاوزها ببيان جديد أو مؤتمر جديد أو اجتماع جديد، بل هي مشكلة ترتبط بجوهر الحالة السياسية الفلسطينية، وبالانقسام المستمر، وبغياب القيادة القادرة على تحويل حالة الاعتراض، إلى فعل سياسي حقيقي، وقد تجلّت هذه المشكلة بصورة أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع الحديث عن الانتخابات المتعلقة بالمجلس التشريعي الفلسطيني، والمجلس الوطني الفلسطيني، وما رافق ذلك من اعتراضات ومواقف فلسطينية متعددة، في الداخل والخارج، على مستوى الأطر والقيادات والتنظيمات والشخصيات المستقلة، ولست هنا في وارد مهاجمة المؤتمرات الفلسطينية التي انعقدت أو تنعقد في مختلف أنحاء العالم، ولا التقليل من أهمية أي حراك فلسطيني، يسعى إلى حماية القضية أو الدفاع عن الحقوق الوطنية، على العكس تماماً، فإن أي جهد فلسطيني صادق أينما كان، يستحق الاحترام والتقدير، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو… ماذا بعد المؤتمرات؟، لدينا المؤتمر الشعبي الفلسطيني، ومؤتمر الأربعة عشر مليوناً، والمؤتمر الوطني الفلسطيني، والحراك الوطني الفلسطيني، وغيرها من المبادرات والأطر والحراكات المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وهي جميعاً تمثل بدرجات مختلفة، شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، وتحمل الكثير من الطروحات والمطالب والاعتراضات، لكن ماذا حدث بعد كل هذه المؤتمرات؟ بيانات، ثم اجتماعات، ثم بيانات جديدة، ثم مؤتمر جديد، ثم بيان ختامي آخر، ولو جمعنا البيانات الصادرة عن عدد من هذه المؤتمرات ،والحراكات خلال السنوات الماضية، لوجدنا أن الكثير منها يعيد تقريباً الأفكار ذاتها، مع اختلاف في الصياغة والشكل والأسماء، بينما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب أين القرار؟، هذه هي المشكلة الحقيقية، فالشعب الفلسطيني لا تنقصه المؤتمرات، ولا تنقصه البيانات، ولا تنقصه الشخصيات التي تتحدث، ولا تنقصه المبادرات، ما ينقصه هو القيادة القادرة على اتخاذ القرار وتحويل الموقف إلى فعل .

خلال الفترة الأخيرة، ظهرت اعتراضات فلسطينية ،على الطريقة التي يجري بها التعامل مع انتخابات المجلس الوطني، وعلى ما يقال عن تشكيل مجمعات انتخابية، وآليات اختيار وتمثيل في عدد من الدول، وهنا لا بد من التمييز بين مفهوم الانتخابات الديمقراطية، وبين مجرد تشكيل أطر أو مجمعات يتم من خلالها تحديد من يشارك، ومن يمثل فالانتخابات في معناها الحقيقي، تعني أن يكون للشعب حق الاختيار، وأن يكون قادراً على ترشيح من يراه مناسباً، وأن تكون هناك منافسة حقيقية وآليات واضحة وشفافة، بعيداً عن التعيين المسبق أو توزيع المقاعد بالتوافق السياسي، وهذا ليس موقفاً ضد تنظيم فلسطيني بعينه، ولا ضد فصيل بعينه، إنه مبدأ ديمقراطي بسيط، من حق الفلسطيني أن ينتخب من يريد، وأن يختار من يراه قادراً على تمثيله، ومن حق الفلسطيني أيضاً أن يعترض على أي صيغة، لا يرى فيها تعبيراً حقيقياً عن إرادته،لكن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه الاعتراضات، المشكلة أن الاعتراضات بقيت في معظم الأحيان، محصورة في إطار البيانات والمواقف السياسية، بينما لم تتحول إلى قرار فلسطيني جامع، يستطيع أن يفرض نفسه في الواقع السياسي.

قد تكون هناك خلافات كبيرة بين القوى الفلسطينية حول أوسلو، وحول السلطة الفلسطينية، وحول منظمة التحرير، وحول شكل النظام السياسي، وحول الانتخابات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي، هناك من يعارض، وهناك من يؤيد، وهناك من يريد إصلاح منظمة التحرير، وهناك من يريد إعادة بناء مؤسساتها، وهناك من يريد الدخول إلى مؤسسات السلطة، والمجلس التشريعي والعمل من داخلها، وهناك من يرى أن المشكلة أعمق من ذلك كله، وهذا التنوع ليس المشكلة، المشكلة أن هذا التنوع لا ينتج حتى الآن قراراً سياسياً فلسطينياً جامعاً، بل إننا نعيش حالة غريبة، الجميع تقريباً يعرف المشكلة، والجميع يتحدث عنها، والجميع يكتب عنها، والجميع يعقد المؤتمرات من أجلها،ولكن عندما يأتي السؤال الحقيقي ماذا سنفعل؟ ،يعود الجميع إلى نقطة الصفر، وهنا يظهر غياب القائد الفعلي، وأنا لا أتحدث عن شخص بعينه، ولا أدعو إلى استبدال شخص بشخص، أتحدث عن وظيفة القيادة المفقودة، القيادة التي تجمع المختلفين حول قرار، القيادة التي تقول هذا موقفنا، وهذا ما سنفعله، وهذه هي آليات التنفيذ، وهذه هي الخطوات التي سنقوم بها.

المؤتمرات  ليس مشكلة، والاجتماع ليس مشكلة، والحوار ليس مشكلة، والاختلاف ليس مشكلة، بل المشكلة عندما تتحول المؤتمرات إلى غاية بدلاً من أن تكون وسيلة، عندما يصبح المؤتمر هو الحدث، والصورة هي الحدث، والمنصة هي الحدث، والبيان الختامي هو نهاية الحدث، ثم يعود الجميع إلى منازلهم، وتبقى القضية في مكانها، وهنا يجب أن نسأل سؤالاً صريحاً، إذا كانت هناك مؤتمرات تعقد منذ سنوات، وتُنفق عليها مبالغ كبيرة، ويشارك فيها فلسطينيون من دول مختلفة، وتصدر عنها بيانات متشابهة، فلماذا لم نستطيع حتى الآن تحويل هذا الجهد، إلى إطار فلسطيني موحد يمتلك قراراً واضحاً؟ والسؤال أين المشكلة؟ ،هل المشكلة في عدم وجود الإرادة؟، أم في تعدد القيادات؟، أم في المصالح التنظيمية؟، أم في الحسابات الشخصية؟، أم في الخوف من اتخاذ قرار كبير؟، أم أن الجميع ينتظر أن يبدأ الآخر؟ مهما كان الجواب، فإن النتيجة واحدة الوقت يمضي، بينما القرار غائب.

وهناك مسألة أخرى تحتاج إلى مراجعة جادة في بعض المؤتمرات، نجد أن أسماء معينة تتكرر في مواقع القيادة والمنصة والكلمات الرئيسية، وكأن الحديث الفلسطيني لا يمكن أن يكون، إلا من خلال مجموعة محددة من الشخصيات، وهنا أقول بوضوح، هذه ليست إساءة إلى أحد، وليست انتقاصاً من تاريخ أي شخصية، لكن من قال إن الشخصية الموجودة في الخارج، والتي تمتلك المال والعلاقات والإمكانات، هي بالضرورة أكثر أهمية من الفلسطيني، الذي يعيش يومياً تحت القصف والحصار والتهجير؟ ،من قال إن صاحب الفندق، أو الطائرة، أو الميكروفون أهم من طفل فلسطيني فقد منزله وأسرته؟، من قال إن شاباً من مخيم جنين، أو طفلاً من البريج، أو امرأة من غزة فقدت أبناءها، لا يستحق أن يكون صوتها ،أو صوته في مقدمة المشهد الفلسطيني؟، هذا الطفل أو هذه المرأة أو ذلك الشاب ،قد يكونون أكثر تعبيراً عن فلسطين ،من عشرات الخطباء الذين يتحدثون باسمها من خلف المنصات، فلسطين ليست ملكاً للنخب، وفلسطين ليست ملكاً للفصائل، وفلسطين ليست ملكاً لمن يملك القدرة على السفر ،أو الإقامة في الفنادق أو الظهور على المنصات، فلسطين ملك شعبها. والشعب الفلسطيني في الداخل والشتات ،هو صاحب الحق الأول في تحديد من يمثله.

من حق أي مؤتمر أن يستضيف من يرى أنهم أصحاب خبرة أو تجربة، لكن ليس من المنطقي أن يتحول ذلك إلى قاعدة ثابتة، تجعل شخصيات معينة هي دائماً المتحدثة، ودائماً في الصف الأول، ودائماً في مواقع القرار، بينما يتحول باقي الحضور إلى جمهور يصفق ويوافق السؤال هنا، لماذا لا تكون المؤتمرات الفلسطينية ساحات حقيقية للحوار؟، لماذا لا يكون هناك نقاش مفتوح؟، لماذا لا تكون هناك مشاركة حقيقية للشباب ،والمرأة والمخيمات واللاجئين والمستقلين، وأصحاب الخبرة والأكاديميين والإعلاميين والمثقفين، والناس الذين يعيشون في قلب المأساة الفلسطينية؟، ولماذا لا يكون للحضور دور حقيقي في صناعة القرار، بدلاً من أن يكون دوره الاستماع ، إلى مجموعة محددة من المتحدثين؟، إذا كنا نطالب بالديمقراطية، فعلينا أولاً أن نمارسها داخل أطرنا، وإذا كنا نطالب بانتخابات حقيقية، فعلينا أن نؤمن بأن الصوت الفلسطيني الواحد، لا تقل قيمته عن صوت أي شخصية مهما كان اسمها،المطلوب قرار فلسطيني جامع .نحن بحاجة اليوم إلى إطار فلسطيني حقيقي يجمع القوى والشخصيات والمستقلين، في الداخل والخارج، بعيداً عن الحسابات التنظيمية الضيقة. إطار لا تكون مهمته إصدار بيان جديد. ولا عقد مؤتمر جديد لمجرد عقد مؤتمر. بل تكون مهمته اتخاذ قرار، قرار واضح بشأن مستقبل التمثيل الفلسطيني، قرار واضح بشأن منظمة التحرير،قرار واضح بشأن الانتخابات، قرار واضح بشأن التعيينات، قرار واضح بشأن العلاقة مع اتفاقيات أوسلو والسلطة الفلسطينية، قرار واضح بشأن كيفية استعادة الإرادة الشعبية الفلسطينية، وقد تختلف القوى الفلسطينية في تقييم هذه القضايا، وهذا حقها لكن لا يجوز أن يبقى الاختلاف ذريعة، لعدم اتخاذ أي قرار، فالسياسة في النهاية ليست بيانات،السياسة قرار، والقيادة ليست خطاباً، القيادة مسؤولية، والقائد الحقيقي ليس من يقف خلف الميكروفون أكثر، ولا من يحصل على أكبر عدد من الدعوات، ولا من يحظى بأكبر مساحة في المؤتمرات، القائد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع المختلفين حول هدف، وأن يحول الغضب إلى فعل، والاعتراض إلى موقف، والموقف إلى قرار، والقرار إلى واقع، وهذا هو القائد الذي نفتقده اليوم،كفانا مؤتمرات بلا نتائج……

نحن أمام مرحلة فلسطينية خطيرة، ولا يجوز أن نستمر في عقد المؤتمرات أسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، ثم نعود بالبيانات نفسها والأسئلة نفسها، إذا كانت هذه المؤتمرات قادرة على صناعة القرار فلتصنعه، وإذا كانت قادرة على توحيد الفلسطينيين فلتوحدهم، وإذا كانت قادرة على إعادة بناء منظمة التحرير فلتبدأ، وإذا كانت قادرة على مواجهة التعيينات والتمسك بالانتخابات الحقيقية، فلتتخذ موقفاً عملياً واضحاً  أما أن نبقى في دائرة الاعتراض، ونصدر بياناً، ونعقد مؤتمراً، ونصدر بياناً آخر، ثم ننتظر المؤتمر المقبل، فهذا يعني أننا ندور في المكان نفسه، لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الكلام، إلى مرحلة الفعل، من البيانات إلى القرارات، من المؤتمرات إلى المؤسسات، من ردود الفعل إلى المبادرة، ومن تعدد الأطر إلى إطار فلسطيني قادر على جمع الكل الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات ،بقدر ما يحتاج إلى من يسمع صوته ويأخذ قراراً باسمه، وفي النهاية  فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً أمام الجميع، أمام الفصائل والتنظيمات ،والمستقلين والمؤتمرات، والحراكات والشخصيات الفلسطينية في الداخل والخارج، إذا كنتم جميعاً تقولون إن هناك خللاً، وإذا كنتم جميعاً تعترضون على ما يجري، وإذا كنتم جميعاً تتحدثون عن ضرورة إصلاح منظمة التحرير، وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية، فمن سيأخذ القرار؟ هنا تحديداً تكمن المشكلة….

( غياب القائد الفعلي) …

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *