شركة إماراتية تستحوذ سراً على حصة في شركة العملات الرقمية التابعة لعائلة ترمب

 شركة إماراتية تستحوذ سراً على حصة في شركة العملات الرقمية التابعة لعائلة ترمب

سعيد عريقات

كشفت صحيفة نيويورك تايمز، في تحقيق موسّع نشرته الأحد، عن صفقة استثمارية كبرى جرى إنجازها بعيدًا عن الأضواء، استحوذت بموجبها شركة استثمارية مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة على حصة تقارب نصف أسهم شركة العملات الرقمية التابعة لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. الصفقة، التي تعود إلى العام الماضي، تضع العائلة الرئاسية في موقع شراكة مالية مباشرة مع دولة أجنبية، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا، تزامن مع مفاوضات بين إدارة ترمب وأبوظبي حول ملفات إستراتيجية في السياسة الخارجية والتكنولوجيا المتقدمة.

وبحسب نيويورك تايمز، فإن شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، الذراع الرقمية لعائلة ترمب، أكدت رسميًا الصفقة عبر متحدثها ديفيد واكسمان، بعد أن كانت وول ستريت جورنال أول من كشف عنها. وأفادت الصحيفة أن إريك ترمب، الابن الأوسط للرئيس، الأميركي وقّع الاتفاقية قبل أيام قليلة من تنصيب والده في يوم 20 كانون الثاني 2025، متضمنة استثمارًا إماراتيًا بقيمة 500 مليون دولار.

ومنحت الاتفاقية الشركة المدعومة من الإمارات حصة تبلغ 49% من أسهم “وورلد ليبرتي”، كما انضم اثنان من كبار مساعدي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي الإماراتي، إلى مجلس إدارة الشركة. الشيخ طحنون يُعد أحد أبرز صناع القرار في أبوظبي، ووسيطًا محوريًا في العلاقات الأمنية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد.

وعند سؤاله عن تفاصيل الصفقة وشروطها، اكتفى واكسمان بالقول إن الاتفاق “كان الأنسب لمصلحة الشركة في مرحلة نموها”، رافضًا الخوض في تفاصيل إضافية تتعلق بتوقيت الاستثمار أو النفوذ داخل مجلس الإدارة. في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من ممثلي الشيخ طحنون.

وتشير نيويورك تايمز إلى أن هذه الصفقة ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن نمط أوسع من التداخل بين المصالح التجارية لعائلة ترمب والعلاقات الرسمية مع دولة الإمارات. ففي أيار الماضي، وخلال مؤتمر عُقد في دبي، أعلن مسؤولون في “وورلد ليبرتي” أن شركة “MGX”، وهي كيان استثماري آخر يديره الشيخ طحنون، استخدمت عملة رقمية مستقرة أصدرتها الشركة بقيمة ملياري دولار لإتمام استثمار ضخم، ما جعل “وورلد ليبرتي” واحدة من أكبر مُصدري العملات المستقرة عالميًا، مع توقعات بإيرادات سنوية بعشرات الملايين من الدولارات.

في الوقت ذاته، كان الرئيس ترمب، عبر كيان يُعرف باسم: دي تي ماركس ديإفآي إل إل سي DT Marks DEFI LLC، يسيطر فعليًا على حصة مؤثرة في الشركة، وقد حقق منها 57 مليون دولار في مراحلها الأولى، وفق إفصاحه المالي. كما تُقاسم العائدات مع زاك ويتكوف، نجل ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، إلى جانب شركاء آخرين.

وتقدّر الصحيفة أن توسع عائلة ترمب في قطاع العملات المشفرة أسهم في زيادة صافي ثروتها بأكثر من مليار دولار خلال عام واحد، على الأقل نظريًا. غير أن الإشكالية لا تتعلق بالأرقام فحسب، بل بالسياق السياسي الذي أحاط بهذه المكاسب. ففي موازاة صفقة العملات الرقمية، وافقت إدارة ترمب على اتفاق لتصدير مئات الآلاف من الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الإمارات لاستخدامها في تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم اعتراضات داخلية من مسؤولي الأمن القومي الذين حذّروا من احتمال تسرب هذه التكنولوجيا إلى الصين. تحقيق سابق لـنيويورك تايمز كشف أن مفاوضات الرقائق وتشابكت زمنيًا وبشريًا مع صفقات “وورلد ليبرتي”، دون العثور على دليل مباشر يربط الصفقتين بشكل صريح.

هذا التداخل أثار غضب الديمقراطيين في الكونغرس، الذين طالبوا بفتح تحقيقات رسمية. السيناتور إليزابيث وارن وصفت الكشوفات الجديدة بأنها “فساد واضح”، معتبرة أن المصالح التجارية لعائلة ترمب عرّضت الأمن القومي الأميركي للخطر، ودعت إلى إلغاء صفقة الرقائق واستدعاء مسؤولي البيت الأبيض للمساءلة.

في المقابل، نفى البيت الأبيض وشركة “وورلد ليبرتي” أي تضارب في المصالح، مؤكدين أن الرئيس لا يشارك في صفقات تمس مسؤولياته الدستورية، وأن الربط بين الاستثمار الإماراتي وملف الرقائق “ادعاء كاذب”.

وتكشف هذه القضية هشاشة الجدار الفاصل بين السلطة السياسية ورأس المال في النموذج الأميركي المعاصر، خصوصًا عندما يكون الرئيس نفسه جزءًا من شبكة المصالح. حتى في غياب دليل قانوني قاطع، فإن مجرد تزامن الصفقات وتداخل الأشخاص يخلق “شبهة نفوذ” تقوّض الثقة العامة. الإشكال هنا ليس فقط في ما إذا كان القانون قد انتُهك، بل في ما إذا كانت الديمقراطية الأميركية قادرة على حماية نفسها من تحويل الرئاسة إلى منصة استثمار.

وتُظهر الصفقة الإماراتية مع شركة ترمب الرقمية كيف أصبحت العملات المشفرة أداة سياسية بقدر ما هي مالية. فهي تتيح تدفقات رأسمالية ضخمة عبر مساحات تنظيمية رمادية، وتفتح الباب أمام دول أجنبية للتأثير غير المباشر في النخب الحاكمة. في هذا السياق، لا تبدو العملات الرقمية مجرد ابتكار تقني، بل قناة جديدة لإعادة تشكيل موازين النفوذ بين المال والسياسة والأمن القومي.  

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *