زيارة نتنياهو الثامنة للبيت الأبيض: عقيدة ترامب في الشرق الأوسط تتشكل – الضغط على إيران، وحرب مُدارة في غزة

 زيارة نتنياهو الثامنة للبيت الأبيض: عقيدة ترامب في الشرق الأوسط تتشكل – الضغط على إيران، وحرب مُدارة في غزة

سعيد عريقات

تحليل إخباري

إن زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض – وهي الثامنة له في غضون عام واحد – ليست مجرد اجتماع رفيع المستوى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي. إنها إشارة سياسية حول كيفية تبلور سياسة دونالد ترامب في الشرق الأوسط خلال ولايته الثانية: ليس من خلال مبادرات سلام شاملة، أو اتفاقيات تاريخية، أو هيكل دبلوماسي ضخم، بل من خلال استراتيجية مدروسة للضغط والاحتواء والتصعيد المُتحكم فيه.

إن وتيرة هذه الاجتماعات بحد ذاتها مهمة. فهذا ليس “تنسيقًا” نظريًا، ولا مجرد تأكيد رمزي على عادات التحالف. بل هو محاولة جادة للتعامل مع أزمات المنطقة كملف واحد متكامل – إيران، وغزة، والتطبيع، والتحالفات الإقليمية – تُدار بشكل متزايد كما لو كانت من غرفة عمليات مشتركة بين السياسة والأمن. المنطق الحاكم متسق في جميع الملفات: إبقاء الضغط مستمراً، وتحديد وتيرة العمل، وحرمان الخصوم من أي هامش استراتيجي، واستخدام الدبلوماسية كأداة ضمن إطار الإكراه لا كبديل عنه.

تتمحور هذه العقيدة الناشئة حول قضيتين رئيسيتين. الأولى هي إيران، التي تُعامل كساحة دائمة للمواجهة العقابية، حيث يجب أن يبقى الوضع عدائياً دائماً. والثانية هي غزة، التي تُعامل لا كحرب يجب إنهاؤها، بل كصراع يجب احتواؤه – من خلال وقف إطلاق النار أو هدنة ممتدة تُقلل من انكشاف واشنطن السياسي دون إجبار إسرائيل على تسوية نهائية لا تستطيع أو لا ترغب في قبولها.

فيما يتعلق بإيران، بات التوافق بين ترامب ونتنياهو أوضح من أي وقت مضى: الضغط هو السياسة؛ والدبلوماسية اختيارية – ولا تُعتبر شرعية إلا إذا ظلت خاضعة للضغط. يبقى البرنامج النووي هو القضية الأبرز، لكن الحملة أوسع نطاقاً: عقوبات، وتعبئة دولية، وتهديدات صريحة وسرية باستخدام القوة، وتكثيف العمليات الاستخباراتية في جميع أنحاء المنطقة.

من المتوقع أن يصل نتنياهو إلى واشنطن بمطلبٍ صريح: ضماناتٌ بأن أي تواصل أمريكي مع طهران لن ينزلق نحو ما يُطلق عليه المسؤولون الإسرائيليون غالبًا “الاتفاق الناعم” – وهو اتفاقٌ يُخفف من حدة العقوبات أو يمنح إيران مساحةً للاستقرار اقتصاديًا وسياسيًا. يريد نتنياهو إلزام إدارة ترامب بموقف تفاوضي يتجاوز نطاق أجهزة الطرد المركزي ومستويات التخصيب. من وجهة نظر نتنياهو، يجب أن يشمل أي اتفاق أيضًا برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وموقفها الإقليمي، وعلاقاتها مع حلفائها المسلحين وشبكاتها الوكيلة.

يبدو أن ترامب يتبنى نهجًا مزدوجًا: موقفٌ علني متشدد يتماشى مع التوجهات الأمريكية الداخلية، إلى جانب انفتاح دبلوماسي محدود يمكنه تقديمه لاحقًا على أنه انتصار سياسي إذا سمحت الظروف بذلك. لكن المبدأ يبقى ثابتًا. المفاوضات ليست بديلًا عن الضغط؛ بل هي امتدادٌ له – أداةٌ أخرى في نفس المجموعة.

تُشكّل هذه الفلسفة نفسها اليوم حسابات واشنطن بشأن غزة، مع تحوّلٍ جوهريّ: لم يعد ملف الرهائن والأسرى المحركَ الرئيسيّ للتفاوض كما كان سابقًا. أعلنت إسرائيل استعادة جثمان آخر أسير في 26 يناير/كانون الثاني. وبغضّ النظر عن تفسير إسرائيل للأمر، فإنّ التبعات السياسية واضحة لا لبس فيها: فقد تراجعت قضية الرهائن – التي شكّلت لأشهرٍ جوهر الحرب العاطفي والدبلوماسي – إلى حدٍّ كبير عن صدارة المشهد.

يُغيّر هذا من طبيعة النقاش. لم يعد السؤال “ما هي الصفقة التي تُنهي أزمة الرهائن؟” بل أصبح السؤال الأكثر حساسيةً سياسيًا: ما الخطوة التالية؟

لا تسعى واشنطن إلى تسوية شاملة، بل تبحث عن مخرج – أو بتعبير أدق، عن آلية تُخفّض التكاليف السياسية والإعلامية للحرب دون مواجهة البنية العميقة للصراع. وهذا يُفسّر الفجوة بين الخطاب العلني والدبلوماسية الخاصة. ففي العلن، يتحدث المسؤولون عن “إنهاء الحرب”. في جلسات خاصة، يتحول الخطاب نحو “ترتيبات أمنية” و”وقف إطلاق نار قابل للتجديد” وآليات هدنة مصممة لتدوم لفترة كافية لتحقيق استقرار الصورة العامة.

هنا يلتقي ترامب ونتنياهو، وهنا تتباعد مصالحهما بهدوء. يريد ترامب هدوءًا مُدارًا. أصبحت غزة، بالنسبة لواشنطن، عبئًا استراتيجيًا: استنزافًا مستمرًا للمصداقية، ومصدرًا للتوتر مع الحلفاء، وعبئًا أخلاقيًا وسياسيًا يُعقّد الطموحات الإقليمية الأوسع. من شأن الهدنة أن تسمح للإدارة الأمريكية بإعلان إحراز تقدم، واستعادة زخمها الدبلوماسي، وإعادة فتح الباب أمام مشاريع أكبر، بما في ذلك مسارات التطبيع وإعادة ضبط العلاقات مع العواصم العربية الرئيسية.

لكن يبدو أن ترامب غير مستعد لدفع ثمن تسوية شاملة. يتطلب ذلك فرض التزامات صارمة على إسرائيل، والدفع نحو أفق سياسي فلسطيني ذي مصداقية، ومواجهة البنية العميقة للاحتلال والحكم وإقامة الدولة. في الواقع، يريد ترامب فوائد الهدوء دون تكاليف فرض نهاية حتمية.

أما نتنياهو، فيأتي بقيد مختلف: ليس دوليًا، بل داخليًا. لا يزال ائتلافه متجذرًا في توازن سياسي يميني متشدد يُعاقب على التنازلات الكبيرة. وأي حل وسط ذي مغزى يُخاطر بأن يُفسَّر داخليًا على أنه هزيمة. حتى عبارة “إنهاء الحرب” قد تُصبح مُسيئة سياسيًا إذا ما انطوت على قيود على حرية إسرائيل في العمل، أو الرقابة الخارجية، أو ترتيبات ما بعد الحرب التي تُقلل من سيطرتها.

هذا يجعل إنهاء الحرب سياسيًا بشكل واضح أمرًا مستبعدًا. ما هو أكثر ترجيحًا هو صيغة مرحلية يُمكن لنتنياهو تسويقها على أنها تكتيكية وليست استراتيجية: هدنة طويلة، وشروط وقف إطلاق نار قابلة للتجديد، وفتحات إنسانية محدودة، وتعديلات في الوضع العسكري أو المراقبة – كل ذلك دون إعلان رسمي بانتهاء الصراع، ودون مسار سياسي متماسك لإدارة غزة وإعادة إعمارها.

هذا ليس سلامًا. إنه خفض تصعيد مُدار. وخفض التصعيد المُدار هش بطبيعته. وقف إطلاق النار بدون أفق سياسي هو وقفة مؤقتة، وليس تسوية. والهدنة بدون ضمانات قابلة للتنفيذ هي عقد مؤقت مُعرَّض للانهيار. إنّ التفاهمات الأمنية التي تفتقر إلى أسس سياسية ما هي إلاّ سقالات مؤقتة، مفيدة لفترة وجيزة، لكن يسهل هدمها تحت الضغط.

إنّ إبعاد ملف الرهائن عن صلب المفاوضات يكشف عن الخلاف الجوهري. تسعى واشنطن إلى تقليل التكلفة السياسية للحرب والمضيّ قدمًا. بينما يريد نتنياهو الحفاظ على سردية النصر مع تجنّب أيّ عملية تفرض التزامات مستقبلية، لا سيما تلك المرتبطة بإدارة غزة وإعادة إعمارها والقضية الفلسطينية الأوسع.

لهذا السبب، تبدو النتيجة الأرجح للزيارة مألوفة: موقف موحد تجاه إيران، مصحوب بمرونة تكتيكية تجاه غزة.

عمليًا، تبرز ثلاثة سيناريوهات. الأول – والأكثر ترجيحًا – هو استعراض علني للوحدة ضد إيران، مدعومًا بتصعيد خطابي وتجديد للعقوبات والتهديدات، إلى جانب اتفاق محدود بشأن غزة يسمح لواشنطن بادعاء “التقدم” مع منح نتنياهو أقصى مساحة ممكنة سياسيًا وعسكريًا. الثاني هو ضغط أمريكي أقوى من أجل وقف إطلاق نار أكثر استدامة، وهو ما سيصطدم فورًا بحسابات نتنياهو الائتلافية ومطالب شركائه من اليمين المتطرف. أما الثالث فهو الأكثر تشاؤمًا، ولكنه وارد تمامًا: تصريحات مبهمة، وانعدام أي اختراق، واستمرار إدارة الأزمة – مما يُبقي الملفين معلقين حتى تتغير الظروف.

مهما كانت النتيجة المباشرة، فإن المعنى الأعمق للزيارة بات واضحًا. في ظل ترامب ونتنياهو، لا تُدار شؤون الشرق الأوسط عبر تسويات تاريخية. تُدار الأمور من خلال “قواعد اشتباك” مفروضة: الضغط، والردع، والدبلوماسية التكتيكية، وإعادة التقييم المستمر.

فيما يخص إيران، يتمثل الهدف المشترك في إبقاء طهران محاصرة بالعقوبات والاحتواء، مع تقديم الخيار العسكري ليس كحل أخير، بل كأداة للمساومة. أما في غزة، فالهدف ليس التوصل إلى حل، بل إعادة ضبط الوضع السياسي: هدنة تخفف الضغط الدولي وتُرسّخ موقف واشنطن دون معالجة جذور الصراع.

ولهذا السبب، من المرجح أن تبقى غزة عالقة في نفس الدوامة: هدوء اليوم، وثوران غدًا.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *